«انتصار اللاتماثل» واحتمالات ضرورة التعايش مع النظام الإيراني

عن الصحافة الغربية

في خضمّ المتابعة اليومية لحرب إيران، من الطبيعي أن يشعر المرء بشيء من الإرباك إزاء التقلّبات الحادة في مسار الأحداث. هل نحن على أعتاب اتفاق أم في مستهلّ تصعيد؟ هل تقف إيران على حافة الانهيار، أم أنها توسّع نطاق الصراع؟ هل سيعود مضيق هرمز إلى الوضع الذي كان عليه قبل الحرب، أم سيصبح فرض رسوم على العبور وشنّ هجمات متقطعة على السفن واقعًا اعتياديًا جديدًا؟ هذه قضايا مهمة، لكن تحوّلات استراتيجية أكبر وأكثر جوهرية تجري أيضًا. فمنذ هجمات الحادي عشر من أيلول والغزو الأميركي للعراق، لم يشهد الشرق الأوسط هذا القدر من السيولة الاستراتيجية.

مرّ ما يقارب ثمانية أشهر على اندلاع الحرب. وعند تقويم حصيلتها على المستويين التكتيكي والاستراتيجي، تبدو النتائج متباينة بوضوح.

في بداية الصراع، سعت إدارة ترامب إلى تحديد أهدافها. وكما قال وكيل وزارة الحرب للشؤون السياسية، إلبريدج كولبي، خلال فعالية عُقدت في مجلس العلاقات الخارجية في غضون أسبوع من اندلاع الحرب: «وجّه الرئيس القوات المسلحة الأميركية إلى تنفيذ حملة عسكرية تركز على إضعاف قدرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية على بسط قوتها العسكرية في المنطقة وتدميرها، وربما خارج المنطقة أيضًا». وحدّد وزير الخارجية، ماركو روبيو، هذه الأهداف بمزيد من التفصيل: «أولًا، تدمير قواتهم الجوية. ثانيًا، تدمير قواتهم البحرية. ثالثًا، تقليص قدرتهم على إطلاق الصواريخ بصورة حادة. ورابعًا، تدمير مصانعهم كي لا يتمكنوا من إنتاج مزيد من الصواريخ والطائرات المسيّرة لتهديدنا مستقبلًا».

بالاستناد إلى هذه الأهداف، حققت الحرب جانبًا كبيرًا مما انطلقت لتحقيقه. فبأي مقياس، باتت قدرات إيران العسكرية أقل، واقتصادها أشدّ إنهاكًا مما كانا عليه قبل الحرب. وأصبح أسطولها البحري في قاع المحيط، على حدّ التعبير الذي تفضّله إدارة ترامب، فيما تراجعت قدراتها الصاروخية بدرجة كبيرة.

لكن هذه النتائج لم تتحقق، بالطبع، من دون كلفة. فقد استنزفت الولايات المتحدة مخزونات من ذخائر مهمة تحتاج إليها للوفاء بالتزاماتها وأولوياتها الاستراتيجية الرئيسية الأخرى. ومع استنزاف صواريخ «باتريوت» الاعتراضية وبطاريات منظومة «ثاد»، تواجه الولايات المتحدة تحديات متزايدة في الحفاظ على انتشار قواتها وجاهزيتها في مناطق أخرى من العالم، وفي مقدّمتها، على نحو بالغ الأهمية، منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وعلى نطاق أوسع، إذا كان هدف عملية «الغضب الملحمي» منع إيران من بسط قوتها خارج حدودها، فمن المحتمل أنها أفضت إلى نتيجة معاكسة.

فلعلّ أبرز ما ستتمخّض عنه الحرب هو إظهار قوة اللاتماثل. كانت طهران تدرك، عند اندلاع الحرب، أنها تفتقر إلى القوة النارية اللازمة لهزيمة الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة. لكنها اكتشفت أنها تستطيع، باستخدام عدد محدود نسبيًا من الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام، تحويل أهم أوراق قوتها، أي السيطرة على مضيق هرمز، إلى سلاح اقتصادي فعّال يتيح لها، في الوقت الراهن على الأقل، بسط نفوذها على امتداد الاقتصاد العالمي.

وقد دفعت التداعيات الناجمة عن ذلك على أسعار الطاقة والتضخم والقدرة على تحمّل تكاليف المعيشة في الولايات المتحدة، الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى التوصل، قبل أيام، إلى اتفاق مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يسمح ببيع ملايين البراميل من الديزل الروسي. وتضخّ هذه المبيعات، التي احتجّ عليها الأوروبيون والأوكرانيون على حدّ سواء، مزيدًا من الأموال في خزائن آلة الحرب الروسية، وقد أحدثت شرخًا بين الولايات المتحدة وكلٍّ من أوروبا وأوكرانيا، ما يزيد تعقيد أي مسار لإنهاء تلك الحرب المدمّرة والمستعصية على الحل.

وباتت الذراع الإيرانية الطويلة محسوسة أيضًا في الأرياف الإنجليزية. فوسط مخاوف من هجوم إرهابي محتمل ترعاه دولة ويستهدف قاعدة «فيرفورد» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، سحبت الولايات المتحدة قاذفاتها بعيدة المدى من طراز «بي–1»، التي أدّت دورًا رئيسيًا في الحرب على إيران. وكانت إيران قد حاولت سابقًا مدّ عملياتها إلى خارج حدودها لاغتيال معارضين، وكذلك مسؤولين أجانب شاركوا في الهجوم الذي استهدف عام 2020 الجنرال في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني. غير أن احتمال استهداف قاعدة عسكرية لدولة حليفة في حلف شمال الأطلسي قد يكون من أبرز الشواهد على شعور إيران بالثقة، على الرغم من الضربات التي تلقّتها منذ شباط الماضي.

وشهد الجوار الإقليمي لإيران مؤخرًا أيضًا تصعيدًا كبيرًا في الحرب بين السعودية والحوثيين في اليمن. فقدرة الحوثيين، على محدودية تمويلهم وشراستهم القتالية، على إرباك استراتيجية تمتدّ لعقود وتُقدَّر كلفتها بتريليونات الدولارات لإحدى أغنى دول العالم، تمثّل مثالًا آخر على قوة اللاتماثل. لكن الأثر المحتمل لهذا الصراع على الاستراتيجية الأميركية في المنطقة قد يكون أكبر بكثير.

لطالما أرادت إيران دفع الولايات المتحدة إلى الخروج من المنطقة. غير أن الأخيرة عزّزت، على مرّ السنوات، وجودها في ثلاث عشرة قاعدة موزّعة على دول شريكة، من بينها البحرين والكويت وقطر، بهدف ردع الاعتداءات، وتعزيز الاستقرار، ونشر القدرات العسكرية مسبقًا استعدادًا للنزاعات عند اندلاعها.

سعت الدول الشريكة، في البداية، إلى استضافة قواعد أميركية باعتبارها مصدرًا للأمن؛ لكنها أصبحت اليوم أهدافًا بسببها. وافترضت أن الولايات المتحدة ستتدخل بفاعلية للدفاع عنها إذا تعرّضت لهجوم من إيران أو وكلائها؛ أما الآن، فقد بات هذا الافتراض موضع شك. وبعدما ألحقت الضربات الإيرانية أضرارًا بهذه القواعد، سحبت الولايات المتحدة بعض قواتها، حتى مع نشرها مزيدًا من القدرات المتحركة ضمن مجموعة ضاربة ثالثة لحاملة طائرات، ووحدة إضافية من وحدات مشاة البحرية الاستكشافية. وإذا انقشع غبار هذا الصراع، ومتى حدث ذلك، فهل سترغب الدول الشريكة في إعادة بناء تلك القواعد وعودة القوات الأميركية إليها؟ يكاد يكون مؤكدًا أن هذه الحرب ستسرّع المسار الطويل والممتدّ لتقليص الانخراط في الحروب المكلفة التي خاضتها الولايات المتحدة في المنطقة على مدى أكثر من ثلاثة عقود.

فمن، أو ما الذي، سيملأ الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة؟ من المرجّح أن يؤدي تقليص القوات الأميركية في المنطقة إلى إعادة اصطفاف محمومة في سياسات الشرق الأوسط وشبكات تحالفاته. وفي غياب المظلّة الأمنية الأميركية التي اعتقد كثير من شركائنا الإقليميين أنهم يستطيعون الاعتماد عليها، قد يتجه هؤلاء إلى أطراف أخرى، وإلى بعضهم بعضًا، طلبًا للأمن. وفي أفضل السيناريوهات، قد يتخذ ذلك صورة حلف أطلسي شرق أوسطي: تحالف، أو ربما شبكة مترابطة من التحالفات، تضمّ دولًا متجاورة متقاربة التوجّهات وملتزمة بأمنها الجماعي.

ومن الاحتمالات أن يتحوّل اتفاق مكة الأخير للدفاع المشترك بين باكستان والسعودية وتركيا إلى تكتّل أكثر فاعلية على المستوى العملياتي. وثمة احتمال آخر يتمثّل في «اتفاقات أبراهام»، التي وثّقت الروابط بين البحرين وإسرائيل والمغرب والإمارات العربية المتحدة. ثم كيف ستسعى هذه الدول إلى ضمان أمنها؟ ربما من خلال السعي إلى امتلاك أسلحة نووية. وبالنظر إلى أن الغرض من الضربات الأولى على إيران كان منع الانتشار النووي في هذه المنطقة، فمن المفارقات أن ينتهي بنا الأمر إلى رؤية دول إضافية فيها، من بينها السعودية والإمارات، تسعى في نهاية المطاف إلى امتلاك قدرات تسلّح نووي.

وأخيرًا، ماذا ينتظر إيران في هذا العالم الجديد الجريء؟ طهران اليوم أضعف مما كانت عليه في أي وقت مضى، وأقوى مما كانت تتوقع، على الأرجح شبه المؤكد، أن تكون عليه؛ والحالتان قائمتان في آن واحد. فكيف يمكن التفاوض مع نظام يعي هذه المفارقة تمامًا؟ ثمة تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة ربما تخطط لتصعيد الهجمات، وأن النظام الإيراني يزداد هشاشة. ومع ذلك، أظهر النظام قدرة على الصمود تفوق ما توقّعه كثيرون، وكذلك فعل الاقتصاد الإيراني، أو على الأقل قدرة الشعب الإيراني على تحمّل المعاناة الاقتصادية. وقد يستمرّ هذا النظام طويلًا بوصفه فاعلًا في مستقبل الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط – وهو فاعل قد نضطرّ جميعًا إلى تعلّم التعايش معه في الواقع.

ترجمة بتصرّف
بقلم / مايكل فرومان – رئيس مجلس العلاقات الخارجية

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.