لم تعد الحروب تبدأ بصاروخ أو دبابة، ولم يعد إسقاط الدول مرهونًا باحتلال أراضيها. أخطر ما نشهده اليوم هو معركة تستهدف الإنسان نفسه، عقله ووعيه وقدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية. إنها حرب صامتة لا يسمع الناس صوتها، لكنها قد تترك آثارًا أشد من آثار الحروب التقليدية.
الدول التي يصعب هزيمتها عسكريًا قد تُستنزف من الداخل إذا نجح البعض في هدم الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، وتحويل كل أزمة إلى حالة من اليأس، وكل خلاف إلى انقسام، وكل شائعة إلى حقيقة يتداولها الملايين دون سؤال أو تدقيق.
ولا يعني ذلك أن كل ما يحدث مؤامرة، فلكل دولة أخطاؤها وتحدياتها التي يجب الاعتراف بها والعمل على علاجها. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الأخطاء إلى مادة خام تستغلها حملات منظمة أو غير منظمة لتغذية الفوضى وإضعاف الثقة داخل المجتمع.
يكفي أن ننظر إلى ما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي. فيديو مجهول المصدر أو منشور لا يعرف أحد كاتبه قد يتحول خلال ساعات إلى ترند يشاهده ملايين الأشخاص. لا أحد يسأل من صنع هذا المحتوى، ولا لماذا ظهر في هذا التوقيت، ولا من المستفيد من انتشاره. الجميع يضغط زر المشاركة، وكأن عدد المشاهدات أصبح دليلًا على صحة المعلومة.
وتزداد الخطورة عندما تتبنى بعض القنوات والمنصات الإعلامية المعروفة بتوجهاتها الأيديولوجية رواية بعينها، ثم تعيد بثها وتحليلها وتكرارها حتى تبدو وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش. وبعدها تتلقفها حسابات التواصل الاجتماعي، فتبدأ دوامة إعادة النشر، ويختلط الخبر بالرأي، والتحليل بالدعاية، حتى يصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة.
وهنا أجد نفسي أمام مشهد يتكرر كثيرًا ويثير دهشتي أكثر مما يثير غضبي.
في كثير من المجالس التي تجمعني بأشخاص من مختلف المستويات العلمية، يبدأ الحديث عن قضية سياسية أو حدث إقليمي، فأفاجأ بأحدهم يخرج هاتفه المحمول ويقول بثقة: “شوف الفيديو ده” أو “اقرأ البوست ده”. ثم يبدأ في بناء قناعاته كلها على مقطع لا يتجاوز دقيقة أو منشور لا يعرف صاحبه ولا مصدر معلوماته.
والمفارقة أنه لا يعلم أنه يتحدث أمام كاتب وباحث ومحلل سياسي يتابع الأحداث دقيقة بدقيقة، ويقرأ عشرات التقارير، ويقارن بين المصادر المختلفة قبل أن يكتب سطرًا واحدًا أو يصل إلى استنتاج. ومع ذلك يتعامل مع فيديو عابر على منصة أو منشور مجهول على صفحة إلكترونية باعتباره الدليل النهائي الذي لا يحتمل النقاش.
لا أجادله كثيرًا، لأنني أدرك أن المشكلة ليست في الفيديو، بل في طريقة التفكير. وأضعه في ذهني ضمن أولئك الذين توقف عقلهم عند حدود الترند والبوست. والأكثر إيلامًا أن بعضهم يحمل شهادات جامعية، وهو ما يؤكد أن الحصول على شهادة لا يعني بالضرورة امتلاك عقل ناقد. فالعلم الحقيقي لا يبدأ بحفظ المعلومات، وإنما يبدأ بطرح الأسئلة والتحقق من الأدلة والبحث عن الحقيقة.
لقد أصبحت عبارة “أنا سمعت” أو “قالوا” أو “شفت فيديو” حجة عند البعض، وكأنها تكفي لإلغاء العقل وإيقاف التفكير. وهذه أخطر ظاهرة يمكن أن تصيب أي مجتمع، لأن الشائعة لا تنتصر بقوتها، بل بانسحاب العقل من ساحة المواجهة.
إن بناء الوعي لا يقل أهمية عن بناء الجيوش. فالمدرسة التي تعلم التفكير، والجامعة التي تصنع الباحث، والأسرة التي تربي أبناءها على الحوار، والإعلام الذي يحترم عقل جمهوره، كلها تمثل خطوط الدفاع الأولى عن الدولة.
كما أن الهوية الوطنية ليست مجرد شعارات، بل هي منظومة من القيم والانتماء والثقة. وكلما كانت هذه الهوية أكثر رسوخًا، تراجعت قدرة أي جهة على استغلال الأزمات أو بث الفرقة بين أبناء الوطن.
المعركة الحقيقية ليست ضد التكنولوجيا، بل ضد الاستخدام غير الواعي لها. فوسائل التواصل يمكن أن تكون مدرسة للمعرفة، ويمكن أن تتحول إلى مصنع للشائعات إذا غاب الوعي وغابت الثقافة النقدية.
إن مصر واجهت عبر تاريخها تحديات أكبر من حملات التضليل، وكانت تنتصر دائمًا عندما كان شعبها يميز بين الحقيقة والدعاية، وبين النقد المسؤول ومحاولات الهدم.
وفي النهاية، لا تُقاس قوة الدول بعدد الدبابات والطائرات فقط، بل بعدد العقول التي تفكر قبل أن تصدّق، وتبحث قبل أن تنقل، وتسأل قبل أن تحكم. فالوطن الذي يمتلك شعبًا واعيًا لا تهزمه الشائعات، ولا تقوده الترندات، ولا تصنع وعيه خوارزميات المنصات، لأن العقل فيه هو القائد، لا الهاتف المحمول.

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
