لم تعد معركة الشرق الأوسط تدور حول الطائرات والصواريخ والقواعد العسكرية فحسب، بل أصبحت معركة مفتوحة على سؤال أكبر: هل تتغير قواعد الحرب نفسها، أم أننا أمام جولة جديدة من سباق التسلح الذي عرفته المنطقة طوال عقود؟
إن عودة الطائرة الأميركية «إف-35» إلى واجهة الأحداث، بعد موافقة واشنطن على صفقة محتملة لبيع السعودية 48 طائرة من هذا الطراز، بقيمة تصل إلى 24.3 مليار دولار، لا تمثل مجرد صفقة سلاح ضخمة، بل تحمل دلالات تتجاوز الطائرة ذاتها.
فالرياض تتحرك في بيئة أمنية شديدة التعقيد، فيما أصبح البحر الأحمر وباب المندب والخليج العربي أجزاء مترابطة من مسرح استراتيجي واحد. وفي المقابل، تتحرك إيران وحلفاؤها في المنطقة انطلاقاً من أن الحرب الحديثة لم تعد تعتمد على التفوق الجوي وحده، بل على الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والاستنزاف واستهداف البنى العسكرية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، بشأن دخول مرحلة جديدة قد تجد فيها المقاتلات الأميركية من طرازَي «إف-35» و«إف-15» نفسها عرضة لعمليات الاستهداف والمطاردة.
لكن المهم هنا ألّا نذهب إلى ما هو أبعد من مضمون التصريح نفسه.
فقاليباف لم يكشف عن منظومة دفاع جوي إيرانية جديدة، ولم يعلن اسم صاروخ محدد قيل إنه قادر على إسقاط طائرة «إف-35». وكانت الرسالة السياسية والعسكرية أوسع من ذلك، ومفادها أن زمن الاعتقاد بأن الطائرة الأميركية تستطيع العمل من دون التعرض لأي تهديد قد تغيّر، وأن الحرب الحديثة أصبحت أكثر قدرة على ملاحقة الطائرات المتقدمة، عبر شبكة من وسائل الرصد والتشويش والصواريخ والأنظمة غير المأهولة.
وهنا تكمن أهمية هذا التطور.
فطائرة «إف-35» تمثل واحدة من أكثر المنظومات الجوية تطوراً في العالم، لكن التفوق التكنولوجي لا يعني حصانة مطلقة. فالحرب لا تختبر الطائرة منفردة، بل تختبر منظومة كاملة تضم الأقمار الاصطناعية والرادارات والحرب الإلكترونية وطائرات الإنذار المبكر والصواريخ ومنظومات القيادة والسيطرة والاستخبارات.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع إيران إسقاط طائرة «إف-35»؟
بل إن السؤال الأهم هو: هل تستطيع منظومة دفاعية متكاملة أن تجعل تشغيل هذه الطائرة مكلفاً وخطيراً بما يكفي لتغيير طريقة استخدامها؟
وهنا نصل إلى السعودية.
لماذا جاءت الهجمات الحوثية على السعودية في هذا التوقيت؟
ثمة أكثر من عامل يفسر ذلك.
أولاً، لم تعد الحرب محصورة في اليمن، إذ أصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءاً من معادلة الصراع الإقليمي. وأي قوة تسيطر على هذه الجغرافيا، أو تتمركز بالقرب منها، تستطيع التأثير في حركة الملاحة والطاقة والتجارة العالمية.
ثانياً، دخلت السعودية مرحلة جديدة من إعادة بناء منظومتها الأمنية، سواء من خلال صفقة «إف-35» المحتملة، أو عبر اتفاق مكة للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان.
ثالثاً، يمثل الضغط على السعودية، بالنسبة إلى الحوثيين، ورقة سياسية وعسكرية في آن واحد، ولا سيما عندما تمتد الهجمات إلى منشآت حيوية أو مناطق ذات حساسية دينية واقتصادية.
وقد شهدت الأيام الأخيرة تطورات تؤكد ارتفاع مستوى التوتر، من بينها إعلان السعودية اعتراض طائرة مسيّرة حوثية قبل دخولها المجال الجوي المحظور لمكة المكرمة، فيما نفى الحوثيون استهداف مكة. كما تحدثت تقارير عن تراجع مخزونات صواريخ الاعتراض السعودية، في ظل اتساع نطاق المواجهات الإقليمية.
لكن التطور الأخطر جاء من اليمن نفسه.
فسقوط المخا لا يمثل مجرد خسارة مدينة يمنية.
تقع المخا على البحر الأحمر، بالقرب من باب المندب، ولذلك تمنح السيطرة عليها الطرف الذي يمتلكها موقعاً جغرافياً بالغ الحساسية عند واحدة من أهم عقد الملاحة الدولية.
ومن هنا، يمكن فهم الهجوم على السعودية باعتباره جزءاً من معركة أكبر على الجغرافيا.
فالطرف الذي يضغط على الرياض من الجنوب، ويمتلك أدوات تهديد الملاحة في البحر الأحمر، ويستطيع استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، لا يحتاج بالضرورة إلى امتلاك قوة جوية تقليدية حتى يفرض معادلة أمنية جديدة.
وهنا يظهر السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
هل يمثل سقوط المخا اختباراً لاتفاقية مكة للدفاع المشترك؟
تنص الاتفاقية التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة، في آب/أغسطس الماضي، على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعدّ هجوماً عليها جميعاً، كما تهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي والتنسيق العسكري بين الأطراف الثلاثة.
لكن المخا لا تقع داخل الأراضي السعودية، ولذلك فإن سقوطها لا يعني تلقائياً تفعيل بند الدفاع المشترك.
ومع ذلك، فإن المسألة أعمق من حدود النص القانوني.
فإذا تحولت السيطرة على المخا إلى منصة ضغط مستمرة على أمن البحر الأحمر أو الملاحة أو الأراضي السعودية، فإن الاتفاقية ستواجه اختباراً سياسياً وعسكرياً حقيقياً: هل ستبقى مجرد إطار للردع والتنسيق، أم ستتحول إلى منظومة عملياتية قادرة على التعامل مع تهديدات غير تقليدية تمتد من اليمن إلى البحر الأحمر؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي.
فالحروب الجديدة لا تبدأ دائماً بإعلان رسمي للحرب.
قد تبدأ بطائرة مسيّرة، أو صاروخ بعيد المدى، أو هجوم على ميناء، أو استهداف سفينة تجارية، ثم تتسع دائرتها تدريجياً، حتى تجد الدول نفسها أمام مواجهة لم تكن تخطط لها.
ومن هنا، لا يمكن قراءة صفقة «إف-35» السعودية بمعزل عن اتفاق مكة، أو عن التطورات في اليمن، أو عن التوتر في البحر الأحمر.
فالسلاح الجوي المتقدم يمنح السعودية قدرة مختلفة، لكن الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية تفرض نوعاً آخر من الحسابات.
وهذا يقودنا إلى الحقيقة الأهم:
لن يكون المستقبل بالضرورة لمن يمتلك الطائرة الأغلى، بل لمن يمتلك المنظومة الأكثر قدرة على دمج الطائرة بالصاروخ والرادار والطائرة المسيّرة والاستخبارات والحرب الإلكترونية.
ولذلك، فإن معركة «إف-35» ليست مجرد معركة بين طائرة وصاروخ.
إنها معركة بين منظومات متكاملة.
أما المخا، فليست مجرد نقطة على الخريطة اليمنية، بل عقدة جغرافية عند باب المندب يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط على السعودية وعلى الملاحة الدولية.
وبين سماء السعودية وسواحل اليمن، يبدو الشرق الأوسط مقبلاً على مرحلة جديدة، تتراجع فيها الحدود التقليدية بين الحرب الجوية والحرب البحرية والحرب الإلكترونية.
ولم يعد السؤال يقتصر على: من يمتلك السلاح الأكثر تطوراً؟
بل أصبح: من يستطيع تحويل الجغرافيا إلى قوة، والتحالفات إلى ردع، والردع إلى قدرة فعلية عندما يبدأ الاختبار؟

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
