شهد النموذج الجيوسياسي العالمي، خلال الأشهر الأخيرة، تحولات جذرية. وقد حان الوقت للتراجع خطوة إلى الوراء، والنظر إلى المشهد بأكمله، ومحاولة فهم ما يعنيه ذلك. فقد بدأ التغيير مع غزو روسيا لأوكرانيا وعجزها عن إلحاق الهزيمة بها. ومن وجهة نظرنا، وضع ذلك حدًا نهائيًا للحرب الباردة. إذ قامت الأخيرة على استجابة الولايات المتحدة لما كانت تعدّه تهديدًا روسيًا لأوروبا، وعلى التنافس مع روسيا على النفوذ والقوة في ما كان يُعرف سابقًا باسم العالم الثالث.
تمثّلت إحدى نتائج انتهاء الحرب الباردة في سعي الولايات المتحدة إلى تقليص انكشافها الاستراتيجي في نصف الكرة الشرقي، والتركيز على نصف الكرة الغربي. واستند المبدأ الأساسي لهذه السياسة إلى الاعتقاد بأن حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا تطوروا بدرجة كبيرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد حققت أوروبا، على سبيل المثال، نموًا اقتصاديًا ملحوظًا؛ إذ إن الناتج المحلي الإجمالي الإجمالي للاتحاد الأوروبي يزيد قليلًا على نظيره في الصين. لذلك، أصبحت أوروبا اليوم قادرة على تطوير قوة عسكرية ونشرها للتعامل مع أي تهديد روسي، ولا سيما في ظل الأداء الضعيف جدًا لروسيا في أوكرانيا.
إضافة إلى ذلك، تبتعد الولايات المتحدة عن النظام الاقتصادي العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. فقد عُدّ هذا النظام الاقتصادي، الذي صُمم لإعادة إعمار أوروبا الغربية والتصدي للنفوذ الروسي في العالم الثالث، نظامًا عفا عليه الزمن. ولذلك، تحدّت واشنطن نظام التجارة الحرة من خلال فرض رسوم جمركية ضخمة على دول في مختلف أنحاء العالم.
تتمثل القضية الأساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة في الصين، التي أصبح اقتصادها ثاني أكبر اقتصاد في العالم. فقد تحولت الصين إلى قوة اقتصادية كبرى داخل الولايات المتحدة نفسها، إذ كانت تبيع كميات هائلة من صادراتها بأسعار أدنى من أسعار السلع المصنّعة في الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، تصاعد التوتر العسكري بين البلدين.
تمثلت مشكلة واشنطن في أن الاعتماد المتزايد على الواردات، فضلًا عن الاستثمارات الأميركية في الصين، لا ينسجم مع وجود علاقة عسكرية يُحتمل أن تكون عدائية مع بكين. وبصرف النظر عن التداعيات الاقتصادية لهذه العلاقة، فإن احتمال اندلاع حرب، مهما كان مستبعدًا، يعني أن الولايات المتحدة لا تستطيع الاستمرار في الاعتماد على السلع أو الموارد الصينية.
كانت استراتيجية الصين مختلفة تمامًا عن الاستراتيجية التي اتبعتها روسيا. فبعد وفاة ماو، لم تسعَ الصين إلى احتلال الدول كما فعلت روسيا، بل استخدمت قوتها الاقتصادية وسياساتها التسعيرية لدفع الدول إلى إقامة علاقات اقتصادية أوثق معها، بما في ذلك ضخ استثمارات هائلة في عدد كبير من البلدان. وأدى ذلك، بدوره، إلى تعزيز النفوذ الصيني.
غير أن الصين كانت تعاني نقطة ضعف جوهرية، تمثلت في أن حجم إنتاجها كان أكبر بكثير من قدرة قاعدتها الاستهلاكية المحلية على استيعابه. ولذلك، كانت تعتمد على الصادرات لتحقيق الاستقرار في اقتصادها وتنميته – وكانت الولايات المتحدة أكبر زبائنها.
وبالنظر إلى أن الولايات المتحدة لا تستطيع الاعتماد على الواردات الآتية من دولة ترتبط معها بعلاقات يُحتمل أن تكون عدائية، فإن الرسوم الجمركية التي فرضتها واشنطن على نطاق عالمي لم تكن مصممة لتغيير اقتصاد التجارة الحرة الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية فحسب، بل أيضًا لممارسة ضغط اقتصادي على الصين. وكان الهدف من هذا الضغط الحد من نفوذ الصين داخل الاقتصاد الأميركي، وإرغام بكين على تغيير طبيعة علاقتها بالولايات المتحدة، عسكريًا واقتصاديًا. ونظرًا إلى أن معدل النمو الصيني انخفض الآن إلى ما يزيد قليلًا على 4 في المئة، فقد ازدادت حاجة بكين إلى الوصول إلى السوق الأميركية واستقطاب الاستثمارات من هناك.
بناءً على ذلك، يسعى كل طرف إلى التوصل إلى تفاهم مع الطرف الآخر. فبالنسبة إلى الصين، يُعد الوصول إلى الاقتصاد الأميركي أمرًا بالغ الأهمية. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن تقليص انكشافها العسكري في آسيا لا يقل أهمية عن تقليص انكشافها في أوروبا.
غير أن ذلك يخلق لحلفاء الولايات المتحدة في آسيا المشكلة نفسها التي يواجهها حلفاؤها في أوروبا. فنظرًا إلى القوة الاقتصادية التي يتمتع بها حلفاء الولايات المتحدة في آسيا، وخصوصًا اليابان، لا ترى واشنطن سببًا يدفعها إلى تحمّل عبء الأمن في آسيا.
وهكذا، برز في المنطقة تفاهم بشأن علاقات الدفاع المشترك، شمل الهند أيضًا، وهي الدولة التي تتعارض مصالحها غالبًا مع مصالح الصين، وتخوض معها حاليًا نزاعًا حدوديًا. وقد أدت الهند دورًا محوريًا في إنشاء ما يبدو أنه منظومة تحالفات تحيط بالصين، وتضم اليابان والفلبين وإندونيسيا وأستراليا ونيوزيلندا وجزر مارشال، وربما فيتنام.
إذا أمكن الحفاظ على منظومة التحالفات بين هذه الدول، فقد تحدّ من قدرة الصين على الوصول إلى مياه منطقتَي المحيطين الهندي والهادئ. ومن شأن ذلك أن يعفي الولايات المتحدة من الانخراط المباشر في المنطقة، ما يزيد احتمال التعاون بين الولايات المتحدة والصين.
وفي الشرق الأوسط، وقع تطور أكثر جذرية، أشعلته حرب واشنطن في إيران. والمفارقة أن هذه الحرب تشكل انتهاكًا للمبدأ الأميركي القائم على تجنّب الصراعات في نصف الكرة الشرقي. وفي هذه المنطقة أيضًا، ظهرت بنية تحالفية جديدة، مع انضمام تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان إلى ميثاق دفاعي يطوّق إيران، على نحو ما.
إذا فكرنا في الشكل المحتمل للنظام الجيوسياسي المستقبلي، فإن ظهور منظومتَي تحالف جديدتين، إحداهما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والأخرى في الشرق الأوسط، بالتزامن مع استمرار عجز روسيا عن إلحاق الهزيمة بأوكرانيا، وهو ما يفرض حتمًا تعزيز القوة العسكرية الأوروبية، يبدو محققًا للضرورة الاستراتيجية الأميركية المتمثلة في تقليص الانكشاف على صراعات نصف الكرة الشرقي.
وثمة أيضًا تطورات يمكن توقّعها في أميركا اللاتينية، تستند جزئيًا إلى التحول في بؤرة التركيز الجيوسياسي للولايات المتحدة. فواشنطن تمارس ضغوطًا على دول المنطقة لحملها على التماهي مع المصالح الأميركية.
يتغير النظام الجيوسياسي في نصف الكرة الشرقي بصورة جذرية. ويتمثل السؤال الأكثر أهمية في هذا السياق في مستقبل أوروبا. فعلى الرغم من أنها منطقة اقتصادية هائلة، فإنها لا تزال مجزأة، وتضم عددًا كبيرًا من الدول والمناطق التي تسعى كل منها إلى تحقيق مصالحها الخاصة. ويتصرف بعضها، بصفته جزءًا من حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، بصورة منسقة ضمن تحالفات للراغبين.
هكذا، لو تمكنت أوروبا من الاتحاد، لأصبحت قوة عظمى. وبخلاف ذلك، فستكون عرضة للتلاعب من جانب دول أكثر قوة، بما فيها الصين والولايات المتحدة، لا سيما مع احتمال تطور العلاقة بين هاتين القوتين.
ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / جورج فريدمان

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
