هناك علوم لا يجوز أن تبقى حبيسة قاعات الجامعات ومناهج الدراسة؛ لأن تجاهلها، في بعض الأحيان، لا يعني مجرّد خسارة معرفية، وإنما قد يتحوّل إلى قصور في فهم الدولة ومصالحها وحدود أمنها وموقعها في العالم. ومن بين هذه العلوم تأتي الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك.
والغريب أن ألمانيا، التي قدّمت للعالم واحدة من أخطر التجارب في توظيف الجغرافيا السياسية في خدمة مشروع توسّعي، أدركت مبكرًا أهمية المكان في صناعة القوة.
بدأت الحكاية قبل هتلر بسنوات طويلة، مع الجغرافي الألماني فريدريش راتزل، الذي كان من أبرز الذين وضعوا أسس الجغرافيا السياسية الحديثة. ففي نهاية القرن التاسع عشر، بدأ ينظر إلى الدولة باعتبارها كيانًا يرتبط بالأرض والموقع والموارد والحركة والتوسّع. ثم جاء كارل هاوسهوفر، بعد الحرب العالمية الأولى، ليصبح واحدًا من أشهر أسماء الجيوبوليتيك الألمانية.
وهنا يجب أن نصحّح رواية شائعة: هتلر لم يُنشئ علم الجيوبوليتيك، ولم يخترع الجغرافيا السياسية، كما يُقال أحيانًا. كان هذا العلم موجودًا قبل النازية، لكن النظام النازي وظّف بعض أفكاره ومفاهيمه ضمن مشروع أيديولوجي توسّعي وعنصري. وكان مفهوم «المجال الحيوي» من أخطر المفاهيم التي ارتبطت بالمشروع النازي، عندما تحوّل من فكرة جغرافية إلى مبرّر للتوسّع والسيطرة على أراضي شرق أوروبا والسكان الذين يعيشون فيها.
وهنا ظهر الخطر الحقيقي. ليس الخطر في أن تدرس الجغرافيا السياسية، بل في أن تتحوّل المعرفة الجغرافية إلى أداة تبرّر الحرب والتوسّع وإلغاء الآخر. ولهذا، فإن دراسة التجربة الألمانية لا تعني تمجيدها، وإنما تعني فهم كيف يمكن للعلم أن يدخل في خدمة الدولة، وكيف يمكن للأيديولوجيا أن تُفسد العلم عندما تجعل الجغرافيا ذريعة للهيمنة.
لكن السؤال الذي يهمّنا اليوم ليس: ماذا فعل هتلر بالجغرافيا السياسية؟ السؤال هو: ماذا فعلنا نحن بالجغرافيا السياسية؟ وهنا تبدأ المشكلة العربية. نحن نعيش في منطقة ربما تكون من أكثر مناطق العالم احتياجًا إلى التفكير الجيوسياسي.
البحر المتوسط أمامنا، والبحر الأحمر خلفنا، وقناة السويس في قلب حركة التجارة العالمية، والخليج العربي بما يحويه من موارد طاقة وممرّات بحرية، والقرن الأفريقي على مرمى النظر، ونهر النيل قضية وجودية، وبلاد الشام منطقة صراع مفتوح، وليبيا تمتدّ حدودها إلى عمق الأمن المصري، والسودان يمثّل عمقًا استراتيجيًا مباشرًا، والبحر الأحمر يتّصل بخليج عدن وباب المندب والمحيط الهندي.
كلّ هذه الجغرافيا ليست خرائط معلّقة على جدران المدارس؛ إنها خرائط القوة. ومن لا يفهم الجغرافيا قد يفهم الحدث السياسي من زاوية واحدة، لكنه يعجز عن فهم سبب وقوع الحدث في هذا المكان بالذات، ولماذا تتحرّك دولة نحو ميناء أو جزيرة أو مضيق، ولماذا تصبح الحدود أهمّ من التصريحات السياسية، ولماذا يتحوّل نهر إلى قضية أمن قومي، ولماذا تصبح الموانئ والممرّات البحرية جزءًا من الصراع الدولي.
تعلّمنا الجغرافيا السياسية أن السياسة لا تتحرّك في الفراغ. فالسياسة تتحرّك فوق الأرض، وفوق البحار، وعلى الحدود، وحول الموانئ والموارد والممرّات الاستراتيجية. ولهذا، فإن ضعف الثقافة الجيوسياسية يؤدّي أحيانًا إلى قراءة سطحية للأحداث. نرى الحرب ولا نرى الخريطة. نرى التصريح ولا نرى الموقع. نرى التحالف ولا نرى الممرّ البحري. نرى الأزمة ولا نرى الموارد. نرى الدولة الصغيرة ولا نرى موقعها الذي قد يجعلها أكبر من حجمها السياسي.
وهذا جزء من مشكلة أوسع في البيئة الأكاديمية العربية. فالدراسات التي تناولت وضع العلوم السياسية والعلاقات الدولية في العالم العربي أشارت إلى فجوات في الإنتاج المعرفي، وتكوين الجماعة العلمية، ومواكبة التطوّرات الدولية في بعض المؤسسات والحقول، مع تفاوت كبير بين الدول والجامعات.
لكنني لا أريد أن أضع العالم العربي كلّه في سلّة واحدة. فهناك جامعات ومراكز بحثية وباحثون عرب يعملون في الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، وهناك إنتاج علمي مهمّ. المشكلة ليست في غياب المعرفة تمامًا، بل في أن المعرفة الجيوسياسية لم تتحوّل بعد، بالقدر الكافي، إلى ثقافة عامة راسخة وطريقة تفكير في قراءة الأحداث.
وهنا أعود إلى نقطة أراها بوضوح من خلال الكتابة. أحيانًا أكتب مقالًا في الجغرافيا السياسية، فأجد بعض القرّاء يتعاملون معها باعتبارها رأيًا شخصيًا أو وجهة نظر يمكن رفضها بجملة عابرة، بينما تحتاج القضية، في حقيقتها، إلى قراءة التاريخ والخريطة والحدود والسكان والموارد والممرّات البحرية والتحالفات وموازين القوى.
وهذا لا يعني أن كلّ من يختلف معنا جاهل؛ فالاختلاف جزء من المعرفة. لكن المشكلة تظهر حين يصبح الحكم على الفكرة سابقًا على فهمها، وحين نرفض تحليلًا جيوسياسيًا لأننا لا نحبّ نتيجته. وهنا تظهر هشاشة التفكير.
الجغرافيا السياسية لا تطلب منك أن تتّفق مع الباحث؛ إنها تطلب منك أن تسأل: أين يقع هذا المكان؟ من يسيطر عليه؟ ما الذي يجاوره؟ ما موارده؟ ما طرق الوصول إليه؟ ما الممرّات التي تمرّ بجواره؟ من يحتاج إليه؟ ومن يخشى أن تسيطر عليه قوة أخرى؟ عندها تبدأ السياسة الحقيقية في الظهور خلف الخبر.
ولعلّ المفارقة أن القوى الكبرى لم تهمل الجغرافيا، بل طوّرتها. فالجامعات ومراكز الأبحاث الكبرى تدرس الخرائط والممرّات والموارد والسكان والحدود والأقاليم، وتربط ذلك بالاقتصاد والأمن والسياسة الدولية، بينما لا نزال في العالم العربي نتعامل أحيانًا مع الجغرافيا السياسية باعتبارها تخصّصًا نخبويًا بعيدًا عن حياة المواطن، مع أنها تمسّ حياته بصورة مباشرة.
أسعار الطاقة، وأمن الغذاء، والهجرة، والموانئ، والتجارة، والمياه، والحدود، والحروب، واللاجئون، والأمن القومي؛ كلّها قضايا لها جغرافيا. ولذلك، فإن إحياء الجغرافيا السياسية عربيًا لا يعني العودة إلى مدرسة هاوسهوفر، ولا استنساخ التجربة الألمانية، بل يعني بناء مدرسة عربية تفهم المنطقة من داخلها.
مدرسة تعرف قيمة النيل والبحر الأحمر والمتوسط والخليج العربي وباب المندب وسيناء والمغرب العربي والقرن الأفريقي. مدرسة لا تنظر إلى العالم العربي باعتباره مجرّد ساحة لصراع القوى الكبرى، بل باعتباره فضاءً جغرافيًا له مصالحه وقدراته ومشكلاته وحساباته الخاصة.
نحن في حاجة إلى جغرافيا سياسية عربية لا تكتفي بوصف الخرائط، بل تفسّر لماذا تتحرّك الخرائط. فالخريطة ليست ورقة؛ إنها، في كثير من الأحيان، بداية القصة ونهايتها. ومن يفهم الخريطة يستطيع أن يفهم شيئًا من السياسة قبل أن تبدأ التصريحات.
أما من يهمل الجغرافيا، فقد يجد نفسه يقرأ التاريخ بعد وقوعه. وهنا تكمن أهمية هذا العلم: أن نفهم المكان قبل أن نحكم على الحدث، وأن نقرأ القوة قبل أن نقرأ الشعارات، وأن ندرك أن العالم لا يتحرّك فقط بما يقوله السياسيون، بل بما تفرضه الجغرافيا أيضًا.

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
