يقف الشرق الأوسط أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخه المعاصر، حيث تتقاطع التحركات العسكرية الأمريكية مع الحسابات السياسية في واشنطن، بينما تحاول طهران الاحتفاظ بأوراق الضغط الاستراتيجية في مواجهة حصار اقتصادي وعسكري متصاعد. وبين التهديد بالحرب ومحاولات الوساطة، تبدو المنطقة وكأنها تتحرّك فوق خط فاصل بين تسوية سياسية قد تؤجّل الانفجار ومواجهة إقليمية يصعب التحكّم في نتائجها.
إن الرسائل الأمريكية التي تحدّثت عنها تقارير إعلامية، ووصلت إلى بعض العواصم الخليجية بشأن احتمالات استئناف الضربات العسكرية ضد إيران، بالتزامن مع تحركات لتعزيز منظومات الدفاع الجوي وإعادة تمركز القوات الأمريكية، تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول حقيقة الاستعدادات الأمريكية وتوقيت استخدامها.
فواشنطن لا تكتفي هذه المرّة بالتصريحات السياسية، وإنما تتحرّك عسكرياً تحسّباً لسيناريوهات متعدّدة. ويُعدّ نقل منظومات «باتريوت» من ولاية تكساس، وتعزيز الوجود البحري الأمريكي، وإعادة توزيع القوات في بعض القواعد المكشوفة، مؤشرات على أن الإدارة الأمريكية تضع احتمالات التصعيد ضمن حساباتها الاستراتيجية.
لكن الحشد العسكري لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب أصبح نهائياً؛ فقد يكون جزءاً من استراتيجية الضغط لإجبار طهران على تقديم تنازلات قبل العودة إلى طاولة المفاوضات.
ترامب والانتخابات… حسابات القوة والوقت
تأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من نوفمبر.
فالإدارة الأمريكية تواجه معادلة معقّدة؛ فمن ناحية، يسعى ترامب إلى تقديم نفسه باعتباره قادراً على فرض معادلات جديدة في الشرق الأوسط وإنهاء ما تعتبره واشنطن تهديداً إيرانياً. ومن ناحية أخرى، قد تترتّب على أيّ حرب طويلة تداعيات اقتصادية وسياسية داخل الولايات المتحدة، خصوصاً مع استمرار الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف الطاقة.
واللافت أن ترامب يحاول الفصل بين قراره بشأن إيران وحسابات الانتخابات، مؤكّداً أن التعامل مع الملف الإيراني قد يتمّ بالدبلوماسية أو باستخدام القوة العسكرية.
لكن الواقع الاستراتيجي أكثر تعقيداً؛ فالقرار العسكري قد يكون في يد الرئيس، إلا أن نتائجه الاقتصادية والسياسية لا يمكن عزلها عن الداخل الأمريكي، كما لا يمكن تجاهل تأثير ارتفاع أسعار النفط والوقود في الناخب الأمريكي.
المبادرة القطرية… سبعة أيام تفصل بين التفاوض والتصعيد
في قلب هذا المشهد، برز التحرك القطري، بعدما أفادت تقارير لوكالة «رويترز» بأن الوسطاء القطريين قدّموا إلى طهران مسوّدة اتفاق جديدة، تتضمّن إطاراً زمنياً مدّته سبعة أيام لمعالجة الخلافات بين الأطراف واتخاذ خطوات متبادلة لبناء الثقة، بمشاركة دول ضامنة.
غير أن الموقف الإيراني كشف عن عمق الخلاف؛ إذ تحدّث مسؤولون إيرانيون عن أفكار مطروحة لا ترقى إلى اتفاق مقبول بالنسبة إلى طهران.
وتكمن العقدة الأساسية في ترتيب الأولويات؛ فالولايات المتحدة تريد وضع الملف النووي في مقدّمة أيّ تسوية، وتطالب بضمانات عملية ورقابة دولية على الأنشطة النووية الإيرانية، بينما تصرّ طهران على أن رفع الحصار عن موانئها وتخفيف القيود على صادرات النفط والبتروكيماويات يجب أن يسبقا تقديم تنازلات جوهرية.
إنها معركة إرادات، وليست مجرّد خلاف على بنود اتفاق؛ فكل طرف يخشى أن يؤدّي تقديم التنازل الأول إلى فقدان أهم أوراق الضغط التي يمتلكها.
النووي وهرمز… معركة السيطرة على مفاتيح المنطقة
من الناحية الجيوسياسية، لا يمكن فصل أزمة البرنامج النووي الإيراني عن أهمية مضيق هرمز، الذي تحوّل إلى ورقة استراتيجية تتجاوز أهميتها حدود الخليج العربي.
فالولايات المتحدة تنظر إلى البرنامج النووي باعتباره جوهر الخلاف، وتريد تحويل التعهّدات الإيرانية بعدم إنتاج سلاح نووي إلى التزامات قابلة للتحقّق، من خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يشمل الرقابة والتفتيش والتعامل مع مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
أمّا إيران، فتدرك أن مضيق هرمز يمنحها قدرة على التأثير في أسواق الطاقة والتجارة الدولية، ولذلك تحاول الاحتفاظ بهذه الورقة في مواجهة الضغوط الأمريكية.
وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية؛ فواشنطن تمتلك التفوّق العسكري والقدرة على فرض العقوبات، بينما تمتلك طهران موقعاً جغرافياً يمنحها أدوات ضغط مؤثرة في حركة الطاقة العالمية.
لكن استخدام هذه الأوراق ينطوي على تكلفة للطرفين؛ فتعطيل الملاحة في هرمز لا يهدّد الاقتصاد العالمي فحسب، بل يهدّد أيضاً مصالح إيران ودول الخليج والدول المستوردة للطاقة.
البنتاغون ومخاطر الحرب المفتوحة
لا تكمن المشكلة في قدرة الولايات المتحدة على توجيه ضربة عسكرية، وإنما في قدرتها على التحكّم في نتائجها.
فالحسابات العسكرية تختلف عن الحسابات السياسية، والقيادات العسكرية تنظر في احتمالات الردّ الإيراني واستهداف القواعد الأمريكية والمنشآت الحيوية، وفي تكلفة حماية القوات والممرات البحرية.
كما أن استهداف المنشآت النفطية الإيرانية قد يفتح الباب أمام ارتفاعات حادّة في أسعار الطاقة واضطراب الأسواق العالمية، وهو ما يجعل أيّ قرار عسكري مرتبطاً بحسابات تتجاوز حدود الميدان.
إن التفوّق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية، والتاريخ مليء بحروب امتلكت فيها القوى الكبرى تفوّقاً ساحقاً، لكنها واجهت صعوبة في تحويله إلى استقرار سياسي دائم.
الخليج واليمن والبحر الأحمر… اتّساع دائرة الخطر
لن تظلّ أيّ مواجهة جديدة محصورة بين واشنطن وطهران؛ فدول الخليج تقع في قلب الجغرافيا العسكرية للصراع، بما تمتلكه من منشآت نفطية وقواعد عسكرية وموانئ وممرات بحرية.
كما أن الجبهة اليمنية تمثّل أحد مسارات التصعيد المحتملة، خصوصاً مع استمرار التوتر في البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يضع التجارة الدولية وأمن الطاقة أمام مخاطر إضافية.
ومصر ليست بعيدة عن هذه التداعيات؛ فارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين، وما ينجم عن اضطراب سلاسل الإمداد، قد يزيد الضغوط على الاقتصاد المصري وينعكس على تكاليف الاستيراد والإنتاج والأسعار المحلية.
وهكذا، تتحوّل المواجهة من صراع عسكري إقليمي إلى أزمة اقتصادية عالمية يدفع ثمنها المستهلكون والدول التي لا تشارك في الحرب.
من يملك قرار الحرب، ومن يستطيع التحكّم في نهايتها؟
إن الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت مهلة الأيام السبعة تمثّل فرصة حقيقية لإحياء المسار الدبلوماسي، أم مجرّد محطة مؤقتة في سباق الحشد العسكري.
فواشنطن تريد ضمانات نووية وتغييراً في قواعد التعامل مع إيران، وطهران تريد رفع الحصار والاعتراف بمصالحها الاستراتيجية، وبين الموقفين تقف دول المنطقة أمام احتمالات مفتوحة.
لكن السؤال الأخطر ليس: من يستطيع توجيه الضربة الأولى؟ وإنما: من يستطيع تحمّل نتائج الضربة الأخيرة؟
فالحرب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها لا تنتهي دائماً بالشروط التي يضعها أصحاب القرار. وفي الشرق الأوسط تحديداً، قد تتحوّل شرارة عسكرية محدودة إلى صراع تتجاوز تداعياته حدود الدول والجغرافيا.
أيام قليلة قد تكون فرصة أخيرة للدبلوماسية، أو بداية مرحلة جديدة من إعادة رسم خرائط القوة والنفوذ في المنطقة.

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
