لم تبدأ حكاية صفاء بالخيانة، ولم تبدأ بخطأ ارتكبه أحدهما. بدأت في مساء عادي جداً.
كانت صفاء أرملة منذ سنوات. امرأة تجاوزت منتصف العمر بقليل وعاشت بعد وفاة زوجها حياة كاملة من المسؤوليات.
أبناؤها كبروا. والبيت الذي كان ممتلئاً بالأصوات أصبح أكثر هدوءاً.
في البداية كانت تخاف من هذا الهدوء، ثم اعتادته، ثم أصبح جزءاً من حياتها. لكن الإنسان يستطيع أن يعتاد الوحدة ولا يستطيع دائماً أن يتصالح معها.
كانت صفاء تضحك أمام الناس. تتحدث في المناسبات. تسأل عن الجميع وتجيب عندما يسألها أحد: كيف حالك، فتقول كعادتها: الحمد لله. ولم يكن أحد يعرف أن هذه الكلمة كانت أحياناً تغطي على مساحة كبيرة من الفراغ
في أحد الأيام دخل مازن إلى حياتها. لم يكن يبحث عن امرأة. كان رجلاً متزوجاً يعيش حياته مثل ملايين الرجال: بيت وزوجة وأبناء ومسؤوليات وذكريات تراكمت على مدى سنوات.
لم يكن ينقصه شيء في نظر الناس. لكن الإنسان ليس دائماً ما يراه الناس.
كان مازن يشعر أحياناً أنه يعيش حياة كاملة من الخارج بينما بداخله شيء لا يعرف اسمه. وحين التقى صفاء لم يحدث شيء كبير. لم تسقط السماء ولم يتغير العالم.
جلسا يتحدثان، ثم تحدثا مرة أخرى، ثم أصبحت هناك مكالمة، ثم رسالة، ثم انتظار.
وفي البداية كان كل شيء بريئاً. سؤال عن يومها. اطمئنان على صحته. حديث عن الأبناء. ذكريات قديمة. كتاب قرأه أحدهما. خبر مرّ أمام الآخر. ثم بدأت التفاصيل الصغيرة تأخذ مكانها.
أصبح مازن يعرف متى تكون صفاء حزينة من نبرة صوتها. وأصبحت صفاء تعرف من صمته أنه متعب. كان كل واحد منهما يرى الآخر بطريقة لم يعد يراه بها أحد. وهنا بدأ الحب.
لا كما تبدأ الحكايات في الأفلام، بل كما يبدأ الخطر الحقيقي. بهدوء. دون إعلان، ودون أن يعرف صاحبه متى عبر الخط الفاصل بين الصداقة والحاجة.
كانت صفاء تقول لنفسها: أنا لا أريد أن آخذ رجلاً من بيته، ولم تكن تريد ذلك بالفعل. كانت تعرف أن لمازن زوجة وأبناء، وكانت تعرف أن حياتها لا ينبغي أن تصبح سبباً في هدم حياة أخرى.
لكنها كانت تريد شيئاً مختلفاً. كانت تريد أن يشعر أحد بوجودها. أن يسألها أحد عن يومها. أن تسمع صوتاً يقول لها: هل أنت بخير؟ وكان هذا السؤال البسيط بالنسبة إليها أكبر من كثير من الهدايا.
أما مازن فكان يعيش صراعاً لا يقل قسوة. كان يحب صفاء لكنه لم يكن يريد أن يؤذي زوجته. ولم يكن يريد أن ينسف سنوات عمره. وكان يعرف أن الحب لا يعطي الإنسان الحق في ظلم الآخرين.
ولهذا ظل واقفاً بين قلبه وضميره. كلما اقترب منها خطوة تراجع خطوة. وكلما قرر أن يبتعد اشتاق إليها أكثر. حتى أصبح البعد نفسه نوعاً من الألم.
وكانت صفاء تفعل الشيء نفسه: تقول له: يجب أن نتوقف. ثم يمر يومان أو ثلاثة فيعود الحديث. ليس لأنهما ضعيفان ولكن لأنهما اكتشفا أن شيئاً في داخلهما أصبح مرتبطاً بالآخر.
لقد أصبحا يعيشان حياة كاملة دون أن يسكنا بيتاً واحداً. كانا يعرفان تفاصيل الأيام. يتبادلان الخوف والفرح. يتحدثان عن المرض والموت والأبناء والشيخوخة. وكان كل واحد منهما يعرف ما يطمئن الآخر وما يوجعه.
كانا مثل زوجين إلا أنهما لم يكونا زوجين. وكانا يعيشان حباً لكن دون علاقة محرمة. لا يد تمتد إلى ما لا يجوز ولا بيت سري ولا خيانة جسدية. فقط قلبان تعلما أن يتحدث أحدهما إلى الآخر وكان هذا وحده كافياً لصناعة مأساة كاملة، لأن الحب لا يحتاج دائماً إلى جسد حتى يصبح قوياً.
أحياناً تكفي الروح وأحياناً تكون الكلمة أخطر من اللمسة. ومع مرور الوقت بدأت صفاء تخاف، ليس من الناس بل من نفسها. كانت تخاف أن تصبح حياتها كلها معلقة بهذا الرجل وأن يصبح غيابه عن الهاتف غياباً عن العالم كله.
وكان مازن يخاف الشيء نفسه. كان يعرف أن هناك بيتاً ينتظره وأن زوجته لم تكن مسؤولة عن المشاعر التي دخلت حياته فجأة. وكان يعرف أيضاً أن صفاء لم تطلب منه أن يترك أسرته بل كانت تخاف من أن تطلب ذلك يوماً.
وهنا بدأ العقل يدخل بينهما. ماذا أعطيت؟ ماذا أخذت؟ من يحب أكثر؟ من ينتظر أكثر؟ من يتألم أكثر؟ ومن يستطيع أن يعيش بدون الآخر. وفجأة تحول الحب إلى دفتر حساب وهذه هي اللحظة التي يبدأ فيها الحب في فقدان أجمل ما فيه. لأن الحب لا يعيش في الحساب. الحب يعيش في العطاء الذي لا يسأل عن المقابل.
لكن الإنسان عندما يخاف يبدأ في الحساب، وعندما يشعر بالتهديد يبدأ في السؤال: هل أنا مهم فعلاً؟ هل تحبني كما أحبك؟ هل تستطيع أن تستغني عني؟ هل كنت مجرد فترة عابرة في حياتك؟ وكانت كل إجابة تفتح سؤالاً جديداً حتى أصبح الاثنان متعبين.
كان مازن يعود إلى بيته في المساء. يجلس مع زوجته. يتحدث مع أبنائه. يعيش حياته الطبيعية. لكن جزءاً من قلبه كان في مكان آخر.
وكانت صفاء تجلس وحدها في بيتها. تنظر إلى الهاتف ثم تضعه جانباً ثم تعود إليه. تقول لنفسها: لماذا أنتظر؟ ثم تنتظر.
وهكذا أصبح الحب عادة، ثم أصبحت العادة حاجة، ثم تحولت الحاجة إلى خوف، ثم أصبح الخوف عبئاً.
وهنا جاءت أصعب مرحلة. لم يعد السؤال: هل نحب بعضنا؟ بل: ماذا نفعل بهذا الحب؟
كان يمكن أن يختارا الطريق السهل. أن يقول أحدهما للآخر: دعنا نهدم كل شيء ونبدأ من جديد. لكن الحياة ليست رواية رومانسية. هناك أطفال. وهناك زوجة. وهناك سنوات. وهناك مسؤوليات. وهناك ضمير.
وكانا يعرفان أن الحب الذي يبدأ بهدم حياة الآخرين ليس انتصاراً للحب بل هزيمة له. ولهذا اختارا الطريق الأصعب. أن يحبا دون أن يمتلك أحدهما الآخر. أن يبقيا قريبين دون أن يقتربا من الحرام. أن تكون هناك مشاعر لكن تكون هناك حدود. وهذا النوع من الحب لا يعرفه كثيرون، لأنه لا يمنحك النهاية التي تريدها بل يجعلك تعيش مع سؤال مفتوح: ماذا لو؟
ماذا لو التقينا قبل سنوات؟ ماذا لو لم يكن مازن متزوجاً؟ ماذا لو لم تكن صفاء أرملة؟ ماذا لو جاء الحب في الوقت المناسب؟ لكن كلمة ماذا لو لا تغير شيئاً. فالحياة لا تعيد ترتيب مواعيدها من أجل القلوب. والحب المتأخر له مأساة خاصة: أنه يأتي في الوقت الذي تكون فيه كل المقاعد قد امتلأت.
البيت موجود، والأبناء موجودون، والعمر مضى، والقرارات القديمة أصبحت جزءاً من الإنسان. ثم يأتي الحب ويطرق الباب. لكن لا أحد يستطيع أن يفتح له. ومع ذلك لا يرحل. يبقى واقفاً أمام الباب ينتظر حتى يتعب، ثم يجلس على عتبة القلب.
وفي إحدى الليالي اتصلت صفاء بمازن. لم يكن صوتها كما اعتاد. سألها: ماذا بك. قالت: لا شيء. قال: أنا أعرف صوتك. صمتت طويلاً ثم قالت: أخاف أن نصبح يوماً ذكرى. قال: نحن بالفعل ذكرى مؤجلة. لم تفهم ما قال، فشرح لها: ربما نحن لا نعيش قصة ستكتمل، ربما نحن نعيش شيئاً جاء ليذكرنا أننا ما زلنا قادرين على الحب. سكتت، ثم بكت.
لم تكن تبكي لأنها تريد منه أن يترك بيته. كانت تبكي لأنها فهمت الحقيقة. بعض الناس يدخلون حياتنا لكي يبقوا فيها. وبعضهم يدخلون لكي يتركوا فيها أثراً لا يزول. وكان مازن واحداً من هؤلاء. أما صفاء فكانت بالنسبة إليه المرأة التي جاءت متأخرة. لكنها جاءت في الوقت الذي كان قلبه يحتاج فيه إلى أن يعرف أنه لم يمت.
مرّت الأيام، ثم الشهور، وبدأ كل واحد منهما يحاول أن يقلل الكلام. ثم المكالمات. ثم الرسائل
كانا يعرفان أن الحب إذا ظل يأخذ أكثر مما يستطيعان تحمله فسوف يتحول إلى كارثة. وكان القرار موجعاً لكن لا بدّ منه. قالت صفاء ذات مرة: أنا لا أريد أن أكون سبباً في وجع امرأة أخرى. وقال مازن: وأنا لا أريد أن أعيش معك وأنا أعرف أن حياتي ستترك وراءها خراباً.
كان ذلك هو الفراق الحقيقي. ليس فراق جسدين فهما لم يعيشا معاً أصلاً. بل فراق روحين تعوّدتا أن تجدا بعضهما كل يوم. اختفى الهاتف من يد صفاء تدريجياً وأصبح مازن يعود إلى بيته دون أن يلتفت إلى هاتفه كل دقيقة. وعادت الحياة إلى شكلها الطبيعي لكن شيئاً لم يعد طبيعياً في داخلهما.
كانت صفاء تنظر أحياناً إلى مكان جلوسها وتقول: هنا كان يحدثني. وكان مازن يمر بموقف معين في حياته فيفكر: لو كانت صفاء هنا لفهمتني. ثم يصمت. لا أحد يعرف هذه التفاصيل. لا الزوجة. ولا الأبناء. ولا الأصدقاء. ولا المجتمع. كل شيء يبدو عادياً لكن داخل شخصين كانت هناك جنازة صامتة.
لم يمت فيها إنسان بل مات احتمال. احتمال حياة لم تحدث. وهذه أحياناً تكون أقسى أنواع الخسارة. أن تبكي شيئاً لم تملكه أبداً. وأن تشتاق إلى أيام لم تعشها. وأن تحن إلى بيت لم تسكنه. وأن تتذكر شخصاً كان قريباً من روحك إلى درجة أنك تشعر أنه كان جزءاً من حياتك رغم أنه لم يكن لك يوماً.
وهنا تظهر الحقيقة الاجتماعية والنفسية الأعمق. نحن لا نفقد من نحب فقط عندما يرحل. قد نفقده وهو أمامنا. عندما يصبح حضوره عادياً. عندما نتوقف عن رؤيته. عندما يصبح وجوده في حياتنا شيئاً مضموناً. الحب يحتاج إلى أن يرى. أن يسمع. أن يشعر. أن يكتشف الآخر كل مرة من جديد.
لكن الزمن يجعل الأشياء مألوفة. والمألوف يفقد دهشته. ولهذا تموت بعض العلاقات وهي ما زالت تعيش تحت سقف واحد بينما تظل بعض العلاقات البعيدة حية في الذاكرة. ليس لأنها أفضل، بل لأنها لم تحصل على فرصة أن تتحول إلى عادة.
وربما لهذا ظل حب صفاء ومازن جائعاً. لم يشبع من الحياة. لم يأخذ حقه من الأيام. لم يعرف صباحاً مشتركاً ولا سفراً معاً ولا بيتاً ولا شيخوخة إلى جوار بعضهما. ظل مجرد احتمال والاحتمالات لا تموت بسهولة لأنها لا تملك نهاية.
كلما حاول الإنسان دفنها قالت له: ماذا لو؟ و«ماذا لو» هي أكثر الكلمات قدرة على تعذيب القلب.
في النهاية لم ينتصر أحد. لم تنتصر صفاء. ولم ينتصر مازن. ولم تنتصر المسافات. ولم تنتصر الحياة. فقط انتصر الواقع. والواقع لا يهتم دائماً بما يريده القلب.
عاد مازن إلى بيته وعادت صفاء إلى وحدتها لكن كل واحد منهما أخذ من الآخر شيئاً لن يستطيع الزمن أن يسترده. أخذ مازن منها يقيناً بأنه ما زال قادراً على الحب، وأخذت صفاء منه يقيناً بأنها لم تصبح امرأة منسية لمجرد أن زوجها رحل. عرفت أن القلب يمكن أن يبدأ من جديد حتى لو كان العمر قد تأخر. لكنها عرفت أيضاً أن كل بداية ليست بالضرورة طريقاً إلى النهاية.
وفي آخر الأمر لم يمت الحب لكنه جاع. جاع إلى بيت لم يكن من حقه وجاع إلى وقت لم تمنحه الحياة وجاع إلى مستقبل لم يكن ممكناً. حتى أكل نفسه ثم جلس في آخر الروح مثل شيخ متعب ينظر إلى رماد عمره ويعرف للمرة الأولى أن بعض الأشياء لا تنتهي عندما ندمرها، بل عندما نفقد القدرة على إعمارها.
وربما كانت هذه هي الحقيقة الأكثر حزناً في حكاية صفاء ومازن. أنهما لم يكونا شريرين. ولم يكونا خائنين. ولم يكونا يبحثان عن مغامرة. كانا فقط إنسانين التقيا متأخرين. أحب كل منهما الآخر. ثم اكتشفا أن الحب وحده لا يكفي دائماً لصناعة الحياة. فالحياة لها قوانين أخرى ولها حقوق ولها مسؤوليات ولها أشخاص قد يدفعون ثمن قرار لم يشاركوا فيه.
ولهذا اختارا أن يحتفظا بحبهما داخل القلب، لا لأنهما لم يكونا يريدان بعضهما بل لأنهما كانا يريدان ألا يؤذيا أحداً. وهكذا بقيت صفاء امرأة أحبت متأخرة وبقي مازن رجلا أحب امرأة لم تكن له. وعاش الاثنان بقية العمر وفي داخلهما حكاية لا يستطيعان روايتها لأحد.
حكاية بدأت بكلمة. وكبرت في الصمت. ثم انتهت بالصمت. لكنها لم تمت. لأن بعض الحب لا يموت. إنه فقط يتوقف عن الكلام. ويبقى جائعاً في مكان عميق من القلب…

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
