يكشف التصعيد المتسارع في اليمن أنّ الحرب الأميركية–الإيرانية لم تعد محصورة في الجغرافيا الإيرانية أو الخليجية، بل تتحوّل تدريجياً إلى صراع متعدّد المسارح، تتداخل فيه الجبهات العسكرية مع مسارات الطاقة والتجارة، وتتحوّل فيه الممرات البحرية من مجرّد خطوط للنقل إلى أدوات ضغط استراتيجية. وما يجري اليوم في اليمن لا يمكن قراءته بوصفه عودة منفصلة إلى الحرب الأهلية اليمنية، بل باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل خريطة القوة الإقليمية.
ويتمثل التطور الأخطر في التقدّم الحوثي باتجاه الساحل الغربي والمناطق المطلّة على باب المندب، والسيطرة على مواقع استراتيجية بالقرب من البحر الأحمر، بالتزامن مع تصاعد الهجمات على السعودية، التي أصبحت تواجه ضغطاً عسكرياً مباشراً في عمقها.
وهنا تبرز أهمية باب المندب بوصفه الحلقة التي يمكن أن تربط بين جبهتين كانتا تبدوان منفصلتين: الخليج العربي من جهة، والبحر الأحمر من جهة أخرى. فإذا كان مضيق هرمز يمثّل نقطة الاختناق الرئيسية لصادرات الطاقة الخليجية، فإنّ باب المندب يمثّل البوابة البحرية التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي وقناة السويس. ولذلك، فإنّ تزامن الاضطراب في المضيقين يخلق معادلة استراتيجية تختلف جذرياً عن أي أزمة إقليمية سابقة.
أمّا الولايات المتحدة فتواجه، في هذه الحالة، معضلة عملياتية واضحة؛ إذ لا تستطيع بسهولة فصل تداعيات الحرب الإيرانية عن حلفائها في المنطقة. وكلما توسّعت الحرب إلى مسارح إضافية، ارتفعت كلفة حماية النظام الإقليمي الذي تحاول واشنطن الحفاظ عليه.
والأكثر أهمية أنّ اليمن قد يتحوّل من جبهة ثانوية إلى ورقة استراتيجية مستقلة. فالحوثيون، على الرغم من الدعم الإيراني الكبير لهم، ليسوا مجرّد قوة تنفّذ الأوامر الإيرانية؛ إذ تشير التقديرات الأميركية نفسها إلى امتلاكهم أجندة ومصالح مستقلة، مع وجود تقاطع واضح بين أهدافهم وأهداف طهران في الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
وفي المقابل، تجد السعودية نفسها أمام معادلة أمنية أكثر تعقيداً؛ فالمملكة لا تواجه تهديداً على حدودها الجنوبية فحسب، بل احتمال نشوء قوة مسلحة تملك موقعاً جغرافياً حساساً على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وقد دفعت التطورات الأخيرة الرياض إلى البحث عن دعم دبلوماسي إقليمي ودولي؛ إذ طلبت من الصين المساعدة في الضغط على إيران لاحتواء التصعيد الحوثي، نظراً إلى أهمية البحر الأحمر بالنسبة إلى الاقتصاد والتجارة الصينيين أيضاً.
وتظهر هنا واحدة من أخطر نتائج هذه الحرب، وهي تحويل الجغرافيا إلى سلاح اقتصادي بامتياز. فإذا أصبح المرور في مضيق هرمز معرّضاً للخطر، وتحول باب المندب، في الوقت نفسه، إلى منطقة ضغط عسكري، فإنّ الأسواق العالمية ستتعامل مع الأمر لا بوصفه أزمة محلية، بل باعتباره خطراً مزدوجاً يهدد إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد. وقد بدأت تداعيات ذلك بالظهور في ارتفاع المخاطر المرتبطة بالطاقة والنقل، في وقت أدّى فيه الصراع في الخليج، أصلاً، إلى تراجع حركة الناقلات عبر مضيق هرمز عن مستوياتها الطبيعية.
والأخطر من ذلك أنّ اليمن قد يصبح ورقة تفاوضية في الحرب الأميركية–الإيرانية. فإذا كانت إيران تتعرّض لضغط عسكري واقتصادي مباشر، فإنّ توسيع دائرة الضغط لتشمل حلفاء الولايات المتحدة في الخليج يمكن أن يخلق معادلة ردع مختلفة؛ فكلما ارتفع مستوى الضغط على إيران، ارتفعت كلفة حماية المصالح الأميركية ومصالح دول الخليج في المنطقة.
لكنّ هذه الاستراتيجية تحمل أيضاً مخاطرة كبيرة على طهران وحلفائها؛ لأنّ استهداف المصالح السعودية أو تهديد الملاحة الدولية قد يدفع واشنطن ودولاً إقليمية إلى توسيع عملياتها العسكرية ضد الحوثيين، ويمنح خصوم إيران مبرراً لتعزيز التحالفات العسكرية والأمنية في البحر الأحمر والخليج.
هذه هي العقدة الأساسية في المرحلة الحالية؛ فواشنطن قد تستطيع التأثير في مستوى التصعيد الإيراني، وإسرائيل تملك هامشاً واسعاً لاتخاذ قرارها العسكري بصورة مستقلة، والسعودية تتحرك لحماية أمنها القومي، والحوثيون يمتلكون حساباتهم الخاصة، فيما تحاول إيران استخدام شبكة نفوذها لرفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة.
وتكشف التطورات الأخيرة هذه المعضلة بوضوح؛ إذ ألغت واشنطن ضربات كان مخططاً لها ضد الحوثيين، بالتزامن مع إعلان مسؤول حوثي أنّ الجماعة لن تستهدف السفن الأميركية في البحر الأحمر. وإذا ثبت استمرار هذا التفاهم، فقد يكون مؤشراً إلى محاولة إبقاء الجبهة اليمنية تحت سقف معيّن، بدلاً من تحويلها إلى حرب أميركية–حوثية مباشرة.
وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية الكبرى؛ إذ فرض الحوثيون أنفسهم بوصفهم جزءاً دائماً من حرب إقليمية أوسع، وهو تطور سيصبّ، حتماً، في مصلحة إيران.
أمّا بالنسبة إلى الحرب الأميركية على إيران، فإنّ اليمن يمنح طهران ما يمكن وصفه بـ«العمق الاستراتيجي غير المباشر». فبدلاً من أن تتركّز المواجهة في الخليج وحده، يصبح في إمكانها الاستفادة من تعدّد الجبهات والتهديدات. وإذا استمر الضغط المتزامن في مضيق هرمز وباب المندب، فإنّ الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة مختلفة، تقوم على ثلاث دوائر مترابطة:
- دائرة عسكرية تتمحور حول إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
- دائرة أمنية تتمحور حول الخليج واليمن.
- دائرة اقتصادية تتمحور حول الطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.
هذا هو التطور الذي يستحق المتابعة في المرحلة المقبلة. فإذا بقيت الجبهة اليمنية تحت سقف محدود، فقد تتحوّل إلى أداة ضغط وتفاوض ضمن الحرب الأميركية–الإيرانية. أمّا إذا انتقلت الهجمات إلى استهداف واسع للملاحة الدولية أو المنشآت النفطية الخليجية، فقد تدفع الصراع إلى مرحلة جديدة، يصبح فيها البحر الأحمر ومضيق هرمز جبهتين متكاملتين في حرب واحدة.
وعندها، لن تكون المعركة على إيران وحدها، بل على هندسة الشرق الأوسط الذي سيولد من هذه الحرب.

وزير سابق
