حكومة الكراسي… وكوكب يحتضر

خاص «بيروت 2030»

على كوكب تتهاوى فيه أبسط مقوّمات البقاء، وتتآكل أحلام مواطنيه تدريجياً على وقع الأزمات المتتالية، يبرز بوضوح تناقض صارخ بين عالمين لا يلتقيان: عالم السلطة الغارق في البذخ والشكليات، وعالم المواطن المسحوق الذي يصارع يومياته لمجرد البقاء على قيد الحياة.

فبينما ترزح غالبية السكان تحت وطأة العتمة والتقنين القاسي، وتعاني انقطاع المياه التي بات انتظام وصولها أشبه بحكاية من الماضي، وبينما تعجز غالبية العائلات عن تأمين أبسط احتياجاتها الصحية والخدمية، قرّر حكّام كوكب «زُحل» أن الأولوية القصوى والحاجة الأكثر إلحاحاً تتمثّلان في إزاحة الستار عن كرسي ضخم، وُضع على أحد أعظم الطرق في الفضاء الخارجي، يربط «زُحل» بـ«الأرض» و«عطارد» و«المريخ». وفي السنة المقبلة، سيُستكمل المشروع ليصل إلى «نبتون» و«الزهرة»، فيما لن تصل شبكة الطرق الرئيسية هذه إلى «المشتري»، لأنه يقع في الجنوب.

مشهد احتفالي مهيب ومستفزّ في آن واحد: حشود من أصحاب المعالي والسعادة، وحضور تتنازعه الدهشة والاستغراب، اجتمعوا ليشهدوا إنجازاً تاريخياً عظيماً يتمثّل في نصب مقعد فاخر للزينة في الفضاء. تصفيق حار، وكاميرات توثّق اللحظة، وخطابات رنّانة تتحدّث عن الجمال والارتقاء بالمساحات العامة، وكأن الكوكب تحوّل إلى جنّة أرضية لا ينقصها سوى كرسي عملاق تلتقط الكائنات الفضائية أمامه صوراً تذكارية تخدع الناظرين.

لكن، يا لغرابة المفارقات! على الجانب الآخر تماماً من هذا المشهد الاستعراضي، يقف المواطن العادي، يتطلّع إلى هذا الإنجاز النادر والفريد من نوعه بين جميع الكواكب، عاجزاً عن دفع ثمن حبّة دواء بسيطة، أو تسديد فاتورة مستشفى يرفض استقبال مريض لعدم توافر «الفريش دولار الزُّحلي» في جيبه. مواطن يبحث عن قطرة ماء نظيفة تشربها عائلته، وآخر يتدبّر أمره على ضوء الشموع، لأن الكهرباء باتت رفاهية لا تليق إلا بالطبقة المحظوظة.

كيف يُعقل أن يعيش المسؤولون على هذا الكوكب ثم يغيب عنهم كل ذلك؟ وكيف يجرؤ وزير أو نائب على قصّ الشريط وافتتاح كرسي للجلوس، فيما يجلس الشعب بأكمله، منذ سنوات طويلة، على صفيح ساخن من القهر والعذاب والذلّ والغلاء والخذلان الممنهج؟

يبدو أن حكومة كوكب «زُحل» الرشيدة وقيادته الملهمة قد اكتشفتا أخيراً سرّ الأزمات التي تعصف بهذا الكوكب، واهتدتا إلى الحلّ العبقري الذي طال انتظاره. فالمشكلة، على ما يبدو، ليست في انهيار القطاع الصحي، ولا في هجرة الشباب بحثاً عن مستقبل لم يعد متاحاً، ولا في شلل المؤسسات وتآكل مقوّمات العيش الكريم، بل في غياب كرسي فاخر للزينة عن الكورنيش الفضائي، يجلس عليه العاطلون عن العمل، إن وجدوا وقتاً للجلوس، ليتأمّلوا غروب الشمس فيما تتلاشى أحلامهم، ويصارعوا واقعاً يلفظهم خارج حسابات الدولة.

هكذا تختزل السلطة أولوياتها: استعراض يزيّن المشهد، فيما تتداعى حياة الناس خلف الكواليس، واهتمام بالتفاصيل الفاخرة، فيما تُترك القضايا المصيرية بلا حلول. وليس هذا الافتتاح المهيب سوى مرآة تعكس أزمة وعي عميقة لدى طبقة سياسية أدمنت المظاهر، وخلطت بين الإنجاز الحقيقي والصورة الدعائية، حتى باتت ترى في كرسي للزينة مشروعاً يستحق الاحتفاء، فيما لا ترى في مواطن يبحث عن دواء، أو شاب يفتّش عن فرصة عمل، أو عائلة تعجز عن تأمين أبسط احتياجاتها، مأساة تستدعي التحرّك.

إنها مفارقة تختصر مأساة الحكم حين ينفصل عن الواقع: كراسٍ فاخرة تُنصَب لتجميل المشهد، وشعوب تُترك بلا مقاعد في قطار الحياة.

مبارك لهذا الكوكب العظيم، ومبارك لـ«زُحل» هذا الإنجاز الخالد! أصبح لديكم أخيراً مقعد مرصّع بالوجاهة والبهرجة الإعلامية، بينما يموت المريض على أبواب مستشفياتكم، وينام الطفل من دون طعام أو تدفئة.

إنها مسخرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، واحتفال يذكّرنا مجدداً بأن الكرسي الحقيقي الوحيد الذي يتمسّك به هؤلاء المسؤولون بكل قوّة هو كرسي الحكم والسلطة، حتى لو غرق الكوكب بأسره في قاع الجحيم.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.