يبدو أن اللبناني أتقن، عبر السنوات، فناً لا يُدرَّس في الجامعات ولا يحتاج إلى شهادة: فن طلب المساعدة من المغترب.
في الداخل، يشتكي من الغلاء، من الكهرباء، من الطبابة، من المدارس، من الدولار، ومن كل شيء تقريباً… وفي الخارج، هناك دائماً ذلك اللبناني الذي «الله يرزقه» والذي يُفترض أن يتدخل وينقذ الموقف.
لكن هناك تفصيلاً صغيراً يتم تجاهله دائماً: المغترب أيضاً يعيش. يستيقظ باكراً، يذهب إلى عمله، يدفع الضرائب، الإيجار أو القروض، التأمين، فواتير الكهرباء والماء، ويعيش بعيداً عن أهله وبلده. كثيرون منهم أمضوا سنوات طويلة في العمل والغربة حتى يستطيعوا تأمين حياة أفضل لعائلاتهم.
ومع ذلك، عندما تضيق الأحوال في لبنان، يصبح المغترب فجأة «واجباً وطنياً» مفتوحاً على مدار الساعة. والأغرب من ذلك أن بعض من يطلبون المساعدة هم أنفسهم من أكثر الناس دفاعاً عن زعمائهم وأحزابهم، وعن الطبقة السياسية التي يتهمها كثير من اللبنانيين بأنها جزء أساسي من منظومة المحاصصة والزبائنية التي ساهمت في إضعاف الدولة.
يعني باختصار: تنتخب الزعيم، تدافع عنه، تبرر له، ثم عندما تصل الفاتورة… تتصل بالمغترب!
يا أخي، لا مشكلة أن تطلب المساعدة عندما تحتاجها. العائلة عائلة، واللبناني بطبيعته يحب أن يقف إلى جانب أهله. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المغترب من أخٍ وابنٍ وصديق إلى صندوق تعويض عن فشل الدولة.
المغترب ليس مصرف لبنان، وليس وزارة الشؤون الاجتماعية، وليس جمعية خيرية دولية. هو إنسان تعب واغترب واشتغل وربما حُرم من أجمل سنوات عمره بعيداً عن وطنه وأهله.
لذلك، قبل أن نسأل المغترب: «شو فيك تساعدنا؟» ربما علينا أن نسأل أنفسنا أولاً: «نحنا شو عملنا حتى ما نحتاج نطلب المساعدة كل مرة؟»
لأن الوطن الذي يعتمد على أبنائه في الخارج لإطعام أبنائه في الداخل، ثم يعيد إنتاج الأسباب نفسها التي دفعته إلى الهجرة، يحتاج إلى أكثر من حوالة مالية. يحتاج إلى مراجعة كاملة للعقلية التي أوصلته إلى هنا.

مارك الأعور
مغترب لبناني.
