رسالة إلى إبليس من قلب لبنان: لا تتعب نفسك، فقد أصبحنا ننجز مهمّتك نيابةً عنك!

لو أُتيح لإبليس أن يكتب مذكّراته، لخصّص الفصل الأخير بالكامل للشعب اللبناني… فلن يعود بحاجة إلى إغواء أحد، ولا إلى بذل أيّ جهد في حبك الدسائس ونشرها. فحسبه أن يجلس على شرفة ما، متّكئاً كنيرون الذي قيل إنه أحرق روما، ليرى كيف تحوّلت الفوضى عندنا إلى هندسة قائمة بذاتها، وكيف بات البشر هنا يبتكرون فنوناً للالتفاف على الضمير. ولو أردنا إسقاط هذا الواقع على لبنان، لوجدنا أن إبليس نفسه قد يسعى للحصول على الجنسية اللبنانية، لا حبّاً بالوطن فحسب، بل لتعلّم أصول الفساد وفنون الطعن في الظهر وابتكار أساليب الغشّ والسرقة وخيانة الأمانة.

في لبنان، لم يعد القانون هو الحاكم… أما تطبيقه فله طقوسه الخاصة؛ فهو يُسلَّط بحزم على الضعيف، ويُدار بحكمة مع القوي، بينما يُطوى ملفّه أمام صاحب النفوذ، بعد سلسلة من «استشارات المعنيّين» وانتظار ظروف مناسبة يُعرف مسبقاً أنها لن تأتي أبداً. بل أصبحت القاعدة تُفصَّل على مقاس المصالح، وتُعدَّل وفق إيقاع المزاج.

والأنكى من ذلك أن احترام القانون لم يعد يُنظر إليه بوصفه تجسيداً للعدالة وضمانةً ومرجعيةً، بل علامةً على السذاجة ونقص الخبرة الحياتية. فإذا التزمت بالنظام والقانون، قيل إنك «لا تعرف من أين تُؤكل الكتف». وإذا رفضت الرشوة، اتُّهمت بتعقيد المعاملات. أما إن تجرّأت وطالبت بحقّك، فالنصيحة الجاهزة هي «الصبر»؛ لأن الحقّ في لبنان لا يموت، بل يُدخلونه في غيبوبة إدارية طويلة تنتهي به في أدراج الروتين المظلمة.

وفي سوق العمل، تخرّج أزقّتنا أجيالاً من مدرسة أخلاقية جديدة، أركانها: سرقة من ائتمنك… وخيانة من ائتمنك… والغدر بمن ائتمنك. والأدهى أن تُغلَّف هذه الخيانة بمسحوق البراغماتية والذكاء، وكأن الأمانة باتت بنداً شكلياً في عقد العمل، يُشطب بدم بارد عند أول صفقة سانحة.

أما الفساد، فلم يعد مجرّد انحراف فردي، بل ارتقى ليصبح أسلوب حياة وثقافة مجتمعية، وتحوّل من عيب يُستحى منه إلى إنجاز يُتباهى به في الصالونات. والغشّ لم يعد محصوراً في الميزان أو أرقام الفواتير، بل تسلّل إلى الوعود والشعارات والعقود، وحتى إلى أكثر العلاقات الإنسانية حميمية. هناك دائمًا من يبيعك الوهم بالتقسيط المريح، ويقبض ثمن الحقيقة نقداً، ثم ينظر في عينيك مسدياً نصيحة باردة… «كن واقعياً».

والعالق في المنتصف هو المواطن المسكين، المُجبر على دفع ثمن هذه المسرحية يومياً؛ يدفع رسوم الماء والكهرباء… ولا يرى ماءً ولا كهرباء، ويلتزم بإشارة المرور بينما يتجاوزها أمام عينيه من يعتبر نفسه فوق القانون، وينتظر دوره بتحضّر ليتجاوزَه صاحب النفوذ.

لكن، حتى لا نقع في فخّ التعميم الظالم، لا بدّ من كلمة حقّ تُقال: ما زال في لبنان نبض حيّ… وما زال فيه شرفاء وموظّفون نزيهون يقاومون المغريات… وما زال فيه مواطنون يرفضون بيع ضمائرهم ولو أكلوا التراب. هؤلاء هم السدّ الأخير في وجه السقوط المطلق، وهم الذين يمشون على جمر المبادئ كي لا تتدحرج كرامة الوطن نهائياً.

المشكلة، يا سادة، ليست في أن إبليس أصبح أكثر مكراً، بل في أن قطاعاً واسعاً من الناس قرّر الاستقالة من ضميره. فحين يُمسي الغشّ «ذكاءً»، والسرقة «شطارةً»، والخيانة «حسن تدبير»، والالتزام «ضعفاً»، لا يعود السؤال: «كيف وصلنا إلى القاع؟»، بل يصبح مبعث الاستغراب الحقيقي: «كيف ما زال في هذا البلد من يصرّ على أن يبقى إنساناً؟».

لذلك، يا إبليس، لا داعي لأن تكلّف نفسك عناء التفكير، أو أن تبذل جهداً إضافياً في لبنان. خذ إجازة مفتوحة، وأغلق دكّانك، وأرح أعصابك. فهناك من ينجز المهمّة على أكمل وجه، ومن ينافسك في ميدانك بلا كلل، ومن يرى في الضمير عبئاً ثقيلاً يجب الخلاص منه للوصول إلى الغايات.

لكن ضع هذه الحقيقة نصب عينيك قبل أن تفرح كثيراً… لا تعتقد أن الجميع قد سقطوا في فخّك. فما زال هناك من يرفض السرقة ولو جاع… ومن يأبى الكذب ولو خسر… ومن يحفظ الأمانة حتى لو أُتيحت له فرصة الإفلات… ومن يُلزم نفسه باحترام القانون حتى حين يغيب الرقيب. وهؤلاء تحديداً، يا إبليس، هم عقدتك المستعصية التي لم تستطع حلّها ولن تستطيع؛ هم الشعلة الأخيرة التي يتمسّك بها لبنان كي لا ينطفئ أمله.

مقالات الكاتب

وزير سابق