هناك أسئلة لا يجوز أن تمر في مصر مرور العابرين، ليس لأن كل سؤال مؤامرة، ولا لأن كل لقاء مع أجنبي خيانة، ولكن لأن الدولة التي تعيش وسط إقليم مشتعل لا تملك رفاهية السذاجة، ولا تستطيع أن تتعامل مع العلاقات والاتصالات الخارجية باعتبارها مجرد دعوات عشاء ومجاملات دبلوماسية.
حين يقول أستاذ جامعي وإعلامي سابق إنه تلقى خلال فترة قصيرة، وعلى غير عادته، عشر دعوات للعشاء مع سفراء دول غربية، ثم يقول إنه خرج من هذه اللقاءات بانطباع يصعب التخلص منه، وإن «هناك شيئًا مهمًا جدًا» قد يجعل نهاية أكتوبر أو شهر نوفمبر مختلفين عما قبلهما، فإن السؤال الطبيعي ليس: هل الرجل خائن؟
السؤال الأخطر هو: ماذا قيل في هذه اللقاءات؟ ولماذا هذا العدد من الدعوات؟ ومن كان يسأل ومن كان يجيب؟ وهل كانت اللقاءات اجتماعية أم سياسية أم بحثية أو أمنية؟
هذه ليست أسئلة اتهام، وإنما أسئلة دولة. فالسفارات في كل دول العالم فيها أجهزة أمنية واستخباراتية، وهي ليست مجرد أماكن للمجاملات الاجتماعية، والدبلوماسية ليست مائدة عشاء. السفارة مؤسسة تمثل دولة، والسفير ليس مجرد شخص أجنبي يقيم في القاهرة، وإنما جزء من منظومة سياسية ودبلوماسية تتابع بدقة ما يجري داخل الدولة التي يعمل فيها.
ولهذا فإن الأجهزة المعنية بالأمن القومي في أي دولة تتابع النشاط الدبلوماسي الأجنبي والاتصالات التي يمكن أن تمس الأمن القومي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشخصية عامة أو أكاديمية أو إعلامية لها قدرة على التأثير في الرأي العام.
لكن هنا يجب أن نفرق بين المتابعة الأمنية المشروعة وبين تحويل كل علاقة مع سفارة إلى تهمة. فليس كل من دخل سفارة أجنبية جاسوسًا، وليس كل من جلس مع سفير عميلًا، وليس كل من تلقى دعوة للعشاء ارتكب جريمة.
الخيانة ليست في بطاقة الدعوة. الخيانة، وفق المعنى القانوني، ترتبط بأفعال محددة وأدلة تثبتها، وليس بمجرد التواصل الاجتماعي أو الدبلوماسي.
مصطفى أمين… لكن لا تزوًروا التاريخ
يستدعي البعض قضية الكاتب الصحفي الكبير مصطفى أمين باعتبارها نموذجًا تاريخيًا للتعامل الأمني مع الاتصالات الأجنبية. والحقيقة أن الدقة هنا واجبة.
مصطفى أمين لم يُقبض عليه لمجرد أنه كان «يتردد على السفارة البريطانية»، وإنما كانت قضيته مرتبطة باتصالات مع بروس تايلور أوديل، الذي كان يعمل بغطاء دبلوماسي في السفارة الأمريكية، وحوكم في قضية تخابر، وصدر بحقه حكم بالأشغال الشاقة المؤبدة.
هذه واقعة تاريخية ثقيلة، لكنها تعلمنا درسًا أهم من مجرد ترديد كلمة «خيانة». الاتصال بالأجنبي ليس هو الجريمة، وإنما طبيعة الاتصال ومضمونه والغاية منه وما يترتب عليه. وهذا هو الفاصل بين دولة القانون ودولة الشائعات.
توفيق عكاشة… درس آخر
وفي مصر الحديثة لدينا واقعة مختلفة تمامًا. في عام 2016 استضاف النائب والإعلامي توفيق عكاشة السفير الإسرائيلي في منزله، وأثارت الواقعة عاصفة سياسية داخل مجلس النواب، وانتهت بإسقاط عضويته بأغلبية ساحقة.
لم يكن عكاشة مواطنًا عاديًا. كان نائبًا في البرلمان. ولهذا لم ينظر المجلس إلى اللقاء باعتباره مجرد زيارة اجتماعية، بل ربطه بمسؤولية النائب السياسية وبما اعتبره المجلس إخلالًا جسيمًا بمقتضيات العضوية والأمن القومي.
إذن المسألة ليست أن «كل من يدخل سفارة يخون». المسألة هي: من هو الشخص؟ ولماذا يذهب؟ وبأي صفة؟ وماذا يقول؟ وماذا يسمع؟ وهنا تحديدًا يصبح السؤال مشروعًا حول دعوات السفراء العشر.
برزان التكريتي… ماذا قالت محاكمة صدام عن عمل أجهزة المخابرات؟
وهنا أتوقف عند مشهد من محاكمة صدام حسين وقيادات نظامه في قضية الدجيل.
كان برزان إبراهيم التكريتي، الرئيس السابق لجهاز المخابرات العراقي، أحد المتهمين في القضية، وظهر أمام المحكمة متحدثًا عن عمل جهاز المخابرات واختصاصاته. وتُتداول رواية عن حديثه أمام المحكمة مفادها أن أجهزة المخابرات في الدول تتابع الأشخاص الذين يترددون على السفارات الأجنبية، وقد تستدعي من ترى ضرورة لسؤاله عن طبيعة اتصالاته.
والمغزى الذي أستحضره من هذه الواقعة ليس أن كل زائر لسفارة يصبح موضع اتهام، وإنما أن النشاط الدبلوماسي الأجنبي والاتصالات المرتبطة به تدخل، بطبيعتها، ضمن دوائر الاهتمام الأمني في مختلف الدول، كل دولة وفق قوانينها وأجهزتها.
ومن هنا يأتي السؤال المصري المشروع: هل تم استدعاء أيمن منصور ندا؟
بعد أن أعلن الدكتور أيمن منصور ندا بنفسه أنه تلقى عشر دعوات للعشاء مع سفراء دول غربية، وبعد أن نقلت وسائل إعلام وقنوات معارضة للنظام المصري تصريحاته على نطاق واسع، وبعد أن ربط هذه اللقاءات بانطباعه عن احتمال أن تكون نهاية أكتوبر أو نوفمبر مختلفة عما قبلها، يبرز سؤال مباشر: هل تم استدعاء الدكتور أيمن منصور ندا أو سؤاله من أي جهة رسمية عن طبيعة هذه اللقاءات؟
أنا لا أطالب بإدانته. ولا أقول إن مجرد قبول دعوة من سفير أجنبي جريمة. ولكن إذا كان الرجل نفسه قد أعلن للرأي العام عن عشر لقاءات دبلوماسية، ثم خرج منها بانطباع سياسي بالغ الحساسية، فمن الطبيعي أن يسأل المواطن: من دعاه؟ وبأي صفة؟ وماذا كان موضوع النقاش؟ وماذا قال هو؟ وماذا سمع؟ وهل خرج من تلك اللقاءات بمعلومات أم بمجرد انطباعات وتحليلات؟
إذا كانت الجهات المختصة قد سألته، فهذا إجراء يمكن أن يدخل في إطار التحقق الأمني الطبيعي. وإذا لم تسأله، يبقى السؤال: لماذا؟
فالقضية ليست في العشاء ولا في السفارة ولا في جنسية السفير. القضية في المعلومة التي قد تنتقل عبر الطاولة. وأكرر: لا أتهم الدكتور أيمن منصور ندا بالتخابر أو الخيانة، ولا أملك دليلًا يبرر مثل هذا الاتهام. لكنني أطرح سؤالًا عامًا يخص الأمن القومي المصري: عندما يعلن شخص عام أنه جلس عشر مرات مع سفراء أجانب، ثم يقول إن شيئًا مهمًا قد يجعل أكتوبر أو نوفمبر مختلفين، هل تتعامل أجهزة الدولة مع هذا الكلام باعتباره مجرد رأي، أم تتحقق من خلفياته ومصادره؟
هذا سؤال مشروع. والإجابة عنه مسؤولية الجهات المختصة. هل مات الرجال والسياسيون في مصر؟ ولماذا أيمن منصور ندا؟ وهنا يفرض سؤال آخر نفسه، وربما يكون هو السؤال الأكثر إلحاحًا: هل مات الرجال والسياسيون والخبراء في مصر، حتى لم تجد السفارات الأجنبية، من بين كل هذه النخب المصرية، إلا أيمن منصور ندا لتدعوه عشر مرات إلى موائدها؟ لماذا أيمن منصور تحديدًا؟ ما الذي يجعل عشر سفارات غربية، أو هذا العدد من السفراء، حريصين على الاستماع إليه في فترة واحدة؟ هل لأنهم يرونه أستاذًا جامعيًا وخبيرًا في الإعلام فقط؟ أم لأن لديهم اهتمامًا خاصًا بقراءته للمشهد المصري؟ وهل كانت الدعوات مجرد لقاءات بروتوكولية واجتماعية، أم كانت وراءها أجندة سياسية أو بحثية؟
السؤال ليس اتهامًا.. لكنه سؤال دولة. فمصر مليئة بأساتذة الجامعات والباحثين والدبلوماسيين السابقين والسياسيين والخبراء في الاقتصاد والإعلام والأمن والسياسة الدولية. فلماذا هذا الاهتمام تحديدًا بأيمن منصور ندا؟ وهل كان هو الذي اختار أن يذهب، أم أن السفارات هي التي بحثت عنه ودعته؟
الفرق بين السؤالين كبير. وأنا لا أقول إن قبول الدعوات جريمة، ولا إن التواصل مع السفراء خيانة، ولكنني أقول إن تكرار الدعوات، وتعدد السفارات، والتوقيت، ثم التصريح بوجود شيء مهم قد يجعل أكتوبر ونوفمبر مختلفين، كلها أمور تستحق تفسيرًا واضحًا.
لماذا أيمن منصور ندا؟
هذا هو السؤال الذي أتركه أمام الرجل نفسه، وأمام السفارات التي وجهت إليه الدعوات، وأمام الجهات المصرية المختصة. فالسياسة لا تعرف الصدفة دائمًا، والدبلوماسية لا تتحرك بلا حساب.
وفي دولة تواجه هذا الكم من الضغوط الإقليمية والدولية، يصبح من حق المواطن أن يسأل: من يتحدث مع من؟ ولماذا؟ وماذا يدور خلف الأبواب المغلقة؟
إذا صح ما نُشر من تصريحات الدكتور أيمن منصور ندا حول تلقيه عشر دعوات للعشاء مع سفراء دول غربية، فإن الرقم في حد ذاته يستحق السؤال. لماذا عشر دعوات؟ ولماذا في فترة واحدة؟ ولماذا لأستاذ جامعي سابق في الإعلام؟ وماذا كان موضوع النقاش؟ وهل كانت لقاءات فردية أم جماعية؟ وهل تحدث الرجل باعتباره مواطنًا وأستاذًا وباحثًا، أم كان يقدم للسفراء قراءة سياسية عن الداخل المصري؟ وهل نقل له هؤلاء السفراء تقديرات دولهم بشأن مصر؟ وهل ما قاله عن أكتوبر ونوفمبر مجرد تحليل شخصي، أم أنه استنتاج من أحاديث سمعها خلال تلك اللقاءات؟
هذه الأسئلة لا تعني إدانة أحد. لكنها تعني أن الصمت ليس إجابة.
ماذا أعرف عن الرجل؟
وهنا أضع أمام القارئ نقطة مهمة. وككل كاتب وصحفي، لي مصادري الخاصة، وما أكتبه هنا على مسؤوليتي الشخصية. بحسب هذه المصادر، فإن الدكتور أيمن منصور ندا سبق أن عمل مستشارًا لشركة المهندس ميشيل باخوم، بمقابل مالي كبير، وكان ذلك، وفق ما وصلني.
وتقول المصادر نفسها إنه أُتيحت له فرصة الكتابة في مؤسسة الأهرام مقابل بدل مالي، كما أنه سعى في وقت سابق إلى تولي منصب عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة، إلا أن رئاسة الجامعة لم توافق على ذلك، بسبب ما تشير إليه هذه المصادر من إحالات سابقة له إلى مجالس تأديب.
وتضيف المصادر أن الدولة كانت تستعين به في إعداد تقارير ودراسات مقابل مبالغ مالية، وأنه سعى كذلك إلى تولي زوجته منصبًا قياديًا في الإذاعة والتليفزيون. وأضع هذه المعلومات أمام الرأي العام على مسؤوليتي الشخصية، وأدعو الجهات المعنية والدكتور أيمن منصور ندا نفسه إلى نفيها أو تأكيدها بالمستندات.
أما ما يقال عن وصفه بأنه «مبتز»، فلا أريد أن أستخدم هذه الكلمة باعتبارها حقيقة ثابتة من دون مستند قضائي، وإنما أشير إلى أن بعض المصادر ترى أن جانبًا من كتاباته خلال السنوات الماضية اتجه بصورة مستمرة إلى مهاجمة الدولة ومن يساندونها، وأن وراء هذا الموقف دوافع شخصية ومصلحية أكثر منها رؤية سياسية مستقلة.
وهنا أطرح السؤال الذي أراه أهم من كل ذلك: هل تغير موقف الرجل من الدولة نتيجة تحول فكري وسياسي حقيقي، أم نتيجة خلافات شخصية ومهنية؟ التغير السياسي ليس جريمة، ومن حق أي إنسان أن يغير أفكاره ومواقفه. لكن عندما يكون التغير بهذه الحدة، فمن حق الرأي العام أن يسأل عن أسبابه.
وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية: أين كان موقف الدكتور أيمن منصور ندا من جماعة الإخوان المسلمين؟ هل كان لديه موقف واضح من الجماعة ومشروعها السياسي؟ هل كتب أو تحدث ضدها بالوضوح نفسه الذي يهاجم به مؤسسات الدولة؟ هذه أسئلة سياسية مشروعة، لكنها تحتاج إلى إجابات موثقة، لا إلى اتهامات مضادة.
أكتوبر ونوفمبر… لماذا هذه النبرة؟
الأخطر في التصريحات ليس الحديث عن الدعوات، وإنما الجملة المتعلقة بأكتوبر ونوفمبر.
أن تقول إن هناك شيئًا مهمًا جدًا قد يجعل نهاية أكتوبر أو نوفمبر مختلفة عن السابق، ثم تطرح سيناريوهات تبدأ بمرحلة اقتصادية جديدة، وتمتد إلى إعادة ضبط للمجال العام، وصولًا إلى احتمال تغيير كبير في السلطة أو قواعد اللعبة، فهذا ليس مجرد حديث عابر.
والسؤال هنا: من أين جاء هذا الإحساس؟ هل هو تحليل شخصي؟ هل هو قراءة اقتصادية؟ هل هو استنتاج من المؤشرات الداخلية؟ أم أن هناك معلومات أو تقديرات سمعها صاحب التصريح خلال تلك اللقاءات؟
الفرق هائل. فالمحلل السياسي الذي يقرأ الأحداث من المؤشرات والتصريحات والبيانات شيء، والشخص الذي يقول إنه خرج من عشر موائد دبلوماسية بانطباع أن «شيئًا مهمًا جدًا» سيحدث شيء آخر تمامًا.
وماذا قيل على قناة «مكملين»؟
ثم يأتي الحديث عن ما قيل في قناة «مكملين» وعن تصريحات محمد ناصر بشأن هذه الزيارات.
القنوات المعارضة في الخارج لها خطابها السياسي، ومن حقها أن تنتقد الدولة المصرية، لكن عندما تتحول معلومة غير موثقة إلى «نبوءة»، ثم تبدأ الجماهير في انتظار شهر بعينه وحدث بعينه، فإننا ندخل منطقة خطرة.
وهنا أتذكر قصة شهيرة للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز عن القرية التي انتشرت فيها شائعة بأن شيئًا خطيرًا سيحدث. بدأ الأمر من عجوز شعرت بالخوف، ثم انتقل الخوف إلى أبنائها، ثم إلى الجيران والسوق، حتى أصبح الجميع يتصرفون على أساس أن الكارثة قادمة.
وفي النهاية هجر الناس القرية وأحرقوا بيوتهم. لم تكن الكارثة موجودة في البداية. لكن الخوف الجماعي صنعها. وهذه هي خطورة الشائعة السياسية. أن تتحول من كلام إلى اعتقاد، ومن اعتقاد إلى سلوك، ومن سلوك إلى أزمة.
مصر ليست رقعة شطرنج
مصر اليوم ليست جزيرة معزولة. حولها السودان وليبيا وغزة والبحر الأحمر واليمن والقرن الأفريقي، وفي الإقليم صراعات دولية وإقليمية مفتوحة، وتنافس على الممرات والطاقة والنفوذ. ومصر تواجه ضغوطًا اقتصادية واجتماعية وسياسية حقيقية.
ولهذا فإن أي شخص يخرج ليقول إن هناك حدثًا كبيرًا سيقع في شهر محدد عليه أن يدرك أن للكلمة ثمنًا. نحن جميعًا ننتقد أداء الحكومة. وأنا شخصيًا أكتب وأنتقد وأعارض سياسات وقرارات كثيرة عندما أراها خاطئة. لكن هناك فرق بين النقد الوطني وبين تحويل الدولة إلى مادة مفتوحة للتخمينات والإنذارات المجهولة.
النقد يريد إصلاح مصر. أما نشر الذعر فيمكن أن يدمرها. والسؤال الذي يجب أن يطرح على كل من يتحدث عن «تغيير كبير» قادم: هل لديك معلومة أم لديك انطباع؟ إذا كانت معلومة، فمن أين جاءت؟ وإذا كان انطباعًا، فلماذا يقدم للرأي العام في صورة تكاد تقترب من النبوءة؟
والأخطر عندما يأتي هذا التوقع بعد سلسلة لقاءات مع سفراء أجانب. هنا لا يصبح السؤال: لماذا تنتقد الحكومة؟ بل: ما طبيعة المعلومات التي دارت على موائد هؤلاء السفراء؟ ومن كان جزءًا من النظام ثم انقلب عليه؟
وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية. إذا كان الدكتور أيمن منصور ندا قد عمل في فترات سابقة مع مؤسسات أو جهات داخل الدولة، وكتب في مؤسسات صحفية كبيرة، واستُعين به في أعمال استشارية أو تقارير أو دراسات، كما تردد في المعلومات التي وصلت إليّ، فمتى تغيرت رؤيته؟ ولماذا؟ وهل الخلاف سياسي وفكري؟ أم شخصي؟ أم مهني؟ أم نتيجة خلافات على مواقع ومناصب؟
هذه أسئلة مشروعة، لكنها تحتاج إلى إجابات موثقة لا إلى اتهامات مضادة. أما الحديث عن أنه تلقى أموالًا ضخمة أو أنه طلب مناصب له أو لزوجته أو أنه كان يكتب لحساب جهة بعينها، فلا يجوز أن يتحول إلى حقائق قضائية من دون مستندات.
نحن ننتقد الرجل السياسي أو الإعلامي، لا نصنع ملفًا جنائيًا من الشائعات. الخيانة لها رجالها.. والاتهام له دليل أنا لا أتهم الدكتور أيمن منصور ندا بالخيانة. ولا أملك دليلًا على ذلك. ولا أقبل أن يتحول المقال السياسي إلى محكمة غيابية. لكنني أرفض في الوقت نفسه أن يُطلب من المصري أن يسمع عن عشر دعوات من سفراء أجانب، ثم يسمع بعدها أن أكتوبر أو نوفمبر قد يحملان حدثًا كبيرًا، ثم يقال له: لا تسأل.
بل سأظل أسأل. لأن السؤال في هذه الحالة ليس عداءً لشخص. السؤال دفاع عن حق المجتمع في المعرفة. الخيانة العظمى ليست كلمة نلقيها على الناس في مواقع التواصل الاجتماعي. إنها جريمة لها أركان وأدلة وقضاء.
وأما الوطنية فهي أيضًا ليست احتكارًا لأحد. ولا يجوز أن يصبح كل من ينتقد الحكومة خائنًا. وفي المقابل، لا يجوز أن يصبح كل من يتحدث باسم التحليل السياسي فوق المساءلة.
إلى الدكتور أيمن ندا
أهدي إليك قصة ماركيز. اقرأها جيدًا. لا لأنك بطل القصة، ولا لأنني أتهمك بأنك صنعت شائعة، ولكن لأن العجوز في القصة كانت تملك خوفًا، ولم تكن تملك دليلًا. والفرق بين الخوف والحقيقة هو الذي يحمي الأوطان.
إذا كان لديك معلومات عن أكتوبر ونوفمبر، فقل للمصريين من أين جاءت. وإذا كانت مجرد قراءة، فقل إنها قراءة. وإذا كانت مجرد انطباعات من لقاءات دبلوماسية، فلا تجعل الانطباع في منزلة المعلومة.
مصر لا تحتاج إلى نبوءات. مصر تحتاج إلى معلومات. ولا تحتاج إلى من يخبرها أن شيئًا خطيرًا سيحدث. بل تحتاج إلى من يقول لها: ماذا سيحدث؟ ولماذا؟ ومن المسؤول؟ وما الحل؟ أما السفارات فستظل سفارات. والسفراء سيظلون سفراء. والدعوات ستظل دعوات.
لكن مصر ليست مائدة عشاء. ومصر ليست ورقة في ملف سفارة. ومصر ليست رقعة شطرنج مشتعلة حتى يأتي الآخرون ليحركوا أحجارها.
وفي النهاية، الرجال لا يموتون في مصر، ولكن أحيانًا تموت الشجاعة عندما يصمت السؤال.

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
