وردت تقارير مؤخرًا تفيد بأن شركات صينية تزوّد المتمرّدين الحوثيين في اليمن بالمواد اللازمة لتصنيع الصواريخ وإطلاقها. كما وردت تقارير، قديمة وحديثة، تفيد بأن بكين بدورها تزوّد إيران بمواد مماثلة.
للوهلة الأولى، قد يبدو من المنطقي أن تُقدم الصين على ذلك. فبوصفها منافسًا جيوسياسيًا للولايات المتحدة، قد تستفيد من مساعدة أعداء واشنطن في حرب طويلة الأمد. لكن ثمّة بُعدًا آخر للمسألة: فإطالة أمد الحرب تتعارض مع مصالح اقتصادية صينية أساسية، تفوق أهميتها أيّ مكاسب جيوسياسية قد تجنيها بكين من استنزاف القوة العسكرية الأميركية.
تمثّل الردّ الإيراني على الهجمات الأميركية في تقييد تدفّق النفط بشدّة عبر مضيق هرمز، وكذلك عبر البحر الأحمر بمساعدة حلفائها الحوثيين. وبذلك، تسبّبت إيران والحوثيون في أزمة اقتصادية عالمية، من خلال تقليص كميات النفط المتاحة عالميًا، ورفع أسعاره بطبيعة الحال. والنتيجة: إضعاف كبير، ليس للاقتصاد الأميركي وحده، بل للاقتصاد العالمي بأسره، بما فيه ذلك الصيني.
ويُلحق ضعف الاقتصاد الأميركي ضررًا خاصًا بالصين. فبحسب البنك الدولي، تولّد الصين 21 في المئة من ناتجها القومي الإجمالي من الصادرات، التي تشمل طيفًا واسعًا من المنتجات الصناعية والتكنولوجية. وبعبارة أخرى، تعتمد سلامة الاقتصاد الصيني على قدرة الدول الأخرى على استيراد سلعه. ومن ثمّ، فإن تمتّع الاقتصاد العالمي بالعافية يُعدّ ركيزة أساسية للمصلحة الوطنية الصينية.
من الواضح أن تداعيات الحرب في إيران، والآن في السعودية، تزعزع استقرار الاقتصادات في أنحاء العالم. والرابحون الوحيدون هم الدول المنتجة للنفط التي لا تزال صادراتها بمنأى عن التعطّل. وكون الصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، يرفع الصراع بالضرورة تكاليف التصنيع الصيني، وبالتالي تكاليف السلع المصدَّرة.
وهنا تكمن المفارقة في الدعم المادّي الذي يُزعم أن الصين تقدّمه للحوثيين وإيران، واللذين صنّعا الأسلحة التي تسبّبت في هذه المشكلة. فإمّا أن تكون التقارير عن شحنات مواد تصنيع الأسلحة القادمة من الصين غير صحيحة، وإمّا أن الصين خلصت إلى أن المنافع القصيرة الأجل تفوق التداعيات الطويلة الأجل لارتفاع أسعار النفط.
لكن ثمّة تفسيرًا ثالثًا لهذه التقارير. فهي تلفت إلى أن شركات صينية، لا الدولة نفسها، شحنت المواد إلى إيران والحوثيين. ووفق النموذج التحليلي الذي نعتمده لفهم الصين، فإنها، بوصفها دولة شيوعية، تمارس السيطرة على شركات القطاع الخاص فيها. صحيح أن الصين لم تعد النموذج التقليدي للدولة الشيوعية كما كانت في السابق، لكن من المستبعد أن يغيب عن أنظارها أمر بهذه الأهمية الجيوسياسية، أو أن تتجاهله. فحتى في الدول غير الشيوعية، يمكن لمقتضيات الأمن القومي أن «تبرّر» تدخّل الحكومة في النشاط الاقتصادي. ويُفترض أن بكين تعرف ما تفعله هذه الشركات، وتمتلك القدرة على إيقافها، لكن ذلك يظلّ مجرّد افتراض؛ إذ لا تستطيع حكومة أن توقف أمرًا لا تعلم بحدوثه من أساسه.
لذلك، مع أن احتمال عدم علم بكين بما تفعله الشركات قائم بالتأكيد، فإنني أجد صعوبة في تصديقه. لكن، إذا صحّت هذه التقارير، ومن المؤكّد أن الحوثيين والإيرانيين يمتلكون أسلحة متطوّرة ويشغّلونها، فإن ذلك يكشف المفارقة الجوهرية المرتبطة باحتياجات الصين الاقتصادية.
ليس لديّ، في الواقع، تفسير لهذه المفارقة، والاحتمالات القليلة التي ذكرتها لا تبدو لي مقنعة. فتقويض موقف الولايات المتحدة سرًّا في إيران يعني تقويض الاقتصاد الصيني نفسه بصورة علنية. بيد أن طبيعة المفارقات تكمن في أن الحقيقة لا تكون ظاهرة، بل تتكشّف لاحقًا. ومن المرجّح ألّا تكون هذه المرّة الأخيرة التي نتناول فيها هذه المسألة.
ترجمة بتصرّف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / جورج فريدمان

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
