من باريس إلى بروكسل، ومن ميلانو إلى عواصم أوروبية أخرى، تتصاعد مظاهر التوتر والانقسام داخل مجتمعات اعتقدت طويلًا أن الحروب الدينية أصبحت جزءًا من الماضي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نحن أمام أزمات اجتماعية وسياسية عابرة، أم أن العالم يقترب من مرحلة أخطر، قد تتحوّل فيها الخلافات السياسية وقضايا الهجرة والهوية والدين إلى وقود لصراع واسع؟
المخيف ليس اختلاف الناس؛ فالاختلاف داخل المجتمعات أمر طبيعي، بل تحوّل الخلافات إلى صراع بين هويات دينية وحضارية. عندها يصبح المسلم في أوروبا موضع اتهام مسبق، ويصبح المسيحي في الشرق الأوسط موضع شكّ، ويبدأ كل طرف بالنظر إلى الآخر باعتباره عدوًا جماعيًا.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فالشرق الأوسط، المنهك أصلًا بالحروب والأزمات الاقتصادية والانقسامات الطائفية والسياسات القديمة والحكومات الفاشلة، سيكون من أكثر المناطق تأثّرًا بأي صدام ديني واسع في أوروبا. فالتوتر الأوروبي لن يبقى بالضرورة محصورًا داخل القارة؛ إذ قد تنتقل تداعياته إلى المنطقة عبر الاقتصاد والهجرة والأمن والطاقة والخطاب السياسي والجماعات المتطرفة.
لكن السؤال الأهم يبقى: من المستفيد من حرب دينية بين المسلمين والمسيحيين؟
بالتأكيد، ليس المواطن الأوروبي، ولا المواطن العربي، ولا أي إنسان يريد أن يعيش بأمان. فالمستفيد الأول سيكون كل من يعتاش سياسيًا واقتصاديًا على الخوف والانقسام: الجماعات المتطرفة، وتجّار السلاح، والسياسيون الذين يبنون نفوذهم على خطاب الكراهية، والقوى التي تجد في الفوضى فرصة لتوسيع نفوذها.
أما المواطن العادي، فسيدفع الثمن من أمنه ولقمة عيشه وحريته ومستقبل أولاده.
وفي خضمّ هذا المشهد، تظهر نظريات كثيرة تتحدّث عن مؤامرات دولية، وعن جهات زرعت بذور الصراع داخل المجتمعات الأوروبية بهدف إشعال حرب بين المسلمين والمسيحيين. ومن بين هذه النظريات اتهامات لليهود أو لإسرائيل بالوقوف خلف ما يجري.
لكن هنا، لا بدّ من وقفة يحكمها العقل.
من حقّنا أن نسأل عن دور الحكومات وأجهزة الاستخبارات والقوى الدولية، ومن حقّنا أن نحقّق في أي تدخل أو تمويل أو مخطّط عندما تتوافر الأدلة. لكن تحويل الشكّ إلى اتهام جماعي لليهود، أو لأتباع أي دين بأكملهم، ليس تحليلًا سياسيًا، بل إعادة إنتاج لنظرية مؤامرة قد تصبح هي نفسها وقودًا للكراهية.
المشكلة ليست في دين بأكمله، بل في التطرف حين يحوّل الدين إلى أداة سياسية، وفي السياسي حين يحوّل الخوف إلى وسيلة للحكم، وفي المجتمع حين يسمح للغضب بأن يحلّ محلّ العقل.
لقد أثبت التاريخ أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا بقرار معلن بإشعال حرب عالمية. أحيانًا تبدأ بحادثة، يعقبها خطاب تحريضي، ثم ردّ فعل، ثم انتقام، إلى أن يصبح التراجع أصعب من الاستمرار.
لذلك، ربما لم تندلع الشرارة بعد، وربما لا نكون أصلًا أمام حرب دينية عالمية. لكن العالم يسير في اتجاه يجعل احتمال الصدام الهوياتي أكثر خطورة مما كان عليه قبل سنوات.
والسؤال الحقيقي ليس: هل بدأت الحرب العالمية الثالثة؟ بل: هل نتعلّم من التاريخ قبل أن نمنح المتطرفين ما يحتاجون إليه لإشعالها؟
فأخطر الحروب ليست تلك التي تبدأ عندما يضغط الزعيم على زرّ، بل تلك التي تبدأ عندما ينجح في إقناع الناس بأن جيرانهم وأبناء وطنهم والمختلفين عنهم دينيًا أصبحوا أعداء.

مارك الأعور
مغترب لبناني.
