فيلم نيابي طويل يستكمل صراع المحاور

مصلحة لبنان الوطنية كانت أبرز الغائبين

كل لبناني تابع الجلسات العلنية المخصصة لمناقشة الحكومة في مجلس النواب خلال اليومين الماضيين، كان يمكنه أن يتساءل: هل كنا أمام ساحة أخرى من ساحات الصراع الإقليمي؟

على مدى يومين، بدا المشهد في ساحة النجمة أقرب إلى مسرح سياسي كبير، تتقدم خشبته جماعتان واضحتا الملامح: جماعة تحمل أغصان الزيتون، متقمصةً دور حمائم السلام مع إسرائيل، وجماعة تتمسك بالمقاومة، ولو كانت هذه المقاومة غائبة عن مختلف الساحات في زمن الاحتلال. وفي المقابل، بالكاد أمكن رصد بعض الكلام المسؤول عن مصلحة لبنان الوطن، وعن ضرورة بناء جسور الاحترام والمحبة بين أبنائه.

لم تكن المشكلة في أن النواب اختلفوا، فالبرلمان، في جوهره، مكان للاختلاف. المشكلة أن السؤال الذي يهم كل لبناني، ومفاده: كيف نبني دولة قادرة على حماية مواطنيها وإدارة خلافاتها وصون مصالحها؟ كان يتراجع كلما ارتفع منسوب السجال.

هكذا تحولت جلسة مناقشة الحكومة إلى حفلة زجل لبناني سمجة، وإلى مبارزة سياسية بالسيف والترس، فيما تركزت المداخلات على حصرية السلاح، وقرار الحرب والسلم، وتقييم مسار التفاوض المباشر الجاري مع إسرائيل، وسبل إنقاذ الاقتصاد ومعالجة الملفات المعيشية، من دون إغفال السقطات المتتالية لوزارة التربية والتعليم العالي في إدارة الملف التربوي على نحو سليم.

لم يكن المطلوب من النائب أن يكون محايداً في قضايا السيادة أو الاحتلال أو السلاح. كان المطلوب منه أن يتذكر أنه يتحدث من داخل الدولة اللبنانية، وأن هناك دستوراً وقوانين ومؤسسات وقواعد في القانون الدولي، لا يجوز أن تختفي عندما ترتفع حرارة السياسة.

من هنا، برزت قيمة كل خطاب حاول أن يجمع بدلاً من أن يقسّم، وأن يستند إلى قاعدة دستورية أو قانونية بدلاً من الاكتفاء بالاتهام السياسي، وأن يتحدث عن حقوق لبنان والتزاماته الدولية باعتبارها حقوقاً والتزامات تخص دولة، لا فريقاً سياسياً.

بري… العرّاب الذي يعرف المسرح

وسط كل هذا الضجيج، كان هناك رجل بدا وكأنه يعرف قواعد المسرح أكثر من الجميع: رئيس مجلس النواب نبيه بري.

يمكن لأي كان أن يختلف معه سياسياً، وأن يعترض على خياراته، ويمكن للجميع أن يقرأوا موقعه من زوايا مختلفة، لكن الحقيقة الساطعة هي أنه يصعب إنكار أن جلسة اليومين أظهرت، مرة أخرى، قدرته على إدارة النظام البرلماني اللبناني.

كان يتدخل عندما ينفلت السجال، ويترك له أحياناً هامشاً لتنفيس الاحتقان، ثم يعيد النواب، متى قرر، إلى جدول الأعمال ونظام الجلسة.

وإذا أطلقنا عليه صفة «العرّاب»، فذلك لأننا نشاهد رجلاً يعرف كيف يعكس حقيقة التناقضات القائمة داخل النظام اللبناني، وكيف يديرها عندما تشتد الضغوط الخارجية.

وفي نظام سياسي يقوم على إدارة التناقضات أكثر مما يقوم على حسمها، لا يُعد هذا الأداء مهارة صغيرة.

حزب الله: السلاح لم يعد وحده المشكلة

دخل نواب حزب الله إلى الجلسة وهم يحملون معهم القضية التي تشكل جوهر خطاب الحزب: المقاومة، والاحتلال الإسرائيلي، والجنوب، ورفض تحويل سلاح المقاومة إلى مجرد مسألة داخلية لبنانية منفصلة عن الصراع مع إسرائيل.

وكان هذا الخطاب حاضراً بوضوح في مداخلات نواب الحزب، الذين ركزوا على الاعتداءات الإسرائيلية، وعلى اتفاق الإطار، وعلى ما اعتبروه قصوراً في أداء الدولة والجيش والحكومة. لكن المشكلة التي ظهرت في الجلسة كانت سياسية بامتياز.

لقد عادت لغة التخوين بقوة، وتعمّد بعض النواب الهروب إلى الأمام من خلال إهانة الآخر المختلف. ويبدو أن من يعتمد هذا الأسلوب لا يزال عاجزاً عن التنبه إلى أن تصرفات نواب حزب الله وخطابهم لم يعودا قادرين على مخاطبة اللبنانيين من خارج البيئة السياسية للحزب.

وهنا، يبدو أن الجلسة كشفت مأزقاً حقيقياً. فالخطاب القادر على مخاطبة جمهور المقاومة بوصفه جمهوراً متماسكاً حول مفهوم واحد للصراع، ليس بالضرورة هو الخطاب نفسه القادر على مخاطبة الضمير الوطني اللبناني العام.

كان يمكن لنواب الحزب أن يكونوا أكثر حكمة وحنكة. كان يمكنهم أن يعلنوا أنهم على خلاف مع الحكومة بشأن مسألة التفاوض المباشر، وأن يؤكدوا وجوب اعتماد نقاش يستند إلى حماية السيادة اللبنانية وفقاً لقواعد القانون الدولي. وكان يمكنهم أن ينتقلوا من سؤال: «مَن مع المقاومة ومَن ضدها؟» إلى سؤال أكثر اتساعاً وأهمية، وهو: كيف نحمي لبنان؟

أما خروج كتلة الوفاء للمقاومة من القاعة قبيل التصويت على الثقة، فقد منح المشهد خاتمة رمادية بامتياز. نالت الحكومة الثقة فيما كان نواب الحزب خارج القاعة، تماماً مثلما تغيب عناصرهم عن أرض المعركة في زمن الاحتلال المتمادي.

على الضفة الأخرى… الإفراط في الانفعال

لكن الإنصاف يقتضي القول إن المشهد لم يكن درساً في الرصانة من جانب واحد. فالسجالات التي حصلت، وتضمنت اتهامات متبادلة وعبارات حادة، أظهرت أيضاً أن عدداً من النواب كانوا في حاجة إلى قدر أكبر من ضبط النفس.

لقد تحول المجلس، في بعض اللحظات، إلى مكان تتقدم فيه الانفعالات على الحجة. وهنا، لا تعود المسألة متعلقة بهذا الفريق أو ذاك. فالتهريج البرلماني، حين يتحول إلى عادة، لا يعود مسلياً.

واللبنانيون، بعد سنوات طويلة من متابعة جلسات البرلمان، باتوا يعرفون محترفي الاستعراض البرلماني، بحيث يمكنهم توقّع مَن سيرفع صوته، ومَن سيقاطع، ومَن سيبحث عن جملة تصلح لإثارة الشغب الشعبوي، ومَن سيحوّل كل نقاش إلى معركة شخصية.

لكن البرلمان ليس استوديو تلفزيون. والنائب ليس معلّقاً سياسياً، بل هو نائب عن الأمة جمعاء. والكلمة التي يقولها تحت قبة البرلمان ليست مجرد مادة يعيد عرضها على وسائل التواصل الاجتماعي، بل هي جزء من السجل السياسي للمؤسسة التي يُفترض أن تمثل اللبنانيين.

لذلك، كان يمكن لكثير من المداخلات أن تكون أقوى لو كانت أقل انفعالاً.

لبنان… ذلك الصوت الخجول

اللافت أن أفضل ما ظهر في الجلسة لم يكن، بالضرورة، الأعلى صوتاً.

فالطروحات التي ارتكزت إلى أحكام الدستور، وذكّرت بمضمون القوانين اللبنانية، من دون إغفال ما يفرضه القانون الدولي، كانت موفقة، تماماً مثل تلك التي طالبت بجيش قادر على حماية الأمن الوطني، وشددت على ضرورة ألا يكون لبنان في موقع تُفرض عليه فيه المفاضلة بين إسرائيل وإيران.

وهنا، برزت قيمة بعض المداخلات التي حاولت استخدام لغة قانونية أو دستورية أو جامعة، لأنها ذكّرت بأن السيادة ليست شعاراً، وأن المقاومة ليست بديلاً دائماً من الدولة، وأن التفاوض ليس مرادفاً للتنازل، وأن رفض الاحتلال لا يلغي القانون الدولي، كما أن تطبيق القانون الدولي لا ينبغي أن يتحول إلى أداة انتقائية.

هذه هي اللغة التي يحتاج إليها لبنان إذا أراد الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة.

في النهاية… كان فيلماً نيابياً طويلاً

بعد يومين من الكلام والاتهامات والسجالات والمداخلات الطويلة والردود المضادة، خرج المجلس بالنتيجة المتوقعة: نالت الحكومة الثقة. وهذا تحديداً ما جعل جلستي النقاش العام أشبه بفيلم نيابي طويل، حافل بالمشاهد الكثيرة، والأصوات المرتفعة، والصدامات، والرسائل السياسية، والمواقف الحادة، فيما بقيت النهاية، تقريباً، عند النقطة التي بدأت منها الأحداث.

غير أن الأفلام السياسية لا تُقاس بنهاياتها وحدها. فالمشاهد تكشف، أحياناً، أكثر مما تكشفه النتائج.

لقد كشفت هذه الجلسة أن لبنان لا يزال عالقاً بين خطابين: خطاب يريد أن يضع الدولة في مواجهة سلاح المقاومة، وخطاب يريد أن يضع المقاومة في مواجهة الدولة.

لكن المعادلة الوطنية أبسط من كل ما قيل؛ فالدولة تستطيع أن ترفض الاحتلال وتحمي سيادتها في آن معاً، كما تستطيع أن تمتلك قرار الحرب والسلم، وأن تفاوض عندما تقتضي مصلحتها الوطنية ذلك. والأهم أن تستند إلى القانون الدولي، وأن تحمي مواطنيها، وتعيد بناء اقتصادها.

أما الخطاب اللبناني الجامع، فكان أضعف من أن يملأ القاعة. لقد قرر حزب الله، طوعاً، الخروج من القاعة وقت التصويت، من دون أن يخرج وزراؤه من الحكومة التي هاجمها نوابه، ومن دون أن يطرحوا الثقة بها. أما خصوم حزب الله في السياسة، فقد استطاع بعضهم إيصال رسائل سياسية واضحة.

وفي النهاية، بقي السؤال الحقيقي خارج القاعة: متى يستطيع نواب لبنان أن يدخلوا قاعة مجلس النواب، لا بوصفها ساحة إضافية للحرب الإقليمية، بل بوصفها المكان الذي تنتهي فيه الحروب السياسية بين اللبنانيين من أجل بناء دولة، من دون حاجة إلى مؤتمر يُعقد خارج حدود لبنان، لا في الطائف، ولا في الدوحة، ولا في أي مكان آخر في العالم؟

هذا هو السؤال الأهم الذي لم تجب عنه الجلسة، ولن تجيب عنه أي جلسة.

مقالات الكاتب

د. جاد طعمه

أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.