اخنقوا الفتنة في مهدها ولا تستهتروا بالإشارات

من أهم الصفات التي يجب أن يتمتّع بها المسؤول والقائد: الخبرة والحكمة واليقظة وبُعد النظر؛ فيتابع الملفات بدقّة، ولا يهمل التفاصيل التي قد تبدو صغيرة في بدايتها، ثم تتحوّل إلى مسائل أساسية. فلا يجوز ترك المشكلات تتفاقم قبل العمل على حلّها، بل يجب معالجتها منذ بدايتها. فحتى المرض، إذا اكتُشف أو شُخّص مبكرًا، أمكن علاجه والشفاء منه. والتدخل المبكر يسهّل الحلّ ويحدّ من الأضرار.

وبالتالي، يقتضي الأمر عدم الاستهتار بأي مسألة أو وضع، مهما بدا بسيطًا؛ إذ قد يتفاقم لاحقًا ونفقد السيطرة عليه. اللهم إلا إذا كانت هناك غاية في نفس يعقوب، كأن تُترك الأمور تتفاقم لإظهار مدى همجية البعض أمام العالم، كما حصل في فرنسا مؤخرًا، أو لأسباب لا نزال نجهلها، كما حصل في 17 تشرين في لبنان.

هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، تظهر بعض الإشارات إلى احتمال وقوع حوادث، من دون أن يتحرّك أحد أو يحاول إخماد شرارتها في مهدها. فبعض المسؤولين ينتظرون وقوع الكارثة الكبرى حتى يبادروا إلى معالجتها، وبعضهم يخشى مواقف المجتمع المدني والدول. ونعجب كيف يُسمح للمتظاهرين بالقيام بأعمال شغب وضرب وسرقة ونهب وتكسير، فيما تتعذّر على الشرطة ملاحقة مرتكبيها وتوقيفهم، تحت وطأة التلويح بعبارة «استخدام القوة المفرطة».

وبالتالي، ينبغي وضع بروتوكول دولي واضح يجيز للشرطة استخدام القوة، ضمن ضوابط الضرورة والتناسب، في مواجهة من يُقدمون على الضرب والتكسير والسرقة والنهب وإحراق المحال والمنازل والمتاجر. فمن جهة، يحسب من يعتزم ارتكاب مثل هذه الأعمال ألف حساب قبل الإقدام عليها، ويلتزم بالتظاهر السلمي؛ ومن جهة أخرى، تُصان ممتلكات الناس ومصادر رزقهم وملاذاتهم الآمنة.

وبالعودة إلى الإشارات المقلقة التي نشهدها في مختلف المناطق اللبنانية، يقتضي الأمر عقد الاجتماعات ليلًا ونهارًا لمتابعتها واتخاذ التدابير اللازمة، وعدم انتظار الانفجار العام، لا سمح الله. فنحن نستطيع اليوم، من خلال تدابير صارمة وسريعة، وضع حدّ لهذه الأعمال والتصرفات، وخنق الفتن وأعمال الشغب في مهدها. أما إذا اتّسع نطاق هذه الأعمال وتفاقمت وانفجر الوضع، فلن يكون من السهل السيطرة عليه.

مقالات الكاتب

ناضر كسبار

نقيب المحامين السابق في بيروت.