كسرت امرأة سوداء حاجز الخوف والتمييز العنصري عندما رفضت التخلّي عن مقعدها لرجل أبيض، لتصبح خطوتها شرارةً لواحدة من أبرز محطات النضال من أجل الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأميركية. ففي الأول من كانون الأول 1955، لم تكن روزا باركس تدرك بالضرورة أن موقفها داخل حافلة في مدينة مونتغومري، بولاية ألاباما، سيغدو رمزاً تاريخياً لمواجهة التمييز العنصري، لكنها كانت تدرك أن التنازل عن كرامتها ليس أمراً يمكن القبول به.
لم تكن هذه السيدة تملك جيوشاً أو سلطة سياسية، لكنها امتلكت الإرادة والصلابة حين أدركت أن الكرامة لا تتجزّأ، وأن الصمت أمام الظلم قد يحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والتمييز إلى قانون، والإذلال إلى ممارسة يومية. ومن هنا اكتسب موقفها قوّته التاريخية؛ إذ لم يكن تعبيراً عن غضب عابر، بل تجسيداً لقناعة راسخة بأن الإنسان لا يفقد حقّه لأنه أضعف من خصمه، وأن شرعية القوانين لا تُقاس بقدرتها على فرض الطاعة، بل بمدى احترامها لكرامة البشر وحقوقهم.
وخلف هذا الموقف الفردي، برزت حركة حقوق مدنية وقيادات محلية أسهمت في تحويل الاحتجاج إلى عمل جماعي منظّم، انتهى إلى إلغاء الفصل العنصري في الحافلات بقرار قضائي دخل حيّز التنفيذ عام 1956، ضمن مسار نضالي أوسع تُوّج لاحقاً بإقرار قانون الحقوق المدنية عام 1964.
ومن هذه التجربة التاريخية، تبرز أسئلة ينبغي للبنانيين مواجهتها اليوم، وفي مقدّمها:
- لماذا يصعب تحويل المظالم المشتركة إلى قضية وطنية جامعة، فيما تتكرّر الأزمات التي تطال معظم المواطنين، بصرف النظر عن طوائفهم ومناطقهم وانتماءاتهم السياسية؟
- لماذا يستطيع اللبنانيون أن يتشاركوا الخوف على مستقبلهم، والقلق على أبنائهم، والمعاناة من تراجع الخدمات وتقلّص فرص العمل، لكنهم يعجزون، في كثير من الأحيان، عن تحويل هذه المعاناة إلى موقف وطني موحّد يفرض التغيير؟
إن استحضار تجربة روزا باركس لا يعني أن التاريخ الأميركي والواقع اللبناني متطابقان؛ فلكل مجتمع ظروفه وتركيبته ومساره السياسي. لكن الجامع بين التجربتين هو السؤال عن قدرة الإنسان على رفض الظلم، وعن مسؤولية المجتمع في مساندة صاحب الحق. فالدروس التاريخية لا تُستنسخ حرفياً، بل تُستخلص منها المبادئ التي تساعد المجتمعات على فهم أزماتها والبحث عن سبل الخروج منها.
ولعلّ ما يحتاج إليه لبنان اليوم ليس انتظار «روزا باركس» لبنانية، بل بناء ثقافة وطنية تتيح لكل مواطن الدفاع عن حقّه من دون خوف. كما أن المسؤولية لا تقع على الحكّام وحدهم؛ فالشعب الذي يطالب بالتغيير مُطالب أيضاً بمراجعة علاقته بالسلطة، والتمييز بين الولاء الوطني والتبعية السياسية.
لقد أثبتت تجربة هذه السيدة أن التغيير يحتاج إلى نَفَس طويل، وأن التضحية لا تُثمر نتائجها دائماً بصورة فورية. وهذا ما يحتاج إليه لبنان: مواطنون لا يستسلمون لليأس، وقضاء مستقل يحمي الحقوق، وإعلام يراقب السلطة ويكشف الخلل، وقيادات سياسية تقبل بالمحاسبة وتضع بناء الدولة فوق حسابات البقاء في السلطة.
وعليه، لم تغيّر روزا باركس التاريخ لأنها امتلكت ما امتلكه خصومها من قوة، بل لأنها رفضت الإقرار بأن القوة تمنح الآخرين حق إهانتها. فالأوطان لا تتغيّر عندما ينتظر الناس من ينقذهم، بل عندما يقرّرون ألّا يتخلّوا عن حقوقهم، وألّا يتركوا أحداً يواجه الظلم وحده.
وهنا تتجلّى مسؤولية حكّام لبنان واللبنانيين معاً: أن يتكاتفوا ويتجاوزوا خلافاتهم من أجل استعادة الجنوب إلى كنف الوطن، أرضاً واحدة، وشعباً واحداً، وحقوقاً مصانة، فلا يُترك أي جزء من لبنان وحيداً في مواجهة مصيره.

وزير سابق
