إنتفاضة 17 تشرين بعد سبع سنوات: أين ضاع المشروع التغييري؟

«من وحدة الشارع إلى تشتّت النواب، ومن المحاسبة شعاراً إلى المحاسبة استحقاقاً: مراجعة لا تستهدف الانتفاضة، بل تسأل من حملوا رايتها ماذا فعلوا بها».

في الذكرى السابعة لانتفاضة 17 تشرين، لا يكفي أن نستعيد صور الساحات الممتلئة، والأعلام اللبنانية التي ارتفعت فوق الانقسامات، وأصوات الهتافات التي تحدّت طبقة سياسية اعتقدت طويلاً أن اللبنانيين عاجزون عن الاجتماع خارج اصطفافاتهم الطائفية والحزبية. وليس المطلوب أيضاً أن نعلن انتصار الانتفاضة أو هزيمتها بجملة تختصر تجربة وطنية معقّدة. المطلوب أن نمتلك الشجاعة لمراجعة ما جرى، وأن نسأل، من موقع الحرص على التغيير لا من موقع الخصومة معه: ماذا فعلنا بكلّ ذلك الأمل؟

لقد شكّلت الانتخابات النيابية لعام 2022 إحدى أبرز محطات ترجمة المزاج التغييري إلى تمثيل سياسي. وأسهم تصويت اللبنانيين المقيمين والمغتربين في إيصال مجموعة من النواب الذين عُدّوا تعبيراً عن هذا المزاج. ولم يكن ذلك الاختراق تفصيلاً في نظام انتخابي وسياسي شديد التعقيد؛ فقد كان إنجازاً وطنياً لا يجوز إنكاره، تماماً كما لا يجوز تحويله إلى تفويض مفتوح لا يخضع للمراجعة والمحاسبة.

فإذا كان وصول هؤلاء النواب قد مثّل لحظة أمل لبعض اللبنانيين الذين ضاقت بهم الحال مع المحادل الانتخابية، فإن السؤال اليوم لا يتعلّق فقط بما حقّقوه، كلٌّ في موقعه، بل بما إذا كانوا قد استطاعوا الحفاظ على الحدّ الأدنى من الوحدة السياسية التي منحتهم شرعيتهم الشعبية. وهل تحوّل التصويت التغييري إلى مشروع سياسي قادر على مواجهة المنظومة الحاكمة، أم انتهى الأمر إلى مجموعة من التجارب الفردية التي تفرّقت داخل المجلس، وتباينت في المواقف، وعجزت عن تقديم بديل متماسك؟

من يحاسب من رفع شعار المحاسبة؟

لم تكن انتفاضة 17 تشرين مجرّد اعتراض على أداء حكومة أو وزير أو مسؤول. لقد رفعت شعار المحاسبة في مواجهة منظومة كاملة، وإن كانت آثارها المباشرة قد طالت سياسياً تيار المستقبل بعد استقالة الرئيس سعد الدين الحريري، وطالت اجتماعياً، وبأسلوب غير لائق، رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل. لكن الانتفاضة الشعبية طالبت يومها باستعادة الدولة، كلّ الدولة، ومؤسساتها، كلّ مؤسساتها، لإنهاء حالة «الإفلات من المساءلة»، ولكي تصبح الشفافية قاعدة في إدارة الشأن العام، لا امتيازاً يُمنح عند الحاجة.

من هنا، فإن المحاسبة لا يمكن أن تكون انتقائية. ولا يجوز أن تكون مطلباً موجّهاً إلى الخصوم وحدهم، فيما يُعفى الحلفاء أو من يُصنَّفون في خانة التغيير من الإجابة عن الأسئلة الصعبة.

أين الجوّ التغييري اليوم من الاستحقاقات الديمقراطية على امتداد الوطن؟ وأين حضوره في الانتخابات العمالية والنقابية، وفي انتخابات المهن الحرّة، وفي المعارك التي تتقرّر فيها هوية المؤسسات المهنية ودورها واستقلاليتها؟ وأين جهود هذا الجوّ التغييري في بناء قواعد ديمقراطية تسمح بتجديد القيادات، وتمنع احتكار التمثيل، وتعيد الاعتبار إلى الكفاءة والاستقلالية؟

إن التغيير الذي لا يتجاوز حدود المجلس النيابي، ولا يمدّ جذوره إلى المجتمع والنقابات والجامعات والمهن الحرّة، يبقى تغييراً محدوداً مهما علت شعاراته. فالمعركة على الديمقراطية لا تُخاض في الانتخابات النيابية وحدها، بل في كلّ مؤسسة يُختبر فيها احترام إرادة الناس وحقّهم في الاختيار والمحاسبة.

أين المشروع المشترك داخل مجلس النواب؟

لا يمكن مطالبة المواطنين بالثقة بقوى التغيير إذا كانت هذه القوى نفسها عاجزة عن تقديم تصوّر مشترك للقضايا الوطنية والتشريعية الأساسية. فالمجلس النيابي ليس منبراً للخطب المتفرّقة، مهما بلغت مضامينها من بلاغة وموضوعية، وليس مساحة لاستعراض المواقف الفردية، بل مؤسسة دستورية يُفترض أن تُترجم فيها البرامج إلى اقتراحات قوانين، والرقابة إلى مساءلة، والاعتراض إلى مبادرات تشريعية.

أين المساهمة الفكرية والسياسية المشتركة لنواب التغيير في بناء مشروع واضح للدولة؟ وأين التنسيق المستدام في الملفات الكبرى؟ وأين الموقف الموحّد حين تكون المساواة بين اللبنانيين، أو سلامة التشريع، أو استقلال المؤسسات، موضع اختبار؟

ولعلّ من أكثر الأسئلة إلحاحاً ما يتّصل بقانون العفو العام، «سيّئ الذكر، والذي سيكون سيّئ التطبيق»، الذي مسّ بمبدأ المساواة بين اللبنانيين. لماذا مرّ هذا القانون من دون مواجهة تشريعية ورقابية متناسبة مع خطورة المسألة؟ ولماذا لم نشهد موقفاً موحّداً من نواب التغيير، سواء عبر اقتراحات التعديل، أو الاعتراضات النيابية، أو الطعن الدستوري حيث تتوافر شروطه القانونية؟

كيف يمكن تفسير التنافس السابق بين بعض نواب التغيير على تقديم طعون في القانون نفسه، كما في قانونَي الموازنة العامة لعامَي 2025 و2026، وصولاً إلى سجالات حول أسبقية الطعن أو إمكان تقديم طعن آخر، فيما لم يظهر القدر نفسه من التنسيق عندما اقتضت الحاجة موقفاً جماعياً؟ إن حقّ اللجوء إلى المجلس الدستوري حقّ قانوني، والتنافس على استعماله ليس عيباً في ذاته؛ لكن السؤال هو: لماذا لا تتحوّل هذه المبادرات إلى استراتيجية مشتركة حين تتّصل المسألة بمبدأ دستوري جامع؟

إن سلامة التشريع ليست تفصيلاً تقنياً يُترك للمختصّين، بل هي في صميم وظيفة النائب. وإذا كانت المساواة أمام القانون من المبادئ التي لا يجوز التهاون بها، فإن الدفاع عنها لا ينبغي أن يتوقّف عند حدود المواقف الإعلامية، بل يجب أن يظهر في التصويت والمبادرات والرقابة والوسائل الدستورية المتاحة.

«كلنا إرادة»: من دعم التغيير إلى استحقاق الشفافية

لا تكتمل هذه المراجعة من دون التوقّف عند جمعية «كلنا إرادة»، التي احتكرت دوراً في دعم المرشّحين ذوي التوجّه الإصلاحي، وأسهمت في تمويل الحملات الانتخابية التي سبقت استحقاق عام 2022، من دون أن تمنع تعدّد اللوائح التغييرية في الدائرة الانتخابية الواحدة. فحين تتدخّل أيّ جهة مدنية أو منصّة سياسية أو تمويلية في الحياة العامة، وتسهم في توجيه الموارد نحو مرشّحين دون سواهم، يصبح من حقّ الرأي العام أن يسأل عن معايير الاختيار وآليات الدعم، وعن النتائج التي تحقّقت ومدى الالتزام بالمبادئ التي جرى الترويج لها.

لقد برزت في النقاش العام حول هذه الجمعية أسئلة مشروعة عن خلفيات بعض القائمين عليها وصلاتهم بالقطاع المالي، ولا سيما المصرفي، وعن طبيعة العلاقة التي ربطتها، وفق ما ورد في تقرير «ألفاريز ومارشال»، بحاكم مصرف لبنان السابق. وهذه مسائل لا يجوز حسمها بالتلميح أو تحويلها إلى اتّهامات غير مثبتة، لكنها، كذلك، لا تُعالج بمجرّد نفي عام أو مؤتمر صحافي. فالمطلوب هو الوضوح الموثّق، والإفصاح عن المصالح ذات الصلة، وبيان الضوابط التي تمنع تضارب المصالح، وإتاحة المعلومات التي تسمح للرأي العام بتكوين حكم مستقلّ.

فإذا كانت الجمعية قد اختارت دعم مرشّحين باعتبارهم ممثّلين للتغيير، وإذا كانت قد حشدت موارد مالية وبذلت جهوداً لتحسين الأداء النيابي، فإن من حقّ اللبنانيين، ولا سيما المغتربين الذين أسهموا في دعم المسار التغييري، أن يعرفوا ما الذي أُنجز فعلياً بعد الانتخابات.

ما الذي فعلته المنصّة بعد عام 2022؟ وما البرامج التي أطلقتها لتعزيز التعاون بين النواب؟ وما الأدوات التي وضعتها لقياس الأداء التشريعي والرقابي؟ وهل تحوّل الدعم الانتخابي إلى مشروع سياسي مستدام، أم بقي أثره محصوراً في الحملات والمؤتمرات والندوات والإطلالات الإعلامية؟

لا يكفي أن تُعقد المؤتمرات، ولا أن تُمنح بعض الشخصيات حضوراً إعلامياً أوسع من غيرها، كي يُقال إن التغيير يتقدّم. فالمطلوب نتائج قابلة للقياس، ومعايير معلنة، وشفافية في إدارة الموارد، ومحاسبة على ما تحقّق وما لم يتحقّق. وإذا كانت الجمعية قد أعلنت نشر حسابات حملتها الانتخابية لعام 2022، فإن النقاش الجدّي ينبغي أن ينطلق من تلك الحسابات ونطاقها وتفاصيلها، وأن يطلب ما يلزم من إيضاحات ومعلومات إضافية، بدلاً من الاكتفاء بالانطباعات أو الاتّهامات.

إن الأموال التي تُجمع باسم التغيير ليست ملكاً لمن يديرها، ولا هي رصيد إعلامي يُستثمر في تحسين صورة شخصيات بعينها. إنها أمانة تقتضي الإفصاح عن مصادرها وأوجه إنفاقها ونتائج استخدامها، وفق قواعد واضحة للحوكمة الرشيدة والمساءلة.

«لجنة المحامين»: من حماية المتظاهرين إلى سؤال الاستقلالية

من موقع من شاركوا في الدفاع عن المتظاهرين، ومن رفدوا اللجنة بعدد كبير من المحامين في مختلف المحافظات، لا بدّ من استعادة تجربة لجنة المحامين المتطوّعين التي واكبت الحراك الشعبي، وتولّت الدفاع عن أشخاص تعرّضوا للملاحقة بسبب مشاركتهم في الاحتجاجات. لم تكن هذه التجربة تفصيلاً هامشياً، بل كانت جزءاً من الحماية الحقوقية التي احتاجها الشارع في مواجهة الملاحقات والإجراءات التي طالت متظاهرين وناشطين.

لقد جرى تقديم بنك المعلومات والخبرة المتراكمة للجنة إلى نقابة المحامين في بيروت، في عهد النقيب ملحم خلف، وأصبحت التجربة مرتبطة بما عُرف لاحقاً بـ«لجنة المادة 47»، المموّلة من صندوق الأمم المتحدة الإنمائي، في إشارة إلى الضمانات المرتبطة بحقوق المشتبه فيه أثناء الاستجواب. غير أن السؤال الذي يستحقّ النقاش اليوم يتّصل بمصير المبادرة الأصلية، ومدى الحفاظ على دور المؤسّسين والمتطوّعين الذين بنوا هذه التجربة، وكيفية إدارة العلاقة بين العمل الحقوقي المستقلّ والمؤسسة النقابية.

هل أدّى انتقال التجربة إلى الإطار النقابي إلى توسيع قدرتها على حماية الحريات، أم ترافق ذلك مع تهميش أصوات ومساهمات من أسّسوا المبادرة؟ وهل توافرت آليات واضحة تحفظ ذاكرة العمل التطوّعي، وتضمن عدم تحوّله إلى ملكية معنوية لأيّ جهة أو فريق؟

إن النقد هنا لا يستهدف المؤسسة النقابية، التي يُفترض أن تكون حصناً آخر للحريات، ولا ينتقص من حقّها في تطوير أدوات الدفاع عن الحقوق. لكنه يطالب بأن تبقى المبادرات التي وُلدت من الحراك الشعبي وفيّة لغايتها، وأن تُدار بشفافية واستقلالية، وألّا تُختزل في مواقع أو اعتبارات انتخابية أو حزبية. فالدفاع عن المتظاهرين لم يكن منّة من أحد، بل واجباً حقوقياً لا يجوز أن يتحوّل إلى وسيلة لاحتكار التمثيل أو محو جهود الذين أسهموا في تأسيسه.

«التمديد النيابي»: أين الضغط من أجل احترام الاستحقاقات الديمقراطية؟

في آذار 2026، قرّر مجلس النواب الحالي تمديد ولايته سنتين، ما أدّى إلى إرجاء الانتخابات التي كان مقرّراً إجراؤها في أيار المنصرم. وبصرف النظر عن الظروف التي استند إليها قرار التمديد، فإن المسألة تطرح سؤالاً مباشراً على القوى التي وصلت إلى المجلس باسم التغيير: أين كان الضغط السياسي والشعبي المنظّم للدفاع عن حقّ اللبنانيين في تجديد ممثّليهم وفق المواعيد الدستورية والقانونية؟

هل أصبح المقعد النيابي غاية في ذاته، أم أنه وسيلة لخدمة الناس، يفقد قيمته السياسية حين ينفصل عن المساءلة الدورية أمامهم؟ وهل يجوز لمن يرفع شعار تجديد الحياة السياسية أن يتعامل مع تأجيل الاستحقاق الانتخابي باعتباره أمراً عابراً، من دون أن يقدّم للرأي العام موقفاً واضحاً وخطّة عملية للدفاع عن حقّه في الاختيار؟

إن التمديد، في أيّ ظرف، يستوجب نقاشاً دستورياً وسياسياً جدّياً، ولا يجوز أن يتحوّل إلى فرصة لتكريس الأمر الواقع. وعلى نواب التغيير والجمعية التي دعمتهم أن يوضّحوا موقفهم، وأن يبيّنوا ما قاموا به من خطوات، وما يعتزمون القيام به لاستعادة الانتظام الديمقراطي. فالمحاسبة لا تبدأ عند فتح صناديق الاقتراع فحسب، بل تبدأ أيضاً بالدفاع عن حقّ الناس في الوصول إليها في موعدها.

من شرذمة اللوائح إلى شرذمة المواقف

لا يمكن فصل ما وصلنا إليه عن التجربة الانتخابية السابقة. فقد شهدت انتخابات عام 2022 تعدّد لوائح ومجموعات تغييرية في أكثر من دائرة، في وقت كانت فيه الحاجة إلى التنسيق وتوحيد الجهود شديدة الوضوح. ولا يعني ذلك أن كلّ خلاف كان مفتعلاً، أو أن جميع المجموعات كانت متطابقة في الآراء وتقييم الموقف. لكن تعدّد اللوائح، حيث كان بالإمكان بناء تفاهمات أوسع، أسهم في تبديد جزء من القوة التي راكمها الشارع.

ثم جاءت المرحلة النيابية لتكشف أن المشكلة لم تكن انتخابية فحسب. فالتشتّت الذي ظهر قبل الانتخابات لم يُعالج بعد الوصول إلى البرلمان، بل استمرّ بأشكال مختلفة في المواقف والتحالفات وآليات العمل. وبدلاً من أن تكون الكتلة التغييرية مساحة للتنسيق وتطوير مشروع سياسي، ظلّ السؤال قائماً حول حدود التعاون ومعايير الاختلاف والقدرة على اتّخاذ موقف موحّد في الملفات الأساسية.

وهنا ينبغي توجيه السؤال العلني إلى منصّة «كلنا إرادة» وإلى سائر الجهات التي اضطلعت بدور في دعم المرشّحين: ما الذي جرى استخلاصه من تجربة عام 2022؟ وهل أُجريت مراجعة جدّية لمعايير اختيار المرشّحين، ولأسباب تشتّت اللوائح، وللأسماء التي حظيت بالدعم على حساب ناشطين ومجموعات امتلكت حضوراً ميدانياً وخبرة في العمل العام؟ وهل ثمّة استعداد للاعتراف بأن التغيير لا يمكن أن يقوم على تفضيلات مسبقة أو على إعادة إنتاج الزعامات نفسها، ولو تحت عناوين جديدة؟

لقد كان في المجتمع التغييري عدد كبير من الناشطين والكفاءات الذين شاركوا في بناء الانتفاضة، وتحمّلوا أعباءها، ولم يحصلوا على فرصة عادلة للمساهمة في التمثيل السياسي. إن استعادة الثقة تتطلّب الاعتراف بهذه الحقيقة، وإعادة فتح المجال أمام الكفاءات المستقلّة، ووضع معايير شفافة لاختيار المرشّحين، والعمل على لوائح موحّدة حيث تسمح البرامج والتفاهمات بذلك، لا بهدف إعادة إنتاج الوجوه التي شغلت المقاعد سابقاً، بل لإتاحة الفرصة أمام من يستطيعون حمل مشروع واضح ومتماسك.

لا نريد تغييراً يكرّر أخطاء السلطة

لعلّ أخطر ما يمكن أن يصيب أيّ تجربة تغييرية هو أن تنقل إلى المؤسسات التي دخلتها الأساليب التي انتقدتها في المؤسسات القائمة. فالجمعية، مهما كانت أهدافها، ليست دولة. والمنصّة المدنية ليست بديلاً من الأحزاب السياسية. والنائب ليس ممثلاً لمؤسسة دعمته أو لمنصّة وفّرت له حضوراً إعلامياً، بل هو ممثّل للأمّة، يخضع للدستور والقانون والمساءلة الشعبية.

إن إدارة الشأن العام لا تُختزل في إدارة الجمعيات، ولا تكفي فيها الحملات الإعلامية والندوات والبيانات. فالمؤسسات الدستورية لها قواعدها ومسؤولياتها، والعمل النيابي يحتاج إلى رؤية تشريعية ورقابية، وإلى فهم لتوازنات الدولة، وإلى قدرة على بناء التحالفات حول الإصلاحات من دون التفريط بالمبادئ.

كما أن معارضة السلطة لا تعني مهاجمة مؤسسات الدولة، وفي مقدّمتها «الجامعة اللبنانية»، لمجرّد تظهير الاختلاف، ولا تعني استخدام المنبر النيابي لتصفية الحسابات أو تقديم المواقف التي تلائم جمهوراً محدّداً. المطلوب هو نقد مؤسسات الدولة حين تخطئ، والدفاع عنها حين تكون ضمانة للحقوق، والعمل على إصلاحها من داخل الأطر الدستورية وخارجها، بالوسائل الديمقراطية المتاحة.

فالتغيير الحقيقي لا يُقاس بمدى ارتفاع الصوت، بل بمدى قدرته على حماية المال العام، وتصويب التشريع، وتعزيز استقلال القضاء، وتوسيع الحريات، وتحسين حياة المواطنين، وإعادة بناء الثقة بين الناس والدولة.

خفت ضوء الانتفاضة، لكن القضية لم تنتهِ

إن القول إن انتفاضة 17 تشرين أخفقت لا يجوز أن يتحوّل إلى حكم على كلّ ما مثّلته. ففي بلد تحكمه توازنات عميقة، ويواجه فيه العمل السياسي المستقلّ عقبات بنيوية، كان وصول مجموعة من المرشّحين التغييريين إلى البرلمان إنجازاً انتخابياً مهماً. لكن نجاح الوصول لا يساوي نجاح المهمّة، كما أن عدالة المطالب لا تعفي من حملها من مسؤولية الأداء.

لقد خفت ضوء الانتفاضة، لا لأن مطالبها فقدت مشروعيتها، بل لأن الأمل الذي صنعته لم يجد ما يكفي من التنظيم والمشروع المشترك والقيادة الديمقراطية القادرة على حمايته. وقد يكون من الظلم تحميل النواب وحدهم مسؤولية كلّ ما جرى، لكن من غير المقبول أيضاً إعفاؤهم من المسؤولية عن الخيارات التي اتّخذوها، وعن إخفاقهم في بناء الحدّ الأدنى من وحدة الموقف والعمل المشترك.

وعلى منصّة «كلنا إرادة»، التي دعمت نواب التغيير، أن تدرك أن تجديد التجربة لا يبدأ بحملة إعلامية جديدة تحت قيادتها، ولا بجمع أموال جديدة من المغتربين، بل بمراجعة علنية لما تحقّق، وكشف واضح للحسابات، وتقييم موضوعي لأداء من جرى دعمهم، وفتح المجال أمام الكفاءات التي أُقصيت أو لم تجد فرصتها في الانتخابات السابقة.

إن المجتمع التغييري لا يحتاج إلى وصاية، ولا سيما من جمعية يديرها أعضاء مجالس إدارة في المصارف اللبنانية. كما لا يحتاج إلى جهة تختار له مسبقاً من يستحقّ الظهور والتمثيل، لمجرّد امتلاكها المقدرات المالية. إنه يحتاج إلى مساحة موثوقة تجمع الكلمة، وتدير الخلافات بشفافية، وتضع معايير موضوعية لاختيار المرشّحين، وتبني برنامجاً سياسياً مشتركاً، وتضمن أن يبقى المال في خدمة المشروع، لا المشروع في خدمة المال.

وفي المقابل، فإن على الناشطين والمجموعات التي شاركت في الانتفاضة أن يتحمّلوا مسؤوليتهم أيضاً، عبر تجاوز الخصومات القديمة، وتطوير آليات ديمقراطية للتنسيق فيما بينهم، والاستعداد لخوض الاستحقاقات المقبلة بلوائح وبرامج واضحة، لا بمجرّد ردّ فعل على التجربة السابقة.

لسنا بحاجة إلى نواب يتشبّثون بمقاعدهم، ولا إلى منصّات تستثمر في الوجوه التي تفضّلها، بل إلى ممثّلين يستعيدون نبض الشارع ويحملون قضاياه إلى المجلس النيابي بموضوعية وحزم، وإلى مشروع سياسي لا ينتهي عند إعلان النتائج.

فإذا كان هناك من يعتقد أن راية 17 تشرين أصبحت ملكاً له، فعليه أن يتذكّر أنها لم تكن ملكاً لأحد. لقد حملها مواطنون من خلفيات مختلفة، ودفع كثيرون أثماناً شخصية ومهنية في سبيلها، ولم يمنحوا أحداً حقّ احتكارها أو تحويلها إلى رصيد سياسي دائم.

وفي الذكرى السابعة، لا يكون الوفاء للانتفاضة بتكرار شعاراتها، بل بمحاسبة من حملوا اسمها، ومراجعة أخطائها، وإعادة الاعتبار إلى من أسهموا في صنعها، وفتح الطريق أمام كفاءات جديدة لم تهادن السلطة ولم تداهنها، ولم تجعل من التغيير سلّماً إلى موقع أو مقعد.

إن استعادة الراية التغييرية لا تبدأ بإعلان أن التجربة كانت ناجحة أو فاشلة، بل بالاعتراف بأن الإنجاز الانتخابي لم يتحوّل إلى مشروع سياسي مكتمل، وأن المجتمع الذي منح ثقته عام 2022 يستحقّ إجابات واضحة. وتبدأ أيضاً بالشفافية، وبوحدة الكلمة حيث يمكن الاتفاق، وبالقدرة على الاختلاف من دون تفكّك، وبالاستعداد للتخلّي عن المصالح الشخصية حين تتعارض مع المصلحة العامة.

فالانتفاضة لم تكن وعداً بمنح مقاعد نيابية جديدة، بل وعداً بإنتاج أسلوب سياسي مختلف. وإذا لم ينجح من وصلوا باسمها في تحقيق هذا الوعد، فإن الواجب ليس إغلاق باب التغيير، بل فتحه أمام من يستطيعون حمله بمسؤولية أكبر.

مقالات الكاتب

د. جاد طعمه

أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.