في كتابه «رقعة الشطرنج»، يعاكس بريجنسكي «مقاربة ترامب»

من الواضح أن «الحلّ في أوكرانيا» لن يكون غدًا. غير أن ما كان في حسابات الغرب، من دفع روسيا إلى ما وراء حدودها، وقطع جسورها مع أوراسيا، وتهديد أمنها القومي، أصبح من الماضي. هذا ما يذهب إليه المستشار السياسي في وزارة الخارجية الروسية، الدكتور رامي الشاعر، في قراءته لمكانة أوكرانيا في التصوّر الاستراتيجي الأميركي بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي.

وقد صاغ التصوّر الأميركي لمكانة أوكرانيا زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر. وأوضح هذا التصوّر وفصّله عام 1997 في كتابه «رقعة الشطرنج الكبرى: الهيمنة الأميركية وضروراتها الجيوستراتيجية»، بعد ستّ سنوات على تفكّك الاتحاد السوفياتي.

يبحث الدكتور رامي الشاعر في أسباب الأزمة الأوكرانية وجذورها عن إجابة لسؤال: «من بدأ الصراع في أوكرانيا؟». ويجد الجواب لدى المستشار بريجنسكي، في الفصل الذي يحمل عنوان «رقعة الشطرنج الأوراسية»، حيث يميّز بين نوعين من الدول: دول تملك القوة والإرادة لتغيير موازين القوى، وأخرى تستمدّ أهميتها من موقعها الجغرافي وما يترتّب على وضعها من نتائج استراتيجية، فتكون بمثابة «نقاط ارتكاز جيوسياسية».

وتنتمي أوكرانيا، في نظر بريجنسكي، إلى «الفئة الثانية»؛ إذ يصفها بأنها «مساحة جديدة ومهمة على رقعة الشطرنج الأوراسية»، ويستنتج أنه «من دون أوكرانيا، تكفّ روسيا عن أن تكون إمبراطورية أوراسية».

وقد تبنّى الغرب، الأميركي والأوروبي، «فلسفة بريجنسكي» من خلال سياسات الصراع بين شرق أوكرانيا وجنوبها من جهة، وغربها من جهة أخرى، وبين المرشّح الموالي لروسيا والآخر الموالي للغرب، ثم عبر الثورة البرتقالية، وصولًا إلى انقلاب عام 2014.

فقد أخذ بريجنسكي في الاعتبار، أولًا، موقع أوكرانيا بين روسيا وأوروبا، وسواحلها المطلّة على البحر الأسود؛ وثانيًا، حجمها السكاني والاقتصادي والصناعي والزراعي؛ وثالثًا، عمقها الاستراتيجي؛ ورابعًا، أن ابتعادها عن روسيا يفرض على الأخيرة إعادة تعريف هويتها ومكانتها بصيغة جديدة.

على أيّ حال، أدرك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن ما تسعى إليه الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية هو استهداف الدولة الروسية، وزعزعة استقرارها الداخلي، وتفتيتها، والسيطرة على مواردها. وفي هذا السياق، يمكن فهم تركيزه على بناء جيش روسي قوي، وتحصين روسيا نوويًا وصاروخيًا، وفي المجالين الجوي والبحري. كما يمكن فهم المبادرة إلى خوض الحرب الروسية ـ الأوكرانية، وردود الفعل الأميركية والأوروبية عليها؛ إذ اعتبر الاتحاد الأوروبي أن أوكرانيا تدافع عن أوروبا، فيما اتّجه موقف واشنطن إلى الحفاظ على توازن قاري، وصون التفوّق الأميركي، والحؤول دون ظهور قوة أوراسية يمكنها تحدّي الولايات المتحدة الأميركية.

ولا شك في أن «عجلة» الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسيطرة والهيمنة على العالم ونفطه وموارده وتوازناته كانت عنصرًا لا يخدم «فلسفة بريجنسكي». فسقوط فنزويلا السريع، والسيطرة على قناة بنما، والتلويح باحتلال غرينلاند، وتوتير العلاقة مع كندا الجارة، وشنّ الحرب على إيران، واعتبار اغتيال المرجع الروحي، الإمام السيد علي خامنئي، مشابهًا في نتائجه لخطف الرئيس نيكولاس مادورو، كلّها تعبيرات عن هذه «العجلة».

وتنبع هذه العجلة من «عقلية» المقاول وصاحب نظرية «الصفقة»، الذي يسعى إلى «الربح السريع». فالمقاول، نظريًا، «مفاوض»، وليس محاربًا عسكريًا. وقد ذهب ترامب إلى حرب اعتقد أنها ستكون سريعة، على غرار صفقاته التجارية، ليجد نفسه أمام «حرب طويلة» لا تنسجم مع شعاره الأساسي «أميركا أولًا». وقد ترتّب على ذلك تراجع في شعبيته، واهتزاز في البورصة والأسواق المالية الأميركية، وارتفاع في الأسعار، وتململ في الشارع، واعتراض شعبي على الحرب.

وأدّى مأزق الرئيس الأميركي في إيران إلى إرباك واشنطن في ضبط التحوّلات السريعة على مستوى العالم، والتعامل مع «الحرائق» الآخذة في الانتشار، سواء في باب المندب والبحر الأحمر، أو في حرب اليمن والقرن الأفريقي والسودان وإثيوبيا وليبيا، فضلًا عن غياب الاستقرار في «سوريا الطبيعية»، وفي فرنسا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى.

وكانت لهذا الوضع نتائج مباشرة، تمثّلت في تراجع الهيمنة الأميركية والأحادية القطبية، وانكفاء الرئيس دونالد ترامب، في أحسن الأحوال، إلى «دور الحَكَم» في الحرب الروسية ـ الأوكرانية؛ وهو دور يأتي على حساب أوروبا الغربية والرئيس فولوديمير زيلينسكي معها.

ثمة «نظام دولي جديد» يتشكّل على قواعد جديدة أرستها الحربان الأميركية ـ الإيرانية والروسية ـ الأوكرانية، وأزمة الاقتصاد العالمي والمضائق البحرية. فخارج هذا «النظام الدولي الجديد»، تتمثّل البدائل في حروب تُستخدم فيها أسلحة تكتيكية، بل حتى نووية.

مقالات الكاتب

عبد الهادي محفوظ

رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع.