في خضم الانهيار اللبناني المتعدد الأوجه، يتبادر سؤال مشروع إلى الأذهان: كيف يمكن لوطن يزخر بالكفاءات والشهادات والطاقات أن ينزلق إلى هذا المستوى من التراجع على جميع الصعد؟
الإجابة على هذا التساؤل لا تتوقف عند الأسباب الاقتصادية أو السياسية المعلنة، بل لا بد لها من التغلغل في أعماق البنى الاجتماعية والنفسية التي تحكم آليات الاختيار، وتوزيع الأدوار، وتكريس النخب.
إنه سؤال عن ثقافة فشل يصعب على المجتمع الإقرار به، ونظام يكافئ الرداءة ويعاقب التميز.
الحظوة أعلى مرتبة من الكفاءة
إذا ما أمعنّا النظر في طريقة تشكيل النخب اللبنانية، نكتشف أن المعايير الموضوعية ليست سوى واجهة تخفي تحتها شبكات معقدة من العلاقات الطائفية والعائلية والمصالحات السياسية. فالمناصب الحيوية لا تشغل بالأكثر كفاءة بل بالأكثر حظوةً في منظومة المحسوبيات والأكثر قدرة على ممارسة طقوس النفاق الاجتماعي.
هذه الظاهرة التي يسميها عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو «رأس المال الاجتماعي» ليست وليدة اليوم، بل هي راسخة في النسيج اللبناني وتتجدد مع كل استحقاق انتخابي أو تعييني.
اللافت أن الكفاءة تتحول في هذا السياق إلى عبء لأن صاحبها قد يطرح أسئلة محرجة أو يطالب بمعايير شفافة لا تنسجم مع منطق المحاصصة والتوازنات الدقيقة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى، ففي مجتمع يئن من الفساد وسوء الإدارة يعاد إنتاج آليات الاختيار نفسها التي تفضي إلى النتائج ذاتها.
في هذا السياق تحضرني مقولة للباحث اللبناني في علم الاجتماع السياسي الدكتور أحمد بيضون: «نحن شعب يبكي على ما يفقده لكنه لا يغيّر الطريقة التي يختار بها من يسرقونه»، لأنها تلخص بمضمونها التناقض اللبناني الأعمق الذي بدأ من أيام المتصرفية مروراً بدولة لبنان الكبير واستمر حتى يومنا هذا.
القائد وبطانته والمرآة المعتمة
عندما يصل شخص إلى موقع سلطة نادراً ما يختار محيطاً يمتلك الجرأة على قول الحقيقة أو تقديم النصيحة المجردة. الأقرب إليه هم غالباً أولئك الذين يتقنون فن التملق لأنهم يعرفون أن بقاءهم مرهون برضاه الشخصي وليس بأدائهم المهني.
ومعلوم أن القائد الذي يحيط نفسه بالمتملقين أو الذي يقرر استغلال موقعه لتحقيق المنافع الشخصية، يدفع ثمن ذلك عزلة معرفية تجعله آخر من يعرف الحقيقة عن مؤسسته، وهذا قد يحصل عن جهل أو عن قصد.
هذه الديناميكية تخلق نظاماً مغلقاً من الإيجابية الزائفة حيث يسمع القائد ما يريد سماعه، فيتعزز لديه الإحساس بأن قراراته صائبة حتى حين تكون خاطئة. ومع مرور الزمن يصبح عاجزاً عن التمييز بين الناصح والمتملق، بل قد يصل به الأمر إلى اعتبار النصيحة الموضوعية نوعاً من التحدي أو عدم الولاء.
اللافت أن من يصل إلى موقع يطلب هو نفسه هذه البطانة السيئة، ليس بقصد مسبق بل لأنها تمنحه شعوراً بالأمان وسط محيط متقلب. هكذا تتحول الدائرة إلى حبكة مفرغة، فالبطانة السيئة تعزز استمرار القائد والقائد يعزز مكانة البطانة وكل ذلك يحصل على حساب المصلحة العامة.
في علم النفس يُطلق على هذه الظاهرة تسمية «الحلقة المفرغة للدفاع التنظيمي» حيث تصبح المؤسسات أسيرة لأنماط سلوكية تكرّس فشلها.
عندما يُرفض النور خوفاً من الظل
من أكثر المشاهد إيلاماً في المشهد اللبناني عامة، تلك المتعلقة بكيفية استقبال النصائح الجادة والمخلصة. فكم من مستشار أو خبير قدّم رؤى ثاقبة وحلولاً علمية لمن هم في مواقع القرار وقوبل بالجحود والتهميش.
هذا الجحود يتخذ أشكالاً متعددة، أبرزها التفسير الطائفي للنصيحة حيث تُقرأ في سياق هوياتي ضيق وكأنها صادرة عن موقع طائفي وليس عن رؤية وطنية.
إن الطائفية السياسية في لبنان تحوّلت من هوية إلى عدسة تشوّه بها الرؤية فلا يُرى الآخر إلا من خلال تصنيفه الطائفي. ولا يجب أن نغفل عن شكل آخر لعدم الأخذ بالنصيحة، ويتمثل بعقدة النقص تجاه الناصح. فصاحب القرار يشعر أن قبول النصيحة يعني الاعتراف بتفوق الناصح عليه فيرفضها حفاظاً على صورته الذاتية.
هنا تبرز صورة دراماتيكية مؤلمة، فقد يقدّم الناصح الجواهر لكنها تُلقى أمام دجاجة تبحث في القمامة عن القمح.
ليست هذه الصورة مبالغة أدبية بل تعبير عن واقع مرير تضيع فيه الطاقات والإبداعات في بيئة لا تقدرها. وكما قال الشاعر خليل حاوي: «حين يُزرع القمح في أرض السباسب لا ينبت إلا الشوك».
انكفاء الكفاءات هي هجرة غير معلنة
نتيجة تراكم خيبات الأمل لدى المجتمع اللبناني لعقود، يجد أصحاب الكفاءات أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما، الأول هو الانكفاء الاستراتيجي الذي يتم التعبير عنه بالانسحاب إلى هامش الحياة العامة والاكتفاء بالعمل الفردي أو ضمن دوائر ضيقة. أما الثاني فهو المواجهة المستمرة وهي مواجهة ثمنها الإرهاق النفسي والمعنوي والاصطدام المتكرر بجدران النظام الذي لا يحتمل التغيير أو حتى فكرته.
أغلب الكفاءات يختارون الخيار الأول ليس جبناً، بل لأنه الخيار العقلاني في بيئة لا تكافئ الإبداع ولا تحمي المبادرين.
هكذا يُفسح المجال للرداءة للتصدر، والمجتمعات التي تفقد نخبها المدربة تفقد قدرتها على الابتكار والتكيف وتدخل في دوامة انحطاط يصعب الخروج منها.
هذا الانكفاء له تكلفة باهظة على المجتمع، لأنه، وبحسب رأي العديد من علماء الاجتماع، يترك الساحة لمن لا يمتلكون الرؤية ولا الأهلية مكتفين بالحفاظ على مكتسباتهم الشخصية تحت غطاء المناصب.
تعاضد الرداءة بمواجهة أصحاب الكفاءة
ما يزيد الوضع تعقيداً هو ظاهرة «تعاضد الرداءة» حيث يتشكل تحالف غير معلن بين شخصيات متواضعة الكفاءة بهدف حماية مصالحها المشتركة.
شبكات الحماية المتبادلة للضعفاء أو للتافهين هي خط الدفاع الأول، لأن ظهور الكفاءات تهدد مكانتهم.
هذه الظاهرة تتجلى في مستويات عدة. ففي العمل النقابي تتحول النقابات من هيئات مدافعة عن الحقوق إلى أندية للمصالح الخاصة. وفي المجال السياسي تتحالف فئات على أساس المصالح الضيقة بدلاً من البرامج والرؤى. أما في المجتمع المدني فيتم استغلال مبادئ سامية من قبل بعض المنظمات للاستفادة من القضايا العامة لمآرب شخصية.
هذا التعاضد يخلق شبكات حماية متينة تجعل من الصعب اختراقها أو محاسبتها وتؤدي إلى تفشي الوساطة والمحسوبية.
شبكات الفساد هذه لها اقتصاداتها الخاصة والتي قدّر قيمتها وزير الاتصالات السابق شربل نحاس بنحو 40٪ من الناتج المحلي الإجمالي مما يكشف عن حجم الكارثة.
التافهون ليسوا وحدهم في المعادلة فخلفهم غالباً ما يكون شبكات نفوذ وأموال وعلاقات عابرة للحدود. وهذه الشبكات تؤثر في الإعلام اللبناني لتحويل التافه إلى نجم عبر الشاشات بينما تبقى الكفاءات الصامتة في الظل لأن الإثارة تبيع أكثر من الحقيقة.
ويكفي إجراء تدقيق في ما تحمله معظم الكتل النيابية من شعارات إصلاحية ومقارنته بما يتم إقراره من قوانين في مجلس النواب، أو ما ترفعه النقابات من شعارات عن حماية حرية الرأي والتعبير وما تحاول أن تفرضه من أنظمة داخلية.
حين تصبح العراضات غطاءً
من أخطر التحديات التي تواجه المجتمع اللبناني اليوم، صعوبة التمييز ما بين المنحازين للمبادئ فعلاً وهم من يدفعون ثمن مواقفهم ولا يهادنون. وبين من يدعون حماية المبادئ وهم يتاجرون بها وهؤلاء هم الأخطر، لأنهم يستخدمون الخطاب المبدئي غطاءً لممارساتهم غير النزيهة.
هذه الظاهرة تؤدي الى تحويل القيم الثورية إلى شعارات جوفاء يستخدمها من يريدون تبرير استمرارهم في مواقعهم. في لبنان، يرفع البعض شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد، بينما هم جزء لا يتجزأ من منظومته.
هنا يأتي دور المجتمع في اليقظة والتمييز، لأن الخلط بين هؤلاء جميعاً يؤدي إلى إجهاض أي محاولة إصلاحية حقيقية ويضعف ثقة الناس في كل من يرفع لواء المبادئ.
الخطر الأكبر يكمن في عجز المجتمع عن التفريق بين من يضحي من أجل مبادئه، ومن يستخدم المبادئ كدرع واقٍ لمصالحه، عندها يصبح كل خطاب إصلاحي مشبوهاً، ويُرمى الإصلاحيون الحقيقيون في سلة المتاجرين. دون إغفال خطورة ازدواجية الخطاب، حيث يتحدث البعض بلغة الثوار ويمارسون سلوك المتسلطين.
ضرورة المراجعة الذاتية
لا يمكن للمجتمع اللبناني أن يقوم له قيامة دون مراجعة ذاتية جادة وصادقة لكيفية اختيار النخب وتوزيع الأدوار.
طالبت القوى السياسية بعد الانتخابات النيابية الأخيرة بإجراء نقد ذاتي كما يطالب به أعضاء الهيئات النقابية بعد كل استحقاق انتخابي. لكن هذه الدعوات لم تجد آذاناً صاغية، لأن المراجعة الحقيقية ستكشف ما يفضّل الجميع تجاهله.
هكذا مراجعة تستوجب، بداية، تطوير آليات الاختيار بحيث تعتمد على معايير موضوعية وشفافة فتتجاوز منطق المحاصصة. مروراً بإعادة الاعتبار للكفاءات عبر توفير بيئة محفزة تضمن مشاركتهم الفاعلة دون خوف من التهميش أو محاولات التشويه. لتصل الى تبنّي ثقافة قبول النقد البناء والرأي الآخر المختلف كأساس للتطور وليس كتهديد للذات.
القائد الحقيقي هو من يحيط نفسه بمن هم أكثر منه كفاءة في مجالاتهم ويستمع إليهم بإصغاء حقيقي ويسأل عنهم إذا ما غابوا أو احتجبوا. فالعهود تنهار عندما تتوقف نخبها عن الاستماع إلى أصوات الإصلاح وتنتشي بقصائد المدائح احتفاء بذاتها.
بين الانحطاط والنهوض
الواقع اللبناني اليوم هو نتاج تراكم هذه الآليات على مدى عقود حيث أدى التركيز على التفاهة والتملق إلى الانحطاط على جميع المستويات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية وأهمها الأخلاقية. لكن هذا لا يعني اليأس، بل لا بد من الدلالة على مكمن الداء وتوجيه الدعوة للوعي والمراجعة. فالمجتمع الذي يدرك أسباب مرضه يكون أقرب إلى الشفاء.
ما يحتاجه المجتمع اللبناني اليوم على جميع المستويات ليس الخطابات الإنشائية عن النهضة بل دراسة سوسيولوجية معمقة تأخذ بعين الاعتبار العوامل النفسية التي تدفع الكفاءات إلى الانكفاء والرداءة إلى التصدر.
النهضة اللبنانية الحقيقية تبدأ عندما يدرك المجتمع أن الكفاءة ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية وأن النزاهة ليست شعارات تُرفع بل ممارسة يومية تبدأ من طريقة اختيارنا لمن يمثلنا وكيفية استماعنا لمن ينصحنا وتقديرنا الدائم لمن يختلف معنا.
لبنان الذي نريد ليس هو لبنان البطانة السيئة التي تبحث عن القمح في القمامة، بل لبنان الذي يكرم جواهره ويحتضن طاقاته ويبني مستقبله على أسس الكفاءة والعدالة والمساواة.
هذا الأمر ليس خيالاً علمياً بل يمكنه أن يكون واقعاً ملموساً متى وافق القائد على إجراء نقد عام لا هوادة فيه مُعيداً الاعتبار للعقل ولمبادئ النزاهة وحفظ الجميل بدلاً من نكرانه. كما أن هناك دوراً لا بد من أن تلعبه جميع الفئات في المراقبة والمحاسبة دون إغفال دور القضاء والهيئات الرقابية داخل المجتمع، وكشف المتاجرين بالقيم وفضحهم هو البداية الحقيقية. أما الباقي فهو تفاصيل المسار الإصلاحي الطويل.

د. جاد طعمه
أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.
