تحفيز وساطات جديدة تلي تصعيدًا عسكريًا بين واشنطن وطهران

ينتهج الرئيس الأميركي دونالد ترامب أسلوب «عقد الصفقات»، التجارية منها والسياسية، مستخدمًا «الإيحاءات» التي تهدف إما إلى دفع الطرف الآخر إلى قبول عروضه، وإما إلى «تخويفه» إذا لم يقتنع بـ«تفاهم ما»، باعتباره «الخاسر حكمًا».

لا شك في أن الرئيس دونالد ترامب ناجح في عالم الأعمال. وما يأخذه عليه كثيرون هو أنه ينقل مفهوم «الصفقة» التجارية إلى السياسة والعلاقات الدولية، أي إلى مجال مختلف. لكن، إذا تابعنا أداءه على «المستوى السياسي»، نجد أنه نجح في فنزويلا من خلال سياسة التهديد وخطف الرئيس نيكولاس مادورو. كما نجح في جزيرة غرينلاند مع الدنمارك، ونجح في قناة بنما، فضلًا عن نجاحه في إضعاف الاتحاد الأوروبي وإخضاع حلف شمال الأطلسي «الناتو» للقرار الأميركي. إلا أنه لم ينجح، حتى الآن، في تحقيق معادلته التي يكررها في مواجهة إيران: «أنا المنتصر». والسبب أن إيران ليست فنزويلا ولا غرينلاند، كما أن مضيق هرمز ليس قناة بنما، فضلًا عن أنه لم يحقق الأهداف الأساسية التي أعلنها عندما شنّ الحرب على إيران، ثم كررها للمرة الثانية.

تشكل إيران للرئيس الأميركي إحراجًا حتميًا في سياق البحث عن المخارج. ولا توفر له مخرجًا سوى صيغة «أنا المنتصر»، التي يحاول تكريسها من خلال ما يردده في الفترة الأخيرة من أنه، لولاه، لامتلكت إيران قنبلة نووية، ولتحكمت بالمحيط ومضيق هرمز وباب المندب. لكن الوصول إلى هذه «الصيغة» يفترض تفاوضًا ينهي الحرب، ويمنح إيران دورًا إقليميًا، ويؤدي إلى تراجع واشنطن عن الحصار البحري والجوي والإفراج عن الودائع الإيرانية.

والسؤال المركزي هنا: لماذا يصرّ الرئيس ترامب على إثارة مسألة السلاح النووي الإيراني، على الرغم من أن المرجع الروحي، آية الله السيد علي خامنئي، قد حرّمه، وهو «تحريم» لا يستطيع أحد في القيادة الإيرانية تجاوزه إلى نقيضه؟ الجواب يكمن في محاولة حفظ ماء الوجه، وعدم التورط في حرب جديدة شبيهة بحرب فيتنام، أو اللجوء إلى استخدام أسلحة نووية تكتيكية قد يقود إلى اندلاع حرب عالمية ثالثة.

ظاهريًا، توحي المؤشرات بأن «الوساطة القطرية» لن تنتج حلًا قريبًا. لكن، في الواقع، تحتاج كل من واشنطن وطهران إلى الوقت لتبادل الرسائل والبحث عن «المشترك» بين المطالب المتعارضة. فلا الرئيس دونالد ترامب يرغب في التوصل إلى اتفاق نهائي قبل الانتخابات الأميركية، إذا لم تتوافر له شروط إعلان «أنا المنتصر»، ولا طهران مستعجلة على منحه «الحل». وهي تراهن على تحوّل سياسي أميركي قد تأتي به الانتخابات الأميركية لمصلحة الحزب الديمقراطي المعارض.

من هنا، يمكن فهم التعارض في الأولويات الأميركية والإيرانية. فواشنطن تعطي الأولوية للتفاوض بشأن «البرنامج النووي الإيراني»، في حين تمنح طهران الأولوية للتفاوض بشأن مضيق هرمز، وتدفع نحو تأجيل بحث «الملف النووي» إلى مرحلة لاحقة.

إذًا، تخلق هذه المعادلة الأميركية–الإيرانية مرحلة من «الوقت الضائع». وهو وقت مفتوح على مواجهات عسكرية في مضيق هرمز وخارجه، تطاول مجمل المنطقة النفطية، وقد تنتهي بتوسيع الدائرة الجغرافية للحرب ودخول وسطاء جدد، إلى جانب دولة قطر وباكستان، يعملون على إعادة رسم «مذكرة التفاهم»، استنادًا إلى انفتاح إيراني في مضيق هرمز، وانفتاح أميركي في ملف تخصيب اليورانيوم.

وعندها، يستطيع الرئيس الأميركي القول: «أنا المنتصر؛ لأنني نجحت في الحؤول دون امتلاك إيران سلاحًا نوويًا». كما تستطيع إيران القول إنها «نجحت في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية، ورفعت الحصار البحري والجوي، وفتحت المجال أمام نقاش بشأن كيفية تحرير الودائع».

أما تحفيز الوساطات، وتحديدًا الوساطتين الصينية والروسية، فيأتي تبعًا لتصعيد عسكري أميركي–إيراني يستهدف المعابر البحرية والبنى التحتية النفطية وحركة عبور الناقلات، إضافة إلى المنشآت النووية الإيرانية. ذلك أن واشنطن لا تعرف، بصورة دقيقة، حجم الأضرار التي خلفتها الضربات السابقة، ولا حقيقة ما جرى داخل منشأة فوردو النووية، كما لا تملك معلومات عما يجري داخل جبل الفأس، وفق ما يقول مركز بابل للدراسات المستقبلية.

وفي ما يتعلق بمسألة تخصيب اليورانيوم، كان قد تحقق تقدم واضح خلال المفاوضات السابقة، إذ أبدت موسكو استعدادها لاستقبال فائض اليورانيوم الإيراني بوصفه وديعة لديها. وهذا ما يمكن أن يحدث لاحقًا، من خلال تفاهم بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، وبرضى إيراني، أو من خلال الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي يسعى سيد البيت الأبيض إلى إقامة «شراكة» معه على مستوى العالم.

أيًا يكن الأمر، فإن المؤشرات المتعلقة بمرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي من العراق ستكون عاصفة في «بلاد الشام»، أي سوريا الطبيعية. وقد يكون لبنان البلد الأقل تضررًا مقارنة بسوريا والعراق والأردن. لكن ذلك يفترض أن تبادر الحكومة اللبنانية إلى معالجة الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية، قبل أن تتفلت الأمور على نحو عبثي، تبعًا لما تشهده المنطقة من تطورات.

مقالات الكاتب

عبد الهادي محفوظ

رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع.