واشنطن وطهران نحو «تفاهمات تكتيكية» بشأن هرمز والملف النووي

التقارب بين واشنطن وطهران، بفعل الدور الروسي، يؤدّي إلى تفاهمات تكتيكية تعيد «مذكرة التفاهم» لاحقًا إلى الواجهة.

ينظر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى تدفّق الديزل الروسي إلى الولايات المتحدة الأميركية باعتباره «نقطة ضعف أميركية». وقد استفزّ هذا الموقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعلن ضرورة تغيير الرئيس الأوكراني واستبداله. وتتمثّل الترجمة العملية لذلك في تصعيد الحرب الروسية–الأوكرانية، ومزيد من التعاون العسكري الإيراني–الروسي، بحيث تصدّر طهران السلاح الإيراني إلى موسكو، وتحصل في المقابل على تمويل روسي. فثمّة فائض في إنتاج السلاح الإيراني، الذي تشارك فيه تسعة آلاف شركة إيرانية، بعدما ارتفعت الطاقة الإنتاجية للصناعات العسكرية الإيرانية إلى ثلاثة أضعاف، استنادًا إلى معلومات مركز بابل للدراسات المستقبلية.

وفي واقع الأمر، تربط إيران بين مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني؛ فالحلّ في الملفّين مترابط. وهذا ما يدركه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يُعدّ حاليًا قاسمًا مشتركًا بين واشنطن وطهران. وهو ملمّ بتحفّظات الطرفين على السواء، ويعرف حدود التنازلات الممكنة، التي تتطلّب وقتًا إضافيًا وثقة متبادلة وإلمامًا بالحسابات المستقبلية.

أما سبب تفاؤل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فيعود إلى قناعته بأن «الحلّ» بين واشنطن وطهران يشكّل مدخلًا إلزاميًا إلى تعدّدية قطبية تكون فيها روسيا فاعلًا أساسيًا، إلى جانب الصين، وإلى تحقّق شروط موسكو في علاقتها بأوكرانيا، وانحسار نفوذ الدول الأوروبية ومساعيها، القائمة على حسابات خاطئة، لتفكيك روسيا عبر الحرب الأوكرانية. كما يعود إلى ما قد يتيحه هذا الحلّ من دور إقليمي لإيران، ومساهمة لطهران في معالجة الخلاف السعودي–الحوثي، فضلًا عن المساعدة في إيجاد مخرج للوضع اللبناني المتأزّم سياسيًا.

ويُلاحظ أن واشنطن وطهران تتركان النوافذ مفتوحة أمام مخرج دبلوماسي بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.

تريد واشنطن جوابًا متزامنًا بشأن الملفّين، فيما تريد إيران إرجاء حلّ مسألة البرنامج النووي إلى مرحلة تلي التفاهم الأميركي–الإيراني بشأن مضيق هرمز. لكن الثابت أن ثمّة مقاربات إيجابية للرسائل المتبادلة بين الطرفين، مع «تحفّظات» يمكن أن يعالجها الوسطاء، وتحديدًا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الشريك في هذا المسار. وفي هذا السياق، أعلن نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي دميتري ميدفيديف أن «روسيا لن تُضحّي بعلاقاتها مع إيران من أجل علاقاتها مع أيّ دولة أخرى»، مؤكّدًا، في الوقت نفسه، استعداد موسكو للعمل على إنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأميركية.

ومن الواضح أن التجاذب الأميركي–الإيراني بشأن مضيق هرمز، وتحديدًا حول الجهة التي تسيطر عليه، لا يزال موضع أخذ وردّ. فقد برز في الآونة الأخيرة تشدّد إيراني واضح، تمثّل في استهداف ناقلات نفط كبيرة، بصورة مباشرة أو بواسطة الألغام، أثناء عبورها المضيق من ممرّات لا تخضع للحرس الثوري ومن دون إذنه. كما امتدّ استهداف الناقلات إلى خارج المضيق، وترتّبت عليه كلفة مالية كبيرة لنقل النفط والتأمين عليه.

واستطرادًا، تفرض الحماية الأميركية لناقلات النفط، بدورها، كلفة مالية كبيرة على واشنطن، خصوصًا أن «التجربة» أثبتت، راهنًا، عدم جدوى التعويل على نقل النفط عبر الأنابيب البرّية المستحدثة بوصفه حلًّا؛ إذ إن هذه الأنابيب عرضة أيضًا للاستهداف العسكري بالصواريخ أو بالطائرات المسيّرة، ولا سيما في ظلّ «تأزّم إقليمي واسع».

ما يهمّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب حاليًا هو الوصول إلى صيغة تحفظ ماء الوجه الأميركي، وفق معادلة: «أنا المنتصر في الحؤول دون امتلاك إيران سلاحًا نوويًا». وهو يهيّئ المناخ الداخلي الأميركي لذلك عبر تكرار القول إنه «لولا الضربات العسكرية الأميركية للمواقع النووية الإيرانية، لكانت إيران قد وصلت إلى إنتاج سلاح نووي تستطيع بواسطته السيطرة على المنطقة كلّها».

لكن العارفين بخفايا الأمور يدركون أن إيران، لو كانت تريد امتلاك سلاح نووي، لكانت أنجزته سابقًا، وقبل الحرب الأميركية عليها؛ فعلماؤها يمتلكون المعرفة النووية، لكنهم ملتزمون بقرار المرجع الروحي السيد علي خامنئي الذي يحرّم القنبلة النووية.

ومن هنا، فإن شراكة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووساطته هما ما يؤمّن للرئيس الأميركي دونالد ترامب المخرج. فقد اقترح بوتين على سيّد البيت الأبيض أفكارًا روسية تمنحه صورة «أنا المنتصر»، وتمنح إيران، في الوقت نفسه، الحقّ في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية، على أن يكون فائض اليورانيوم الإيراني المخصّب «وديعة» لدى موسكو.

ختامًا، تتمحور الرسائل المتبادلة حاليًا بين واشنطن وطهران حول مرونة متبادلة بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني. أما المفتاح، الذي يسلّم به الطرفان، فهو في يد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

مقالات الكاتب

عبد الهادي محفوظ

رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع.