في لبنان، يبدو الحديث عن «بناء الدولة» جميلاً في الخطابات السياسية، لكنه يصبح أكثر تعقيداً عندما نضعه أمام سؤال بسيط وحاسم: هل يريد زعماء الأحزاب دولةً قوية ومستقلة حتى لو كانت هذه الدولة ستضع قيوداً على نفوذهم السياسي ومصالحهم الاقتصادية؟
فجزء من الطبقة السياسية اللبنانية بنى زعامته، على مدى عقود، في ظل ضعف مؤسسات الدولة. تحوّل الزعيم في كثير من المناطق إلى دولة مصغّرة: يؤمّن وظيفة، أو خدمة، أو واسطة، أو حماية، أو حلاً لمشكلة يفترض أن تتكفّل بها المؤسسات الرسمية.
وهكذا نشأت علاقة غير صحية بين المواطن والسياسي؛ فبدلاً من أن يحصل المواطن على حقه لأنه مواطن، أصبح في بعض الحالات يحتاج إلى «زعيم» أو «واسطة» للوصول إلى هذا الحق.
لكن بناء دولة حقيقية يعني تغيير هذه المعادلة بالكامل.
الدولة القوية تعني قضاءً مستقلاً لا يخشى السياسيين، ومؤسسات رقابية قادرة على محاسبة أصحاب النفوذ، وقانوناً يطبق على الجميع دون استثناء، ومناقصات شفافة، وإدارة عامة لا تقوم على المحاصصة، وانتخابات لا تتحول فيها الخدمات والوظائف إلى أدوات لاستقطاب الأصوات.
والأهم من ذلك كله، أن الدولة الحقيقية تعني أن لا أحد فوق القانون، مهما كان اسمه أو طائفته أو حجمه السياسي.
وهنا تكمن المشكلة.
فمن استفاد سياسياً واقتصادياً من ضعف الدولة لن يكون بالضرورة متحمساً لدولة قوية تستطيع أن تراقبه وتحاسبه وتمنع عنه استخدام مؤسساتها كأداة لتعزيز نفوذه. ولذلك قد نسمع كثيراً عن «الدولة» في الخطابات، بينما يبقى التطبيق محكوماً بحسابات المصالح والحصص والنفوذ.
لكن لا يجوز أيضاً اختزال كل الأحزاب أو كل السياسيين في صورة واحدة. فالمعيار الحقيقي ليس ما يقوله السياسي عن الدولة، بل ما يقبله عندما تصبح الدولة قوية بما يكفي لتقييد نفوذه هو شخصياً.
هل يقبل بقضاء مستقل حتى لو طال التحقيق حليفاً له؟
هل يقبل بقانون انتخاب عادل حتى لو خسر مقعداً؟
هل يقبل بالتوظيف على أساس الكفاءة حتى لو حُرم من توزيع الوظائف على المحاسيب؟
هل يقبل بالشفافية في المال العام حتى لو كشفت هذه الشفافية شبكة مصالح مرتبطة به؟
وهل يقبل بأن يصبح المواطن مواطناً كاملاً لا تابعاً لزعيم؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تُطرح.
فالدولة ليست مشروعاً انتخابياً، ولا شعاراً يرفع في المناسبات، ولا صورةً أمام المؤسسات الرسمية. الدولة مشروع يعني في جوهره نقل الولاء من الأشخاص إلى المؤسسات، ومن الزعيم إلى القانون، ومن الطائفة والحزب إلى المواطنة.
وربما لهذا السبب تحديداً يبقى بناء الدولة في لبنان معركة سياسية حقيقية، وليس مجرد مسألة إدارية.
لأن الدولة التي تحمي الجميع هي نفسها الدولة التي تمنع أي شخص من أن يصبح أقوى من القانون.
وفي النهاية، لا يُقاس صدق أي زعيم عندما يتحدث عن الدولة، بل عندما يضع الدولة فوق زعامته، والقانون فوق مصالحه، والمؤسسات فوق حزبه.
عندها فقط نستطيع أن نقول إننا بدأنا فعلاً ببناء دولة.

مارك الأعور
مغترب لبناني.
