دعا جورج قرياقوس الدولة اللبنانية إلى اتخاذ خطوات عملية وجدية لإعادة بناء ثقة المستثمرين بلبنان، مؤكداً أن جذب رؤوس الأموال لا يتحقق بالشعارات والمؤتمرات وحدها، بل بقيام دولة تحترم القانون، وتصون الملكية الخاصة، وتحمي الودائع، وتوفر قضاءً مستقلاً وإدارةً حديثة وبيئةً استثماريةً مستقرة.
وفي كلمة ألقاها خلال مؤتمر «استثمر في لبنان»، الذي أُقيم في بلدية سن الفيل، شدد قرياقوس على أن لبنان لا يفتقر إلى الإمكانات البشرية والاقتصادية، بل إلى القرار السياسي والإداري القادر على تحويل هذه الإمكانات إلى فرص حقيقية. كما توقف عند أزمة المودعين وانعكاساتها على سمعة لبنان المالية، مستحضراً تجربة المستثمر الإماراتي خلف أحمد الحبتور بوصفها مثالاً على التداعيات التي خلّفتها الأزمة المصرفية على ثقة المستثمرين اللبنانيين والعرب والأجانب.
وفي ما يأتي النص الكامل للكلمة:
أصحاب السيادة والمعالي والسعادة،
السيدات والسادة،
الحضور الكريم…
يشرفني أن أكون بينكم اليوم في هذا المؤتمر الذي يحمل عنوان «استثمر في لبنان»، وهو عنوان لا ينبغي أن يبقى مجرد شعار لمناسبة أو ندوة، بل يجب أن يتحول إلى مشروع وطني يعيد إلى لبنان مكانته الاقتصادية ودوره الريادي في المنطقة.
حين نتحدث عن الاستثمار في لبنان، فإننا لا نتحدث عن بلد يفتقر إلى الإمكانات، بل عن بلد يمتلك جميع مقومات النجاح، لكنه يفتقر إلى القرار السياسي والإداري القادر على تحويل هذه المقومات إلى فرص حقيقية.
فلبنان ليس بلداً فقيراً، بل هو بلد غني بعقول شبابه، وغني بانتشاره الاغترابي، وغني بموقعه الجغرافي، وغني بقطاع خاص أثبت، على الرغم من جميع الأزمات، أنه قادر على الصمود والإبداع.
لكن السؤال الذي يطرحه كل مستثمر اليوم ليس: في ماذا أستثمر؟
بل يسأل أولاً: هل تريد الدولة اللبنانية الاستثمار فعلاً؟
فالمستثمر لا يبحث عن الأرباح فحسب، بل يبحث أيضاً عن الثقة.
والثقة تُبنى على وجود دولة تحترم القانون، وقضاء مستقل، وإدارة تسهّل الأعمال بدلاً من أن تعرقلها، ونظام مصرفي يحفظ الأموال ولا يحتجزها.
للأسف، لا يزال المستثمر في لبنان يصطدم بالبيروقراطية، وتعدد المرجعيات، والفساد، والابتزاز الإداري، وعدم استقرار التشريعات، وغياب رؤية اقتصادية واضحة.
وأضيف إلى ذلك كله أزمةً هي الأخطر على الإطلاق…
إنها أزمة المودعين.
فأي مستثمر في العالم، قبل أن يحسب نسبة الأرباح، يطرح سؤالاً بسيطاً:
هل ستكون أموالي في أمان؟
إذا كانت الدولة لم تستطع حتى اليوم إعادة حقوق مئات الآلاف من المودعين اللبنانيين الذين وضعوا جنى أعمارهم في المصارف، فكيف سنقنع مستثمراً أجنبياً بأن يأتمن لبنان على ملايين الدولارات أو ملياراتها؟
إن استعادة الثقة تبدأ باستعادة الحقوق.
ولا يمكن أن تقوم نهضة اقتصادية حقيقية فيما لا تزال قضية المودعين مفتوحة، والقطاع المصرفي لم يستعد ثقة اللبنانيين ولا ثقة العالم.
دعوني أذكر مثالاً يعرفه الجميع…
لم يكن المستثمر الإماراتي خلف أحمد الحبتور مجرد زائر للبنان، بل كان واحداً من أكبر المستثمرين العرب فيه. فقد استثمر أكثر من مليار دولار في مشاريع سياحية وفندقية وعقارية، وأسهم في توفير مئات فرص العمل المباشرة للبنانيين، وآلاف فرص العمل غير المباشرة من خلال الدورة الاقتصادية التي أوجدتها استثماراته.
كما وضع جزءاً من أمواله في المصارف اللبنانية، شأنه في ذلك شأن آلاف المستثمرين والمودعين اللبنانيين والعرب، انطلاقاً من أن لبنان دولة تحترم الملكية الخاصة وتحمي الودائع.
لكن عندما وقعت الأزمة المالية، وجد نفسه، كما وجد اللبنانيون أنفسهم، أمام واقع لم يكن أحد يتوقعه:
أموال محتجزة…
وثقة مفقودة…
ودولة عاجزة عن تقديم حلول واضحة.
وفي نهاية المطاف، أعلن أن خسائره في لبنان تجاوزت ملياراً وسبعمئة مليون دولار، وقرر إنهاء استثماراته واللجوء إلى الإجراءات القانونية للمطالبة بحقوقه.
وهنا، لا أتحدث عن خلف الحبتور بصفته الشخصية فحسب، بل عن الرسالة التي وصلت إلى كل مستثمر في العالم.
فعندما يرى المستثمر أن رجلاً استثمر أكثر من مليار دولار في لبنان لم يستطع حماية استثماراته أو استرداد أمواله، فإنه سيطرح على نفسه سؤالاً مشروعاً:
إذا كان هذا ما حصل مع خلف الحبتور، فماذا سيحصل معي؟
لهذا السبب، فإن معركة استعادة الاستثمار تبدأ، قبل كل شيء، باستعادة الثقة.
الثقة بالقضاء…
والثقة بالمصارف…
والثقة بالإدارة…
والثقة بالدولة.
إن المستثمر لا يريد امتيازات خاصة، ولا يطلب معاملة استثنائية، بل يريد فقط أن يشعر بأن القانون يحميه، وأن معاملاته تُنجز وفقاً للأصول، وأن المنافسة عادلة، وأن الدولة شريك في النجاح وليست عقبةً في طريقه.
ومن هنا، فإن أي خطة اقتصادية جادة يجب أن تقوم على خطوات عملية وواضحة:
أولاً، إنشاء نافذة استثمارية موحدة يحصل المستثمر من خلالها على جميع التراخيص ضمن مهلة زمنية محددة.
ثانياً، رقمنة الإدارة اللبنانية بالكامل، لأن كل معاملة ورقية إضافية تعني مزيداً من الوقت الضائع، وكلفةً أعلى، وفرصةً أكبر للفساد.
ثالثاً، تعزيز استقلالية القضاء وتسريع البت في النزاعات التجارية، لأن العدالة البطيئة تعني استثماراً ضائعاً.
رابعاً، إعادة هيكلة القطاع المصرفي وفق خطة شفافة وعادلة، تضمن إعادة حقوق المودعين واستعادة الثقة بالقطاع المالي.
خامساً، اعتماد نظام ضريبي واضح وثابت يمنح المستثمر القدرة على التخطيط، بدلاً من أن يفاجأ، بين مرحلة وأخرى، برسوم وضرائب جديدة.
سادساً، إشراك الانتشار اللبناني في عملية النهوض الاقتصادي، إذ لدينا آلاف رجال الأعمال اللبنانيين حول العالم ممن يمتلكون الخبرة ورأس المال، لكنهم يحتاجون إلى دولة تستحق أن يعودوا إليها.
كما يجب أن نعيد النظر في دور البلديات واتحادات البلديات، لكي تصبح شريكاً فعلياً في جذب الاستثمارات، من خلال تسهيل الإجراءات، وتوفير الأراضي الملائمة للمشاريع، وتقديم كل دعم ممكن ضمن أحكام القانون.
أيها الحضور الكريم،
الاستثمار ليس مجرد أرقام تُدرج في الموازنات.
الاستثمار يعني شاباً لبنانياً وجد فرصة عمل في وطنه بدلاً من أن يهاجر.
ويعني عائلةً بقيت في أرضها.
ويعني مؤسسةً فتحت أبوابها بدلاً من أن تقفلها.
ويعني اقتصاداً منتجاً بدلاً من اقتصاد يعيش على الديون والتحويلات والمساعدات.
لقد تعب اللبنانيون من الوعود.
وحان الوقت لكي تبادر الدولة إلى استعادة ثقة الناس والمستثمرين معاً.
رسالتي إلى الدولة اللبنانية واضحة:
لا تطلبوا من المستثمر أن يحب لبنان أكثر من اللبنانيين.
ولا تطلبوا منه أن يخاطر برأسماله في بيئة لا تحميه.
ابنوا دولة قانون، واحموا الملكية الخاصة، وأعيدوا حقوق المودعين، وحاربوا الفساد؛ وعندها لن تحتاجوا إلى دعوة المستثمرين، لأنهم سيأتون إلى لبنان من تلقاء أنفسهم.
أما رسالتي إلى المستثمرين اللبنانيين والعرب والأجانب، فهي:
لبنان لا يزال يستحق.
ليس لأن أزماته انتهت، بل لأن شعبه لم يفقد إرادة النهوض.
نحن لا نطلب منكم خوض مغامرة، بل نعدكم بأن نبقى من المطالبين بقيام دولة تحترم المستثمر كما تحترم المواطن، وتحمي رأس المال كما تحمي السيادة.
وأختم بهذه العبارة:
الاستثمار لا يخاف من الضرائب بقدر ما يخاف من غياب العدالة، ولا يخاف من الأزمات بقدر ما يخاف من دولة لا تحمي القانون. فمن لم يستطع أن يحفظ أموال المودعين، لن يستطيع أن يقنع المستثمرين بالمجيء إلى لبنان.
قد يختلف اللبنانيون في السياسة، لكن لا يجوز أن يختلفوا على الاقتصاد. فالاقتصاد ليس ملكاً لحكومة أو حزب أو طائفة، بل هو مستقبل أولادنا. وعندما ننجح في إعادة بناء الثقة، سنكتشف أن الاستثمار لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى دولة تحترم نفسها وتحترم من يضع ثقته فيها.
شكراً لكم، وعاش لبنان.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
