لم تعد الحرب في الشرق الأوسط حرباً واحدة يمكن تحديد بدايتها ونهايتها بخط واضح. إنها منظومة من الحروب المتداخلة، لكل منها جبهة مختلفة وأطراف مختلفة، لكنها تشترك في شيء واحد: الجميع يخشى كلفة الصفقة التي ستؤدي إلى الوصول إلى الحسم الكامل.
في هذا النوع من الحروب، لا يكون الهدف بالضرورة تحقيق نصر عسكري حاسم، وإنما إبقاء الخصم تحت الضغط، واستنزاف موارده، وإنهاك بيئته السياسية، وتحسين شروط التفاوض، وانتظار اللحظة التي يصبح فيها الطرف الآخر أكثر استعدادًا للتنازل.
المشكلة أن هذه الاستراتيجية قد تكون مفيدة للدول والجماعات المسلحة، لكنها مدمرة للمجتمعات التي تعيش فوق خطوط النار. والمفارقة أن الأطراف صاحبة القرار بالحرب، وهي في الغالب ليست الأنظمة والشعوب العربية، تستطيع تحمّل استمرارها أكثر من المجتمعات التي تدفع ثمنها.
أرض جديدة وواقع جديد
في لبنان، لم تعد المسألة مقتصرة على منع حزب الله من استعادة قدراته العسكرية. فقد أنشأت إسرائيل واقعاً ميدانياً جديداً في الجنوب، وسيطرت على مواقع استراتيجية، بينها تلة قلعة الشقيف، ومن بعدها تلة علي الطاهر التي تقع شمال الليطاني وتشرف على مناطق واسعة من الجنوب. كما تربط إسرائيل انسحابها بتحقيق نتيجة تتمثل في نزع سلاح حزب الله.
بالنسبة إلى إسرائيل، تحقق حرب الاستنزاف أكثر من هدف في آن واحد، فهي تؤدي إلى تحجيم دور حزب الله وتدمير بنيته التحتية، بما يحقق إبقاء الحدود الشمالية بعيدة عن أي تهديد استراتيجي، وتحويل السيطرة العسكرية إلى ورقة تفاوضية.
والأهم أن إسرائيل لا تحتاج، لتحقيق هذه الأهداف، إلى احتلال لبنان كله. فكثيرون في الداخل اللبناني يهللون لفكرة إضعاف حزب الله وتجريده من سلاحه ونفوذه الداخلي.
يكفي أن تتقدم إسرائيل من موقع إلى آخر، وأن يتحول كل موقع عسكري جديد إلى «واقع أمني» جديد، ثم يصبح هذا الواقع أساساً للتفاوض المباشر الذي دخله لبنان الرسمي ضعيفاً. فالسيطرة العسكرية قد تخلق واقعاً أمنياً، لكنها لا تمنح هذا الواقع، بالضرورة، شرعية سياسية أو قانونية. والخطر يبدأ عندما يتحول الأمر الواقع، بفعل طول المدة، إلى واقع يصعب التراجع عنه.
وهنا تكمن خطورة حرب الاستنزاف: فالخريطة تتغير ببطء حتى يعتاد العالم عليها.
من مشروع الانتصار إلى مشروع البقاء
أما حزب الله، فقد خسر جزءاً مهماً من قدرته العسكرية والسياسية التي راكمها خلال عقود. لكنه لم يختفِ، ولن يختفي. وقد تكون استراتيجيته الحالية أقل ارتباطاً باستعادة الأراضي، وأكثر ارتباطاً بمنع إسرائيل من تحقيق نصر نهائي، والحفاظ على القدرة على الرد، ولو بالحد الأدنى، مع إبقاء السلاح ورقة سياسية بيده.
وهذا يضع الحزب أمام معضلة عميقة. فكلما طال أمد الحرب، زادت خسائر الحزب داخل بيئته، وتراجعت قدرته على تقديم نفسه باعتباره قوة الردع التي تحمي الجنوب وأهله.
وفي الوقت نفسه، فإن نزع سلاحه تحت الضغط الإسرائيلي قد يعني نهاية نموذج سياسي وعسكري بناه منذ سنوات طويلة.
وهكذا يصبح البقاء بحد ذاته هدفاً، وهذا هو جوهر الاستنزاف.
إيران لا تريد الانتصار ولا تريد الهزيمة
تبدو إيران في وضع أكثر تعقيداً. فهي لا تريد مواجهة أميركية أو إسرائيلية مفتوحة قد تهدد النظام نفسه، لكنها لا تستطيع أيضاً التخلي عن شبكة نفوذها الإقليمية، من لبنان إلى العراق واليمن. ولهذا تبدو استراتيجيتها أقرب إلى إدارة الكلفة منها إلى تحقيق نصر عسكري مباشر.
ويبدو أن إيران تتعامل مع الاستنزاف الاستراتيجي باعتباره إحدى أدوات إدارة الصراع. وهذا يظهر من خلال الضغط على البنية الاقتصادية والموانئ والطاقة، وإبقاء خيارات التصعيد مفتوحة من دون الوصول، بالضرورة، إلى حرب لا يمكن السيطرة عليها.
وهذا يفسر مفارقة تبدو للوهلة الأولى غريبة: فقد تتراجع إيران في بعض الجبهات، لكنها لن تنسحب من الصراع. فالمطلوب ليس بالضرورة استعادة كل موقع خسرته، وإنما منع الخصم من تحويل انتصاره العسكري إلى تسوية سياسية شاملة.
الولايات المتحدة تستعمل الحرب كأداة تفاوض
لدى دوائر القرار في البيت الأبيض حساب مختلف. فهي تبعث برسائل إلى مختلف دول العالم انطلاقاً من المنطقة الغنية بالثروات الطبيعية، ولا سيما النفط والغاز المستخرج أو القابل للاستخراج.
الولايات المتحدة لا تريد حرباً إقليمية بلا نهاية، لكنها تستخدم القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والعقوبات لإجبار إيران على قبول شروط تفاوضية أوسع، خاصة أن فاتورة الحرب، مهما بلغت، يمكن أن تدفع قيمتها دول الخليج العربي. وهنا تتحول الحرب إلى أداة دبلوماسية واقتصادية.
فكلما ارتفعت كلفة استمرار الحرب على إيران، زادت فرص تقديم تنازلات، وكلما شعرت واشنطن بأن خصومها يقتربون من تجاوز خطوطها الحمراء، رفعت مستوى الضغط. والمشكلة أن الضغط قد ينتج تفاوضاً، وقد ينتج أيضاً تصعيداً.
وهذا ما نشهده في الخليج، حيث أصبحت الملاحة والطاقة جزءاً من المعركة. وقد أدت التطورات الأخيرة إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تقترب من مئة دولار للبرميل، فيما تتعرض منشآت سعودية لهجمات حوثية واسعة.
كل هذا لا يعني، بالضرورة، أن واشنطن تريد استمرار الحرب، بل يعني أنها ترى في استمرار الضغط، ولو لفترة محدودة، وسيلة لرفع كلفة التفاوض على الطرف الآخر.
الخليج يدفع ثمن حرب لم يخترها
هنا تظهر المفارقة الكبرى. فالدول الخليجية ليست صاحبة قرار فتح الحرب الأميركية-الإيرانية، لكنها تدفع جزءاً متزايداً من ثمنها، وقد تجد نفسها مضطرة إلى تحمّل جزء أكبر من فاتورتها.
فالطاقة، والملاحة، والاستثمارات، والسياحة، والأمن، والإنفاق العسكري، كلها أصبحت رهينة احتمالات التصعيد.
والأخطر أن الجغرافيا تجعل الخليج مكشوفاً أمام صراع لا يملك وحده قرار إنهائه.
فعندما يصبح مضيق هرمز وباب المندب والموانئ والمنشآت النفطية أدوات في الحرب، فإن الصراع لا يعود إيرانياً-أميركياً أو إسرائيلياً-إيرانياً فقط.
بل يصبح حرباً على البيئة الاقتصادية للمنطقة بأكملها.
لبنان الرسمي… الحلقة الأضعف
لكن لبنان يبقى المثال الأكثر مأساوية. فالدولة اللبنانية تحاول استعادة احتكار السلاح، والجيش يحاول الانتشار.
والحكومة تدعم مسار التفاوض المباشر، بينما تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وهنا يجد لبنان نفسه في معادلة شبه مستحيلة. فإذا نزع سلاح حزب الله بسرعة، هناك خطر حقيقي بحصول انفجار داخلي. وإذا لم ينزع هذا السلاح، تمنح إسرائيل لنفسها مبرراً للاستمرار في عدوانها.
وهذا التبرير، وإن استند في الخطاب الإسرائيلي إلى مفاهيم مرتبطة بحق الدفاع عن النفس، فإنه لا يحسم المشروعية القانونية لاستمرار العمليات أو لبقاء القوات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية.
ومن يطالب إسرائيل بالانسحاب لا يملك الأدوات العسكرية لإجبارها على ذلك. ومن يقبل بالواقع الميداني يشارك في تحويل الاحتلال المؤقت إلى ورقة تفاوض دائمة.
ويمكن تلخيص موقف الدبلوماسية الأميركية في اعتبار أن المصلحة اللبنانية الأساسية تقوم على تحقيق ثلاثة أمور مترابطة، هي: الانسحاب الإسرائيلي، وتقوية الدولة اللبنانية، ووضع النشاط العسكري لحزب الله تحت سلطة الدولة.
لكن الحرب دفعت لبنان بعيداً عن هذه الأهداف الثلاثة في آن واحد.
وهذه هي المعضلة الكبرى في الداخل اللبناني.
فكلما طال الصراع، أصبحت الدولة اللبنانية أضعف، وأصبح المجتمع اللبناني، المشتت في موقفه مما يجري، أكثر إنهاكاً، وأصبح الحل أكثر صعوبة.
من يدفع الثمن؟
هنا ينبغي أن نطرح السؤال الذي يغيب غالباً عن التحليلات العسكرية: ماذا يحدث للشعوب؟
في غزة، دُمّرت المدن والبنية التحتية، وتراكمت الكلفة الإنسانية.
وفي لبنان، سُحقت بلدات وقرى، واحتُلت مساحات من الجنوب، فيما يعيش السكان بين القصف والنزوح والدمار وتعطّل الاقتصاد.
وفي اليمن، عاد التصعيد ليهدد دولة أنهكتها سنوات الحرب.
وفي دول الخليج، أصبحت المنشآت النفطية والملاحة تحت ضغط مباشر.
وفي إيران نفسها، تتحول العقوبات والحرب إلى أزمة اقتصادية واجتماعية متراكمة.
أما الأردن، فقد بات ساحة للرد الإيراني على أي عمل عسكري أميركي.
قد يكون لكل طرف تفسيره للأمن، ولكل دولة حساباتها، ولكل حركة مسلحة خطابها.
لكن المواطن العربي العادي لا يعيش هذه الجغرافيا الاستراتيجية.
هو يعيش تحت القصف. يفقد منزله. يترك قريته. تتعطل مدرسته. ترتفع فاتورة الوقود والغذاء. ويتعلم أبناؤه أن الحرب ليست حدثاً استثنائياً، وإنما حالة دائمة.
المشكلة في غياب مشهدية نهاية الحرب
ربما يكون أخطر ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم أن جميع الأطراف تستطيع الاستمرار.
إسرائيل تستطيع مواصلة الضغط العسكري.
وإيران تستطيع مواصلة الاستنزاف.
وحزب الله، وفق ما نتابعه من تصريحات مسؤوليه، قادر على مواصلة المقاومة المحدودة.
والحوثيون يستطيعون تهديد الملاحة والخليج.
والولايات المتحدة تستطيع مواصلة العقوبات والضربات والضغط الدبلوماسي.
في حرب الاستنزاف، يصبح الزمن نفسه سلاحاً. فكل يوم إضافي لا يُقاس بعدد القتلى والضربات فقط، بل بمدى تغيّر قدرة الأطراف على التحمل، وبمدى تغيّر الوقائع السياسية والميدانية التي ستجلس الأطراف على أساسها إلى طاولة التفاوض.
لكن السؤال الذي لا يملك أحد جواباً مقنعاً عنه هو: ماذا بعد؟
إذا لم يكن هناك انتصار حاسم ولا تسوية شاملة، فإن المنطقة ستدخل، أو ربما دخلت بالفعل، في حالة «حرب بلا نهاية»، وهذا أخطر من الحرب القصيرة. لأن الحرب القصيرة قد تنتهي باتفاق أو بحسم، أما حرب الاستنزاف فتخلق اقتصاداً سياسياً للحرب، فتظهر أطراف مستفيدة من تأزم المشهد، وجماعات مسلحة تعيد إنتاج شرعيتها، ودول تستخدم التهديد لتثبيت نفوذها.
وعندها يصبح السلام نفسه أصعب من الحرب.
الشرق الأوسط يحتاج إلى صفقة
الهدنة توقف إطلاق النار، لكنها لا تعالج أسباب الحرب. ما تحتاجه المنطقة هو صفقة إقليمية تعالج الملفات مجتمعة: إيران، وإسرائيل، ولبنان، وغزة، واليمن، وأمن الخليج، والملاحة، والسلاح غير الرسمي.
وفي قلب هذه الصفقة يجب أن يكون سؤال واحد: من يملك حق استخدام القوة في الدول العربية؟
لا يمكن بناء دولة مستقرة في لبنان إذا بقي السلاح موزعاً بين الدولة وجماعة مسلحة معزولة داخلياً. ولا يمكن بناء أمن إقليمي إذا بقيت الدول العربية ساحات لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى. ولا يمكن مطالبة لبنان أو اليمن أو العراق وحدها بتحمّل نتائج صراع أكبر منها.
الشرق الأوسط اليوم لا يعيش حرباً بين طرفين، بل يعيش توازناً مسلحاً من الخوف: إسرائيل تخشى عودة خصومها. إيران تخشى خسارة نفوذها. أميركا تخشى انفلات المنطقة. الخليج يخشى إيران والصواريخ والطائرات المسيّرة. حزب الله يخشى فقدان سلاحه وموقعه. والدولة اللبنانية تخشى حربًا داخلية وحربًا خارجية في الوقت نفسه.
وما بين كل هذه المخاوف، ثمة رجال أعمال وتجار قضايا من الفئة التي تنشط للاستفادة من اقتصاديات الحروب وشبكات المصالح التي تنشأ حولها لتحقيق الأرباح.
أما الشعوب، فلا تملك سوى الخوف. وهنا تكمن المفارقة التاريخية.
فقد تكون حرب الاستنزاف مفيدة تكتيكياً لكافة أطراف الصراع، لكنها، استراتيجياً، مدمرة للمنطقة كلها. فكل طرف يستطيع أن يقول إنه لم يُهزم، وكل طرف يستطيع أن يجد في استمرار الحرب سبباً لمواصلة الضغط، أو الحفاظ على نفوذه، أو تحسين شروطه التفاوضية.
لكن بعد سنوات من الحرب، قد نكتشف أن الجميع خسروا شيئاً، وأن الخاسر الأكبر لم يكن إسرائيل ولا إيران ولا الولايات المتحدة ولا حزب الله. كان الخاسر الأكبر هو الإنسان العربي، الذي يعيش في منطقة لا تمتلك أنظمتها، في كثير من الأحيان، القرار الكامل بالحرب والسلام، بينما تتحمل شعوبها النتائج الأكبر للقرارات التي تُتخذ بعيداً عنها.
والأخطر أن الحرب لا تنتهي لمجرد أن كلفتها أصبحت مرتفعة، بل عندما يصبح استمرارها أقل كلفة على أصحاب القرار من الوصول إلى تسوية نهائية.
هنا تكمن مأساة الشرق الأوسط: أن يتحول الاستنزاف من مرحلة مؤقتة تسبق التسوية إلى واقع دائم يؤجلها، وأن يصبح السلام نفسه أكثر كلفة من الحرب.

د. جاد طعمه
أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.
