ردّ قانوني على الدكتور جاد طعمه: الشكل لا يُبرئ الجوهر

الأساتذة المستقلون في الجامعة اللبنانية

في التقرير الذي نشره موقع «بيروت 2030» بعنوان «عشية جلسة مجلس النواب… هل يُعاد فتح باب أقفله المشرّع عام 2009؟»، والذي تناول اقتراح تعديل قانون تنظيم المجالس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية بما يسمح لرئيس الجامعة بإعادة الترشح لولاية جديدة، عرض التحقيق وجهتي النظر المؤيدة والمعارضة لهذا الاقتراح، ومن بينها الرأي القانوني الذي أدلى به الدكتور المحامي جاد طعمه، وكيل الجامعة اللبنانية، والذي اعتبر أن الاقتراح لا يشكل تمديداً لولاية الرئيس الحالي، بل يفتح له باب الترشح مجدداً أسوةً بأي أستاذ آخر يستوفي الشروط القانونية.

وعقب نشر التحقيق، وردنا الردّ القانوني الآتي من قِبل أساتذة مستقلين في الجامعة اللبنانية، يتناول النقاط التي أثارها الدكتور طعمه، ويقدّم قراءة قانونية مغايرة لها، انطلاقاً من مبادئ تكافؤ الفرص، وعمومية القاعدة القانونية، وتعارض المصالح، وإشكالية ما يُعرف في الفقه الإداري بـ”القانون الظرفي” (loi de circonstance). وانطلاقاً من حق الرد وحرصاً على إتاحة المجال أمام مختلف الآراء القانونية، ننشر النص كما ورد:

أولاً: في نفي صفة “التمديد” — تمييز شكلي يتجاهل الأثر القانوني

يستند الدكتور جاد طعمه، بصفته وكيلاً للجامعة اللبنانية، إلى أن رئيس الجامعة لا يُنتخب مباشرة، بل يُعيَّن بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء بعد اختيار خمسة مرشحين، ليستنتج أن تعديل القانون لا يمنح الرئيس الحالي “ولاية تلقائية”. وهذا التمييز صحيح من الناحية الشكلية، إلا أنه يتجاهل ما استقر عليه الفقه والاجتهاد الإداريان في ما يتعلق بمبدأ تضارب المصالح البنيوي ونظرية الظرف الظاهر؛ إذ إن العبرة لا تقتصر على الجهة التي توقّع المرسوم النهائي، بل تمتد إلى الجهة التي تؤثر في العملية التحضيرية التي تُنتج المرشحين الخمسة.

فالرئيس الحالي، بصفته رئيساً قائماً على رأس المؤسسة، يتمتع بتأثير فعلي في مسار اختيار المرشحين، من خلال إدارته اليومية للجامعة وموقعه المحوري في العملية التحضيرية برمّتها. وهنا تبرز إشكالية “المرشح والحَكَم”، أو “المرشح والناخب”؛ أي أن يكون الشخص، بحكم موقعه، طرفاً في سباق يشارك في رسم قواعده وإدارة بعض مراحله.

ومن ثم، فإن صفة “التمديد الحكمي” لا تُقاس بالجهة التي توقّع القرار النهائي، بل بمن يملك القدرة على التأثير في الوقائع والإجراءات التي تسبقه. وهنا تحديداً يكمن موضع الإشكال، لا في المرسوم النهائي بحد ذاته.

ثانياً: السماح بالترشح يضرب مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون

يُقدّم الدكتور طعمه إعادة الترشح على أنها حق طبيعي للرئيس الحالي، “شأنه شأن أي أستاذ آخر يستوفي الشروط القانونية”. غير أن هذه المساواة الشكلية في شروط الترشح تُخفي لامساواة فعلية وجوهرية في فرص التنافس، بما يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص، الذي يفترض أن يحكم أي عملية اختيار لتولي وظيفة عامة.

فالرئيس القائم يدخل سباق الترشح وهو يتمتع بجملة من الامتيازات التي لا تتوافر لسائر المرشحين، أبرزها:

  • حضور إعلامي ومؤسسي دائم بحكم موقعه الرسمي، يتيح له التواصل مع الرأي العام والأسرة الأكاديمية بصفته رئيساً للجامعة، وهو امتياز لا يملكه أي مرشح آخر مهما بلغت كفاءته.
  • علاقات سياسية ومؤسساتية نسجها طوال سنوات ولايته مع مراكز القرار، ولا سيما مع مجلس الوزراء، وهو المرجع الذي سيختار الرئيس من بين المرشحين الخمسة.
  • شبكة علاقات ونفوذ إداري داخل الجامعة قد تتيح له التأثير، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في البيئة التي تجري فيها عملية الترشيح.

وهذا التفاوت البنيوي يجعل من “تساوي الشروط القانونية” غطاءً شكلياً يخفي تفاوتاً فعلياً في فرص الفوز. فمبدأ تكافؤ الفرص لا يقتصر على تساوي شروط الترشح، بل يمتد إلى تساوي المراكز التنافسية بين المتبارين.

ومن هنا، فإن إعادة ترشح الرئيس القائم تُفرغ هذا المبدأ من مضمونه؛ إذ إنه لا يدخل المنافسة بوصفه أستاذاً جامعياً عادياً يستوفي الشروط القانونية، بل بوصفه رئيساً قائماً راكم خلال ولايته رصيداً مؤسسياً وسياسياً وإعلامياً يمنحه أفضلية لا تتوافر لسائر المرشحين، بما يخل بجوهر المساواة التي يفترض أن تحكم الوصول إلى الوظائف العامة.

ثالثاً: في مسألة عمومية القانون — طعمه يُقرّ بها من حيث لا يقصد

يقع الدكتور طعمه هنا في تناقض داخلي يصب، من حيث لا يقصد، في مصلحة المعترضين على الاقتراح. فهو يعترف صراحة بأن الأسباب الموجبة للمشروع “لم تُصغ بصورة كافية”، وأن الاستناد إلى ضرورة “استكمال المشاريع” يتعارض مع مبدأ استمرارية المرفق العام، الذي يقوم على استمرارية المؤسسة لا استمرارية الأشخاص.

وهذا الإقرار ليس مجرد ملاحظة تتعلق بحسن الصياغة، بل يشكل اعترافاً ضمنياً بأن الاقتراح، بصيغته الحالية، يفتقر إلى العلة القانونية الموضوعية التي يقتضيها مبدأ عمومية القاعدة القانونية (Interdiction des lois de circonstance)، والذي يقضي بأن يكون التشريع موجهاً لمعالجة أوضاع عامة ومجردة، لا لتلبية حالة خاصة أو ظرف قائم بذاته.

فإذا انتفت العلة الموضوعية للنص، وهي مسألة يقر بها الدكتور طعمه ضمناً، فإن الإشكالية لا تنحصر في الأسباب الموجبة، بل تمتد إلى مبرر التعديل التشريعي برمته.

رابعاً: اقتراح “3+3″… إقرار ضمني بوجاهة الاعتراض الأساسي

من اللافت أن الدكتور طعمه، عندما يقترح تقصير الولاية إلى ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، إنما يُقر، ضمناً، بأن مبدأ تداول المسؤولية في رئاسة الجامعة قيمة تستحق الحماية القانونية.

غير أن هذا الاقتراح، وإن بدا أكثر توازناً، لا يعالج الإشكالية المطروحة حالياً، لأنه يشكل تصوراً تشريعياً عاماً لمستقبل الجامعة، ولا يغيّر من واقع أن المشروع المطروح اليوم ما زال يرتبط مباشرة بالاستحقاق الحالي.

ومن ثم، يبقى المشروع، مهما حسّنت صياغته لاحقاً، مشمولاً بالإشكالية ذاتها المرتبطة بما يعرف في الفقه الدستوري بـ القانون الظرفي (Loi de circonstance)، وهي الإشكالية التي يرفضها الدكتور طعمه نفسه من حيث المبدأ.

خامساً: في حجة “الظروف الاستثنائية” — استثناء يتكرر في كل ولاية

يرى الدكتور طعمه أن توقيت الاقتراح يرتبط بصعوبة إنجاز التعيينات في الظروف الراهنة، وبأن الجامعة اللبنانية “ليست في أفضل أوضاعها” لاستقبال إدارة جديدة. غير أن هذه الحجة تصطدم بمعطى تاريخي واضح؛ إذ إن معظم الولايات السابقة أُديرت في ظروف استثنائية لا تقل قسوة عن الظروف الحالية.

فقد شهدت ولاية الرئيس السابق عبد الفتاح قبيسي حرب تموز عام 2006، فيما عرفت المراحل اللاحقة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما أعقبه من شلل سياسي ومؤسساتي، ثم جاءت ولاية الدكتور فؤاد أيوب لتتزامن مع ثورة 17 تشرين، والانهيار المالي والنقدي، وجائحة كورونا، وانفجار مرفأ بيروت. ومع ذلك، لم يُطرح في أي من تلك المراحل تعديل تشريعي يتيح لأي من رؤساء الجامعة إعادة الترشح استناداً إلى الظروف الاستثنائية.

وهذا يكشف ثغرة منهجية في الحجة ذاتها؛ فإذا كان “الظرف الاستثنائي” مبرراً كافياً للخروج على قاعدة انتهاء الولاية بانقضاء مدتها القانونية، فإنه يتحول إلى معيار فضفاض لا ضابط له، لأن تاريخ الجامعة اللبنانية الحديث يكاد يخلو من ولاية لم تمر بظروف يمكن وصفها بالاستثنائية.

والمعيار القانوني الذي لا يُفعَّل إلا عند الرغبة في تطبيقه على حالة بعينها، لا يعود معياراً موضوعياً، بل يغدو ذريعة ظرفية، وهو ما يعيد النقاش، مرة أخرى، إلى إشكالية القانون الظرفي (Loi de circonstance)، التي يفترض أن تُبقي التشريع بمنأى عن خدمة وضع شخصي أو استحقاق قائم.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.