«عودة الغايب»… فضل شاكر، فمتى تعود الدولة اللبنانية؟

في الرياض، عاد فضل شاكر إلى المسرح تحت عنوان «عودة الغايب»، فعاد معه صوت ارتبط بذاكرة أجيال، وجمهور انتظر سنوات طويلة لقاءه مجدداً. لكن هذه العودة الفنية تطرح سؤالاً يتجاوز الموسيقى والحنين: إذا كان الغائب يستطيع استعادة مكانه على المسرح، فمتى تستعيد الدولة اللبنانية دورها في إنصاف الناس وإعادة الثقة بمؤسساتها؟ وهنا يبرز سؤال لبناني مزمن عن سبب استعادة بعض الغائبين حضورهم، فيما يبقى آخرون أسرى تصنيفات سياسية واجتماعية تتجاوز المساءلة القانونية.

حين يتغيّر المعيار بتغيّر ميزان القوة

اعتاد اللبنانيون أن يروا الوقائع ذاتها تُقرأ بميزانين مختلفين، تبعاً لهوية الفاعل وموقعه في معادلة القوة. فقد يتحوّل السلاح، بحسب حامله، من مصدر قلق إلى ورقة تفاوض، فيما يُعامَل تهديد مشابه باعتباره خروجاً على الإجماع أو تهديداً للاستقرار.

لا يعني ذلك أن جميع الحالات متطابقة؛ فالعدالة تقتضي التمييز بين الوقائع والأدلة والمسؤوليات، لكنها لا تقبل أن تصبح هوية الفاعل أو قوة جماعته بديلاً من المعيار القانوني.

ولا يجوز حرمان أي شخص من ضمانات المحاكمة العادلة بسبب موقف سياسي أو انتماء اجتماعي.

تبدأ الأزمة حين تصبح الحقوق رهناً بقدرة كل جماعة على حماية أبنائها وانتزاع الاستثناءات لنفسها. عندها، لا يعود السؤال متعلقاً بما فعله الشخص والأدلة المتوافرة بحقه، بل بهوية من يحميه والجهة التي ينتمي إليها.

ويكمن الخطر في أن تتحوّل المساءلة إلى عزلة، والعزلة إلى احتقان، والاحتقان إلى شعور بأن العدالة ليست حقاً عاماً، بل امتيازاً تحميه موازين القوى.

من فائض القوة إلى توازن الحقوق

لم تكن معضلة لبنان مجرد اختلاف بين جماعاته، بل تمثّلت في استمرار العجز عن تحويل هذا الاختلاف إلى توازن في الحقوق والواجبات. فقد حوّلت بعض القوى مصالحها إلى عناوين وطنية، فيما دفعت قوى أخرى أثماناً بسبب ضعف حضورها في المعادلة.

لكن القضية المحقّة لا تمنح صاحبها حق تجاوز القانون، كما أن امتلاك النفوذ لا يجعل صاحبه ممثلاً حصرياً للمصلحة الوطنية. وما يحتاج إليه لبنان ليس تبادل مواقع القوة، بحيث تحلّ جماعة محل أخرى في فرض شروطها، بل إنهاء المنطق الذي يجعل القوة ضمانة للحقوق، والضعف سبباً في ضياعها.

فالتوازن المطلوب ليس توازناً في القدرة على التهديد، بل توازن في الحقوق تحت سقف القانون. والمطلوب دولة تحاسب الجميع وفق معيار واحد، ولا تسمح بتحويل الامتياز السياسي أو الطائفي إلى حصانة دائمة.

قانون العفو العام: حين يكشف التشريع عجز المؤسسات

يقدّم الجدل الذي رافق قانون العفو العام مثالاً على خطورة الخلل التشريعي حين تتداخل الاعتبارات السياسية مع مقتضيات العدالة. فقد انتهى الطعن أمام المجلس الدستوري إلى إبطال أجزاء من القانون، وإخضاع أحكام أخرى لتحفّظات تفسيرية ملزمة، من دون إبطاله برمّته. لكن ما أعقب القرار من توضيحات، والتعميم الصادر عن النائب العام التمييزي، والمؤتمر الصحافي المشترك الذي عُقد بحضور رئيس المجلس الدستوري، يطرح أسئلة جدية حول وضوح النص وحدود تطبيقه.

إن قانوناً يمسّ حرية الأشخاص، ومصير الموقوفين، وحقوق الضحايا، والثقة بالقضاء، يُفترض أن يكون واضحاً في نطاقه واستثناءاته وآليات تطبيقه. ومن وجهة نظر دستورية، كان ينبغي للمجلس الدستوري أن يتجه إلى إبطال القانون برمّته، بدلاً من الاكتفاء بالإبطال الجزئي والتحفّظات التفسيرية، بالنظر إلى الإشكاليات التي أثارها النص بشأن المساواة ووضوح القواعد القانونية.

ويستند هذا الموقف إلى مبدأ المساواة أمام القانون، الذي يكرّسه الدستور اللبناني، وإلى التزام لبنان بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وسائر التزاماته الدولية ذات الصلة. ولا يعني ذلك أن كل عفو عام يجب أن يشمل جميع الجرائم بلا استثناء، بل أن تستند الاستثناءات إلى معايير موضوعية ومبرّرة، تتوافق مع الدستور والالتزامات الدولية، وألّا تكون ثمرة موازين القوى أو المساومات السياسية أو اللوائح الاسمية.

وكان الأجدى أن تقوم المعالجة على ضمان المحاكمات العادلة ضمن مهلة معقولة، وإنصاف من طالت فترات توقيفهم، وصون حقوق الضحايا، ووضع قواعد واضحة تحول دون التطبيق الاستنسابي. فالعفو ليس بديلاً من القضاء، كما أن التأخّر في المحاكمات لا يجوز أن يتحوّل إلى عقوبة غير معلنة.

العدالة ليست قضية طائفة

كان يمكن للنقاش حول العفو العام أن يكتسب قوة وطنية أوسع لو انطلق من موقف جامع للنواب، باعتبار أن النائب يمثّل الأمة جمعاء. وكان يمكن للاعتراض أن يكون أكثر رسوخاً لو تأسّس على المساواة أمام القانون، وحقوق الضحايا، وضمانات المحاكمة العادلة، بدلاً من أن يُقرأ من خلال الاصطفافات الطائفية.

فالعدالة لا تفقد طابعها الوطني حين تنصف شخصاً ينتمي إلى طائفة بعينها، بل تفقده حين يصبح الانتماء معياراً لتحديد من يستحق الإنصاف ومن يُترك لمصيره. ولا يجوز أن يصبح تحصيل الحق متوقفاً على قدرة جماعة على حشد ممثليها، أو أن يتحوّل القانون إلى تسوية بين قوى تتنافس على حماية مصالحها.

الدولة العادلة لا تنبطح في الداخل ولا أمام العدو

إن إنهاء فائض القوة ونظام المحاصصة لا يعني إضعاف الدولة، بل استعادة دورها. غير أن الدولة العادلة لا تُقاس بقدرتها على فرض القانون في الداخل فحسب، بل أيضاً بقدرتها على حماية سيادتها وأرضها وسكانها.

فلا يستقيم أن نطالب بحصر السلاح بيد الدولة، وهو مبدأ يرتبط ببناء الدولة وسيادتها، من دون أن نطرح سؤال قدرتها الفعلية على حماية الحدود، واستعادة الأرض المحتلة، وضمان عودة السكان إلى قراهم، في ظل استمرار عمليات تجريف القرى والبلدات وتدمير مقوّمات الحياة فيها.

إن رفض فائض القوة في الداخل لا يعني القبول بضعف الدولة أمام الخارج، كما أن الدفاع عن السيادة لا يبرّر بقاء البلاد رهينة تعدّد مراكز القرار. والمطلوب دولة تملك قرارها، وتحدّد أولوياتها الدفاعية، وتفعّل أدواتها السياسية والدبلوماسية والقانونية لحماية مواطنيها.

وحصر السلاح مسار يرتبط بقدرة الدولة على بسط سلطتها وحماية أرضها، وبوجود استراتيجية وطنية واضحة تضمن ألّا يُترك المواطن لمصيره.

فالدولة التي نريدها لا تنبطح أمام العدو، بل تستمدّ قوتها من شرعيتها، وهيبتها من عدالة مؤسساتها وقدرتها على حماية الحقوق والسيادة معاً.

ولن تكتمل عودة الدولة من دون أن تستعيد الحياة السياسية تعدّديتها، وأن يُتاح المجال أمام مختلف القوى والشخصيات للمشاركة في الشأن العام وفق إرادة اللبنانيين الحرة، بعيداً عن الإقصاء الداخلي أو الارتهان للتجاذبات الإقليمية. فاستقلال القرار لا يستقيم مع إقصاء طرف أو استدعاء آخر وفق حسابات الخارج، بل يتحقّق بالتنافس الديمقراطي والمساءلة الشعبية.

عودة الغائب… وعودة الدولة

المطلوب أن تكون العودة إلى المجتمع ممكنة وفق الوضع القانوني لكل حالة، وأن تبقى المساءلة قضائية لا انتقائية.

في الرياض، عاد فضل شاكر إلى جمهوره، واستعادت أغنياته مكاناً في ذاكرة محبّيه. أما في لبنان، فالعودة الأهم هي استعادة الثقة بالمؤسسات، وترسيخ المساواة، ونقل السياسة من الغلبة والمحاصصة إلى منطق الدولة.

حين يعود الغائب إلى المسرح، يصفّق الجمهور للصوت الذي افتقده. أما حين يعود الغائب إلى وطنه، فيجب أن يجد دولة لا تسأله أولاً عمّن يحميه، بل تضمن له أن يُحاسَب إن أخطأ، وأن يُنصَف إن ظُلم.

قد تكون عودة فضل شاكر حدثاً فنياً، أما عودة الدولة اللبنانية فتبقى الاستحقاق الوطني الذي لا يجوز أن يغيب. وكلّنا أمل في أن تتحقّق هذه العودة من قلب بيروت، عاصمة القانون وأمّ الشرائع، عبر مؤسسات الدولة الدستورية، لا من خلال موازين القوى أو الحسابات الإقليمية.

مقالات الكاتب

د. جاد طعمه

أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.