من يتابع مسار الأعمال السياسية والاجتماعية والمالية والتربوية، وما يعتريها من شوائب ونوائب، لا بد له من أن يتساءل: هل هذا هو لبنان الذي تغنّى به الأدباء والشعراء؟ هل هذا هو لبنان الأخضر الجميل؟ هل هذا هو لبنان المحبة والتسامح والألفة، وهي المبادئ التي كان ينادي بها إمام كل لبنان، سماحة السيد موسى الصدر؟
ومن يتابع مسار تلك الأعمال، خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يكتب مَن يشاء ما يشاء، وينفث البعض سمومهم الطائفية متسلحين بالأوضاع المعيشية السيئة، يسأل: أين هو لبنان الجامع، الضابط للجميع؟ وهل تحوّل إلى مجموعات متنافرة، متناحرة ومتخاصمة، بعيدة عن المبادئ الأخلاقية التي كان يتميّز بها، فيما كان كبارنا يقولون إن لبنان مجموعة عائلات أصيلة؟ وهل تغيّر الوضع إلى حدّ أن قال الفنان الراحل زياد الرحباني: «قرطة ناس ومجموعين»؟
كيف سينهض هذا البلد، الذي طال عذابه، إذا كانت كل جهة تستغل الوضع الطائفي والاجتماعي والمعيشي لتحقق المكاسب من دون أن تشبع؟
في كتابي «القضاة والمحامون: مواقف وطرائف»، أوردت مقطعاً من محاضرة ألقاها النقيب الشيخ ميشال خطار، رحمه الله، بتاريخ 24/1/1994، شدّد فيها على أهمية تماسك الجبهة الداخلية، فقال:
«…فلإبعاد اليأس من إمكان إحلال السلام في بلدنا، أعود بالذاكرة إلى ما قرأته عن حرب فيتنام.
كان ذلك عندما استُخدمت، للمرة الأولى في المعارك، الطائرات العملاقة «بي-25» ومدافع الميدان من عيار 155.
سأل الصحافيون، آنذاك، أحد أبرز قادة الفيت كونغ، الجنرال «جياب»، الذي كان في الأساس محامياً. وسُئل: بأي قوة ستواجهون هذه الحمم التي ستسقط عليكم، في حين أن منازل قراكم مصنوعة، في غالبيتها، من أوراق الموز والنباتات؟
أجابهم الجنرال، مستلهماً حكمة الشرق العميقة، فقال:
يتكيّف الإنسان مع الجو الخارجي بسهولة مذهلة، فيعيش من دون خطر في جو تبلغ حرارته أربعين درجة فوق الصفر، كما يعيش في جو تبلغ حرارته أربعين درجة تحت الصفر، لكنه لا يستطيع الاستمرار في الحياة إذا تدنّت حرارته الداخلية درجة واحدة.
وأضاف الجنرال جياب قائلاً: إذا استمرت جبهتنا الداخلية متماسكة، لا يعتريها أي خلل، فسوف نقاوم ونصمد مهما اشتدت علينا الضغوط من الخارج، وسنواجهها بالتكيّف معها وننتصر عليها».

ناضر كسبار
نقيب المحامين السابق في بيروت.
