أمين عام مجلس الوزراء… هل يمرّ القانون من أمامه أم تمرّ المخالفات بتوقيعه؟

حين تُدرج على جدول أعمال مجلس الوزراء ملفات تُثار بشأنها إشكاليات قانونية، لا تنحصر المساءلة في الجهة التي اقترحتها أو في الوزراء الذين سيشاركون في إقرارها، بل تشمل أيضًا مسار إعدادها وتدقيقها وإحالتها، واستكمال مستنداتها، والتنبيه إلى ما قد يشوبها من نواقص أو مخالفات قبل وصولها إلى طاولة القرار.

وفي دولة يُفترض أنها تحترم القانون والمؤسسات، لا يستقيم اختزال دور الأمانة العامة لمجلس الوزراء في تجميع الملفات وتعميم جدول الأعمال، كما لو كانت مجرد مكتب بريد إداري لا صلة له بمضمون ما يُعرض على الحكومة، ولا بالمتطلبات الإجرائية التي تسبق عرضه.

فالأمين العام لمجلس الوزراء، القاضي محمود مكية، يشغل موقعًا إداريًا محوريًا في تنظيم أعمال المجلس ومتابعة ملفاته. وهذا الموقع يستدعي توضيح حدود واجباته ومسؤوليته، خصوصًا عندما تتضمن الاقتراحات المعروضة مسائل قانونية تستوجب التدقيق أو الاستيضاح أو الإحالة إلى المرجع المختص.

ولا تعني المطالبة بهذا التوضيح إصدار حكم مسبق على أداء الأمانة العامة، بل تهدف إلى تحديد دورها بدقة، والتمييز بين مسؤوليتها عن الإجراءات الداخلة ضمن اختصاصها ومسؤولية الجهات التي تقترح القرارات أو تتخذها.

صون الأصول قبل الوصول إلى القرار

يشكّل المرسوم رقم 2552، تاريخ 1 آب 1992، المتعلق بتنظيم أعمال مجلس الوزراء، مرجعًا أساسيًا للنظر في أصول إعداد الملفات وإحالتها، ومتطلبات استكمال المستندات والإجراءات المرتبطة بعرضها على المجلس.

ومن هنا، تبرز ضرورة بيان الآلية المعتمدة للتعامل مع الملفات غير المستوفية للأصول، وتحديد الحالات التي تستوجب إعادتها لاستكمال النواقص، والجهة المخوّلة اتخاذ هذا الإجراء، وفق القواعد المرعية وحدود الصلاحيات.

أما عندما تتصل الإشكالية بمضمون الاقتراح نفسه، وباحتمال تعارضه مع نص قانوني، فإن الأمر يتطلب تحديد المسار الواجب اتباعه لمعالجة هذا التعارض، والمرجع المختص بإبداء الرأي فيه، وكيفية وضع الملاحظات القانونية أمام أصحاب القرار.

ولا يجوز افتراض أن الأمين العام يملك صلاحية إسقاط أي بند من جدول الأعمال لمجرد اعتراضه عليه، كما لا يجوز اعتبار توقيعه سببًا كافيًا لتحميله تلقائيًا مسؤولية كل ما يتضمنه الملف. وفي المقابل، لا يصح اتخاذ هذين الاعتبارين ذريعة لإعفائه من واجبات قانونية أو إدارية يثبت أنها تدخل ضمن اختصاصه.

فالمسؤولية تُحدَّد بالاستناد إلى النصوص والوقائع، وطبيعة المهمة المسندة إلى كل جهة، والإجراءات التي اتخذتها أو امتنعت عن اتخاذها. والموقع الإداري لا يمنح حصانة من المساءلة، كما أن التوقيع ليس تفصيلًا عديم الأثر؛ لكن مساءلة صاحبه تقتضي، أولًا، تحديد الواجب القانوني المرتبط به ومدى الالتزام بهذا الواجب.

تجميع التعيينات في بند واحد… الشفافية تقتضي وضوح كل حالة

من المسائل التي تستحق التوقف عندها التغيير المشار إليه في طريقة إدراج التعيينات على جداول أعمال مجلس الوزراء، والانتقال من عرض تعيينات في بنود مستقلة إلى جمع تعيينات مختلفة ضمن بند واحد.

فعرض كل تعيين بصورة مستقلة يتيح تمييز ملفه، ومناقشة شروطه، والتدقيق في مؤهلات المرشح إليه، والتحقق من استيفائه المتطلبات القانونية والتنظيمية الخاصة بالمركز المعني. أما جمع ملفات متعددة تحت عنوان واحد، فيستدعي توضيح الضمانات التي تحول دون اختلاط الحالات المستوفية للشروط بحالات قد تستوجب مراجعة إضافية.

وقد يكون لهذا الأسلوب مبرر تنظيمي أو إداري، لكن تقويمه يجب أن ينطلق من أثره الفعلي على وضوح الملفات وإمكان مناقشتها. فتسهيل العمل الإداري ينبغي أن يقترن بالحفاظ على حق كل ملف في التدقيق المستقل، وعلى قدرة الوزراء على إبداء ملاحظاتهم بشأن كل تعيين على حدة.

ولا يمكن الجزم بأن الغاية من التجميع هي تمرير تعيينات مثيرة للإشكاليات من دون أدلة تثبت ذلك. غير أن من حق الرأي العام الاطلاع على أسباب اعتماد هذه الصيغة، خصوصًا في التعيينات المتعلقة بالمراكز الإدارية الحساسة، ومعرفة كيفية ضمان عرض الأساس القانوني والشروط والمؤهلات الخاصة بكل حالة.

فجمع التعيينات في بند واحد لا يُسقط المسؤولية عن أي منها، ولا يعالج مخالفة قد تشوب أحدها، ولا يمنح التعيين سلامة قانونية لمجرد إدراجه إلى جانب تعيينات أخرى مستوفية للشروط.

والثقة بسلامة القرارات تتعزز بعرض واضح يتيح التحقق منها، وببيان المرجع القانوني الذي يستند إليه كل تعيين، والشروط المطلوبة لشغل المركز، ومدى توافرها في الشخص المقترح.

فالشفافية لا تقتصر على نشر جدول الأعمال، بل تشمل صياغة بنوده وتقديم مستنداته بطريقة تسمح بفهم مضمون كل اقتراح ومساءلة المسؤولين عنه بصورة مستقلة.

ويكمن الخطر في أن يؤدي التجميع، عمليًا، إلى حجب تفاصيل أساسية عن النقاش، أو إلى مرور حالة تستوجب التوقف عندها وسط مجموعة من الملفات، من دون منحها ما تحتاج إليه من مراجعة. ولهذا، فإن المعيار الحاسم هو بقاء كل تعيين قابلًا للفحص والمناقشة والاعتراض، بصرف النظر عن طريقة ترتيبه على جدول الأعمال.

تعيين محافظ النبطية… المراجعة بمعيار واحد

أُثيرت إشكاليات قانونية حول تعيين محافظ النبطية، وتداولت الأوساط المعنية احتمال التراجع عن التعيين والاتجاه إلى تعيين شخص آخر. وهذا التداول يستوجب توضيحًا رسميًا يبيّن واقع الملف، وطبيعة الاعتراضات المطروحة، وما إذا كانت قد خضعت لمراجعة قانونية، والنتائج التي انتهت إليها هذه المراجعة إن حصلت.

وإذا كانت الحكومة مستعدة لإعادة النظر في تعيين تُثار بشأنه اعتراضات قانونية جدية، فإن المنهج نفسه ينبغي أن يشمل سائر التعيينات في الإدارات والمؤسسات العامة، متى توافرت أسباب تستدعي التدقيق، من دون ربط المراجعة بحجم الاهتمام الإعلامي أو بثقل الجهات المعترضة.

فاحترام القانون يقتضي اعتماد معيار موحد في التعامل مع الملفات المتشابهة، وإتاحة المراجعة على أساس الوقائع والنصوص، بعيدًا عن الانتقائية والاستجابة الظرفية للضغوط.

وفي الوقت نفسه، فإن مجرد إثارة اعتراضات لا يثبت عدم قانونية التعيين، كما أن التراجع عنه لا يُعدّ، بمفرده، إقرارًا ببطلانه. فقد تختلف أسباب المراجعة أو العدول، ولذلك يبقى التوصيف القانوني مرتبطًا بالمستندات والأسباب والقرارات ذات الصلة.

والمعيار السليم هو فحص كل حالة في ضوء شروطها الخاصة، وتحديد مدى توافقها مع النصوص النافذة، واتخاذ الإجراء المناسب متى ثبت وجود مخالفة، مع توضيح أساس هذا الإجراء للرأي العام.

واختبار جدية الحكومة في تكريس احترام القانون يتجاوز معالجة الملف الذي بات تحت الأضواء، إلى استعدادها لمراجعة جميع الملفات التي تتوافر بشأنها مؤشرات جدية تستوجب التدقيق، من دون استثناء أو تمييز.

توزيع المسؤوليات بين الاقتراح والتدقيق والإقرار

لا يشغل رئيس مجلس الوزراء، والوزير الذي يقترح التعيين أو يطلب اتخاذ القرار، والأمين العام لمجلس الوزراء، والوزراء المشاركون في إقراره، الموقع القانوني نفسه. ولكل منهم صلاحيات وواجبات ينبغي التمييز بينها عند تقويم مسار الملف وتحديد المسؤوليات المرتبطة به.

فرئيس مجلس الوزراء يمارس صلاحياته الدستورية في تنظيم أعمال الحكومة ووضع جدول أعمالها، والوزير المختص يتحمل مسؤولية الاقتراحات والملفات الداخلة ضمن اختصاصه، فيما يتولى الأمين العام المهمات التي تحددها النصوص المنظمة لعمله. أما مجلس الوزراء، فتُبحث مسؤولية قراراته ضمن الأطر الدستورية والقانونية المعنية.

وبناءً عليه، لا يجوز تحميل شخص مسؤولية فعل لم يرتكبه، أو إجراء لا يدخل ضمن صلاحياته، كما لا يجوز إعفاء مسؤول من واجب محدد بحجة أن سلطة اتخاذ القرار النهائي تعود إلى جهة أخرى.

فالمطلوب تحديد سلسلة المسؤوليات منذ إعداد الاقتراح، مرورًا باستكمال مستنداته وتدقيقه وإحالته وإدراجه على جدول الأعمال، وصولًا إلى مناقشته وإقراره. ويشمل ذلك التحقق من وجود ملاحظات أو تنبيهات قانونية، وتحديد الجهة التي أبدتها، وكيفية التعامل معها، ومدى اطلاع أصحاب القرار عليها.

وهذه المراجعة لا تهدف إلى البحث عن كبش محرقة، بل إلى معرفة ما قام به كل طرف ضمن اختصاصه، وما إذا كانت الإجراءات الواجبة قد استُكملت، وما إذا كان ثمة تقصير أو تجاوز يمكن إثباته.

فعندما تكون مراحل إعداد القرار واضحة وموثّقة، تصبح المساءلة أكثر دقة وعدالة، وتتراجع إمكانات تبادل الاتهامات أو التنصل من المسؤولية بعد ظهور الإشكاليات.

محمود مكية… توضيح الدور يحمي المؤسسة

القاضي محمود مكية، بصفته أمينًا عامًا لمجلس الوزراء، معنيّ بتوضيح حدود صلاحيات الأمانة العامة وواجباتها، ولا سيما في ما يتعلق بالملفات التي تُثار بشأنها إشكاليات قبل إدراجها على جدول الأعمال أو بعده.

ويشمل التوضيح المطلوب نطاق المراجعة التي تخضع لها الملفات، والجهة التي تتولاها، والإجراءات المعتمدة عند ظهور نواقص في المستندات أو ملاحظات على استيفاء الشروط، وكيفية معالجة المسائل القانونية التي تستوجب رأيًا من مرجع مختص.

كما يشمل بيان الآلية التي تضمن وصول الملاحظات الجوهرية، عند وجودها، إلى الجهات المعنية قبل اتخاذ القرار، وتحديد ما إذا كانت تُرفق بالملف أو تُعرض ضمن مسار آخر تتيحه الأصول المعتمدة.

وإتاحة هذه المعلومات لا تنتقص من صلاحيات مجلس الوزراء، ولا تمنح الأمانة العامة دورًا يتجاوز اختصاصها، بل تساعد على فهم مسار إعداد القرارات، وتدعم انتظام العمل المؤسسي، وتحدّ من الالتباس بشأن المسؤوليات.

فحماية قرارات الحكومة من العيوب الإجرائية والقانونية تبدأ بوضوح المهمات والتزام كل جهة حدود دورها، وبوجود إجراءات تسمح بمعالجة الإشكاليات قبل أن تتحول إلى نزاع حول قرار نافذ.

ولهذا، لا يجوز التعامل مع التوقيع الإداري بوصفه إجراءً شكليًا منفصلًا عن الواجبات التي قد يرتبها القانون، كما لا يجوز اعتباره وحده دليلًا كافيًا لإثبات مسؤولية صاحبه عن مضمون كل اقتراح أو قرار. والفصل بين هذين المستويين ضرورة لأي مساءلة منصفة تستند إلى وقائع محددة.

لا إصلاح مع الانتقائية في تطبيق القانون

لا يحتاج لبنان إلى إدارة تعيد النظر في قراراتها فقط عندما تصبح قضية رأي عام، ولا إلى مؤسسات تتعامل مع المخالفات المحتملة بمنطق الاستثناءات أو بحسب موازين النفوذ والاعتراض.

إنه يحتاج إلى آلية واضحة ومتسقة لمراجعة التعيينات والتكليفات، وإلى ملفات مكتملة تبيّن الأسس والشروط والمستندات، وإلى الاستعانة بالآراء القانونية عند الاقتضاء، وتحديد المسؤوليات قبل اتخاذ القرارات، بدلًا من محاولة توزيعها بعد اندلاع الخلافات.

وتشمل هذه الضرورة توضيح واجبات كل من يُعدّ الملف ويراجعه ويحيله ويدرجه على جدول الأعمال، والتحقق من تنفيذ هذه الواجبات وفقًا للنصوص النافذة، مع التمييز بين المسؤولية الإجرائية والمسؤولية عن مضمون الاقتراح والقرار النهائي.

كما تستوجب إعلان منهج موحد للتعامل مع الاعتراضات الجدية على التعيينات، وبيان أسباب مراجعة بعض الملفات ومآلها، وضمان خضوع الحالات الأخرى للمعيار نفسه متى توافرت فيها أسباب مماثلة.

وفي ما يتعلق بتجميع التعيينات، فإن المطلوب ضمان بقاء كل حالة واضحة ومستقلة في مستنداتها وأساسها القانوني ومناقشتها، بحيث لا تتحول طريقة العرض إلى عائق أمام التدقيق أو إلى سبب لإضعاف المساءلة.

على الحكومة أن توضّح الأسس التي تعتمدها في إعداد قراراتها ومراجعتها، وعلى الأمانة العامة أن تبيّن نطاق دورها والإجراءات التي تتبعها، وعلى الجهات الرقابية أن تمارس اختصاصاتها في حدود القانون، استنادًا إلى الوقائع والمستندات.

فالدولة التي تريد إقناع الناس بأنها دولة مؤسسات مطالبة بأن تثبت أن القانون يحكم جميع الملفات، وأن المراجعة تُبنى على جدية الإشكاليات المطروحة، لا على حجم الضجة الإعلامية أو طبيعة الاعتراضات السياسية.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.