بعدما تناولنا في الجزء الأول (https://beirut2030.me/?p=7718) دور الكنيسة الأرمنية الرسولية في صون هوية شعبها، واستعرضنا في الجزء الثاني (https://beirut2030.me/?p=7746) أزمتها مع الدولة وما رافقها من ملاحقات قضائية وصراع حول استقلال القيادة الروحية، ننتقل في هذا الجزء الثالث والأخير إلى الخلفيات الإقليمية والتاريخية لهذه المواجهة، وإلى امتداداتها في لبنان وسوريا وبلدان الانتشار الأرمني.
لم تكن المخاوف التي عبّر عنها الأب غيفورغ فاردانيان خلال المنتدى الدولي الثاني عشر «الدين والسلام» في موسكو منفصلة عن تاريخ الصراعات التي أحاطت بالكنيسة الأرمنية الرسولية، ولا عن موقعها في الدفاع عن الذاكرة الوطنية للشعب الأرمني.
فوراء التوترات بين الحكومة الأرمنية والقيادة الكنسية، تقف قضايا تتجاوز الخلاف على صلاحيات رجال الدين أو إدارة المؤسسات الروحية. هناك ناغورنو كاراباخ وما شهدته من حروب ونزوح، ومصير الكنائس والأديرة والمقابر الأرمنية، والعلاقة المعقّدة مع أذربيجان، فضلًا عن ذاكرة الإبادة الجماعية للأرمن عام 1915، التي ما زالت تلقي بظلالها على العلاقة مع تركيا.
ومن هنا، تكتسب مداخلة الأب فاردانيان دلالتها الأوسع؛ فالحديث عن التراث الروحي والهوية الدينية لا ينحصر في حماية مؤسسة كنسية من تدخّل سياسي محتمل، بل يرتبط أيضًا بالسؤال عن كيفية المحافظة على ذاكرة شعب وجد في الكنيسة، خلال مراحل تاريخية طويلة، إطارًا لاستمرار هويته الثقافية والوطنية.
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما ننتقل إلى خارج أرمينيا، وتحديدًا إلى لبنان وسوريا، حيث حافظت الجاليات الأرمنية على حضور كنسي واجتماعي واسع منذ موجات النزوح التي أعقبت أحداث عام 1915. ففي أنطلياس يقع مقرّ كاثوليكوسية بيت كيليكيا الكبير، أحد أهم المراكز العالمية للكنيسة الأرمنية الرسولية، فيما بقيت حلب ودمشق وبيروت وبرج حمود وعنجر محطات رئيسية في تاريخ الأرمن المشرقيين.
وهكذا، فإن ما يحدث في إتشميادزين لا يظلّ شأنًا داخليًا محدودًا، بل يثير اهتمام مؤسسات وجاليات أرمنية ترتبط بالكنيسة عبر العقيدة واللغة والذاكرة، وإن اختلفت في تبعيتها الإدارية ومواقفها السياسية.
لكن هذا الامتداد العالمي يطرح سؤالًا إضافيًا: هل تستطيع الكنيسة الدفاع عن حقوق النازحين والمقدسات والاعتراف بالذاكرة التاريخية، وفي الوقت نفسه الإسهام في بناء السلام مع أذربيجان وتركيا؟ وكيف يمكن التوفيق بين مطالب العدالة التاريخية والضرورات السياسية والأمنية للدولة الأرمنية؟
في هذه الحلقة الثالثة والأخيرة، ننتقل من الاضطراب الداخلي الذي أضاء عليه الأب فاردانيان إلى جذوره الإقليمية والتاريخية، ونبحث في موقف الكنيسة من أذربيجان وتركيا، وفي دور الجاليات الأرمنية في لبنان وسوريا، وصولًا إلى خاتمة عامة تتناول مستقبل العلاقة بين الكنيسة والدولة، وإمكانات السلام والمصالحة.
وهكذا، لا يمكن فهم الاضطراب الذي تعيشه الكنيسة الأرمنية الرسولية في علاقتها بالحكومة من دون النظر إلى الجغرافيا السياسية المحيطة بأرمينيا، وإلى التاريخ الذي جعل هذه الكنيسة حارسةً للذاكرة الوطنية، خصوصًا في علاقتها بأذربيجان وتركيا.
فبالنسبة إلى القيادة الكنسية، لا يتعلق الصراع بنزاع حدودي فحسب، بل بمصير السكان الأرمن الذين غادروا ناغورنو كاراباخ، وبحماية الأديرة والكنائس والمقابر، وبالحقوق الإنسانية والتاريخية التي تعتبرها جزءًا من مسؤوليتها الروحية والوطنية.
أما الحكومة الأرمنية، فترى أن الحفاظ على أمن الدولة واستقلالها يتطلب التوصل إلى سلام مع أذربيجان وتطبيع العلاقات مع تركيا، بما يتيح تخفيف التوتر الإقليمي وفتح آفاق اقتصادية وسياسية جديدة.
وبين هذين المنظورين، يبرز السؤال الذي يختصر جانبًا كبيرًا من الأزمة الأرمنية: كيف يمكن بناء سلام مع الجيران من دون التخلّي عن الذاكرة والحقوق؟ وكيف يمكن الدفاع عن الذاكرة من دون تحويلها إلى عائق دائم أمام السلام؟
كاراباخ: الأرض التي تحمل ذاكرة الكنيسة
تحتل ناغورنو كاراباخ، التي يسميها الأرمن «آرتساخ»، مكانة خاصة في التاريخ الديني الأرمني. فقد احتضنت المنطقة أديرة وكنائس ومراكز تعليمية ومقابر تاريخية، من أبرزها دير غاندزاسار ودير داديفانك وكاتدرائية المخلّص المقدس في شوشي.
وتعتبر الكنيسة الأرمنية هذه المواقع جزءًا من تراثها الروحي والثقافي، وشواهد على حضور تاريخي طويل في المنطقة. لكن الصراع مع أذربيجان ليس حربًا دينية في جوهره، رغم اختلاف الانتماء الديني الغالب بين الشعبين.
فالنزاع يرتبط بمطالب قومية وإقليمية متعارضة، وبحدود ورثتها الدولتان عن الحقبة السوفياتية، وبحروب ونزوح ومخاوف أمنية متبادلة. وتتمسّك أذربيجان بسيادتها على كاراباخ، المعترف بها دوليًا جزءًا من أراضيها، وتؤكد التزامها بحماية التراث الديني والثقافي.
في المقابل، تعبّر الكنيسة الأرمنية عن مخاوف من تغيير هوية بعض المواقع التاريخية أو تقييد الوصول إليها، وتطالب بضمانات دولية لحمايتها. ويكتسب هذا الخلاف أهمية خاصة عندما تتحوّل الكنائس والأديرة والمقابر إلى عناصر في نزاع حول تفسير التاريخ وهوية الأرض.
ناغورنو كاراباخ: جذور النزاع بين التاريخ الأرمني والسيادة الأذربيجانية
تعود جذور النزاع على ناغورنو كاراباخ، التي يسميها الأرمن «آرتساخ»، إلى قرون طويلة؛ فقد عرفت هذه المنطقة الجبلية حضورًا أرمنيًا مسيحيًا متجذّرًا، تشهد عليه الأديرة والكنائس التاريخية، ومنها غاندزاسار وداديفانك. وفي المقابل، ارتبط إقليم كاراباخ الأوسع بتاريخ سياسي وسكاني متداخل مع المناطق التي تشكّل أذربيجان الحالية، وتعاقبت عليه سلطات فارسية ومحلية وروسية.
واكتسب الخلاف شكله السياسي الحديث في مطلع القرن العشرين، بعد انهيار الإمبراطورية الروسية وقيام جمهوريتَي أرمينيا وأذربيجان، اللتين تنازعتا السيطرة على المنطقة. وعندما استقر الحكم السوفياتي في القوقاز، أُلحقت ناغورنو كاراباخ إداريًا بجمهورية أذربيجان السوفياتية، مع منحها حكمًا ذاتيًا عام 1923، رغم أن غالبية سكانها آنذاك كانوا من الأرمن.
ومع بدء تفكّك الاتحاد السوفياتي، تجدّد النزاع عام 1988، عندما طالب أرمن كاراباخ بالانضمام إلى أرمينيا، ثم أعلنوا استقلال الإقليم عام 1991، من دون الحصول على اعتراف دولي. وأدّت الحرب بين عامَي 1992 و1994 إلى سيطرة القوات الأرمنية على معظم كاراباخ ومناطق أذربيجانية محيطة بها، ونزوح أعداد كبيرة من السكان، خصوصًا الأذربيجانيين من المناطق التي أصبحت تحت السيطرة الأرمنية.
لكن ميزان القوى في ناغورنو كاراباخ تغيّر جذريًا مع حرب عام 2020، عندما تمكّنت أذربيجان، مستفيدةً من الدعم العسكري والسياسي التركي، من استعادة معظم المناطق المحيطة بالإقليم وأجزاء منه. وقد أنهت الوساطة الروسية الحرب باتفاق أتاح نشر قوات روسية لحفظ السلام في المناطق المتبقية تحت السيطرة الأرمنية.
غير أن وجود هذه القوات لم يمنع أذربيجان من فرض حصار متصاعد على الإقليم، ثم شنّ هجوم عسكري خاطف في أيلول 2023، انتهى بسيطرتها الكاملة عليه، وأعقبه نزوح أكثر من مئة ألف أرمني إلى أرمينيا.
وأثار امتناع القوات الروسية عن التدخّل لوقف الهجوم اتهامات أرمنية لموسكو بالتخلّي عن التزاماتها الأمنية، في ظل تدهور العلاقات بين حكومة نيكول باشينيان والكرملين، وانشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا. وفي المقابل، برّرت موسكو موقفها بالاعتراف الأرمني بالسيادة الأذربيجانية على كاراباخ، وبأن التزاماتها الدفاعية تجاه أرمينيا لا تشمل الإقليم الواقع خارج حدودها المعترف بها دوليًا.
وقد رأت تحليلات سياسية أن الموقف الروسي عكس تحوّلًا في أولويات موسكو، وسعيها إلى المحافظة على علاقاتها مع أذربيجان وتركيا، حتى على حساب شراكتها التقليدية مع أرمينيا. ومع أن هذه التطورات تشير إلى تقاطع مصالح وتفاهمات إقليمية، فإنها لا تثبت وجود اتفاق روسي–تركي مسبق على تسليم كاراباخ.
وبعد أن أصبحت السيطرة الأذربيجانية على الإقليم أمرًا واقعًا، بدأت روسيا سحب قوات حفظ السلام في نيسان 2024، قبل انتهاء المدة الأصلية لانتشارها.
وهكذا، لم يكن سقوط كاراباخ نتيجة التفوّق العسكري الأذربيجاني والدعم التركي وحدهما، بل ارتبط أيضًا بتحوّل الموقف الروسي، وهو ما عمّق شعورًا لدى قطاعات أرمنية بأن الضمانات الأمنية التي اعتمدت عليها طوال عقود لم تعد كافية لحماية مصالحها الوطنية.
وعليه، تُعدّ كاراباخ جزءًا من أذربيجان وفق القانون الدولي والحدود المعترف بها، لكنها تحمل تاريخًا أرمنيًا عميقًا، وكانت ذات غالبية سكانية أرمنية قبل نزوح عام 2023. وتقع هذه المفارقة بين السيادة القانونية والهوية التاريخية والسكانية في صميم النزاع.
وتتمسّك أذربيجان بسيادتها على الإقليم، وتؤكد مسؤوليتها عن حماية تراثه الديني والثقافي، بينما تخشى الكنيسة الأرمنية الرسولية من تغيير هوية بعض الأديرة والكنائس والمقابر التاريخية أو تقييد الوصول إليها، وتطالب بضمانات دولية لصونها.
ومن هنا، لا تنظر الكنيسة إلى كاراباخ باعتبارها مجرد قضية حدودية، بل بوصفها أرضًا ارتبطت بتاريخها الروحي وذاكرة مؤمنيها. وفي المقابل، يبقى الاعتراف بالسيادة الأذربيجانية وحماية الحقوق الثقافية والدينية للأرمن مسألتين يمكن، من حيث المبدأ، الجمع بينهما في أي تسوية عادلة ومستدامة.
من حرب 2020 إلى نزوح 2023
خلال حرب عام 2020، أدّت الكنيسة الأرمنية الرسولية دورًا روحيًا وإنسانيًا، من خلال الصلاة من أجل الجنود والمدنيين، ومساعدة العائلات المتضررة، ودعم النازحين. وبعد الحرب، ازدادت انتقادات القيادات الكنسية للحكومة، ولا سيما بشأن المسؤولية عن النتائج العسكرية والسياسية.
ثم جاءت أحداث أيلول 2023، التي انتهت بسيطرة أذربيجان على كامل ناغورنو كاراباخ ونزوح أكثر من مئة ألف أرمني إلى أرمينيا. ورأت الكنيسة في هذا النزوح مأساة إنسانية ووطنية وروحية؛ لأن السكان لم يفقدوا منازلهم وممتلكاتهم فحسب، بل انقطعت صلاتهم المباشرة بأماكن عبادة ومقابر ومواقع تاريخية ارتبطت بأجيال من عائلاتهم.
ومنذ ذلك الحين، ركّز الخطاب الكنسي على حماية حقوق النازحين، وإطلاق سراح المحتجزين الأرمن، والمحافظة على التراث الديني، وضمان إمكان العودة الآمنة والكريمة لمن يرغبون فيها.
هل تعارض الكنيسة السلام مع أذربيجان؟
لا ترفض الكنيسة الأرمنية الرسولية السلام بوصفه هدفًا، لكنها تشدّد على أن السلام المستدام ينبغي أن يتضمّن معالجة الحقوق الإنسانية والتاريخية للمتضررين. ومن هذا المنطلق، تنتقد قيادات كنسية بعض الخيارات الحكومية التي تعتبرها غير كافية لضمان أمن السكان وحقوقهم.
وقد تجسّد الخلاف في احتجاجات عام 2024 على ترتيبات ترسيم الحدود، عندما برز رئيس الأساقفة باغرات غالستانيان في قيادة الحركة المعارضة. ورأت الحكومة أن ترسيم الحدود خطوة ضرورية لمنع تجدّد المواجهة العسكرية، بينما اعتبر معارضون، بينهم رجال دين، أن بعض الترتيبات قد تزيد المخاوف الأمنية لدى سكان المناطق الحدودية. وبذلك، انتقل الخلاف من تفسير نتائج الحرب إلى تحديد شروط السلام نفسه.
وفي آب 2025، شكّل التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان محطة مهمة في مسار التسوية.
لكن هذا المسار لم يُلغِ تلقائيًا الملفات المتعلقة بالمحتجزين والنازحين وحماية المواقع الدينية والتراث الثقافي، وهي المجالات التي ترى الكنيسة أن من واجبها مواصلة الدفاع عنها.
موقف أذربيجان: السيادة ورفض العودة إلى النزاع
تعتبر أذربيجان أن استعادة السيطرة على كاراباخ أنهت وضعًا انفصاليًا استمرّ لعقود، وأن العلاقات المستقبلية مع أرمينيا يجب أن تقوم على الاعتراف المتبادل بالسيادة ووحدة الأراضي. وترفض السلطات الأذربيجانية الاتهامات بأنها تتّبع سياسة تستهدف محو التراث المسيحي الأرمني، وتؤكد مسؤوليتها عن حماية المواقع التاريخية الموجودة على أراضيها.
لكن الخلاف حول هوية بعض المعالم لا يزال قائمًا؛ إذ تنسب أوساط أذربيجانية بعض المواقع إلى التراث الألباني القوقازي القديم، بينما تعتبرها الكنيسة الأرمنية جزءًا من تاريخها. وقد أثارت التغييرات في بعض المواقع الدينية مخاوف لدى باحثين ومؤسسات معنية بحماية التراث.
وفي المقابل، تعرّضت مساجد ومواقع إسلامية أذربيجانية لأضرار خلال سنوات السيطرة الأرمنية على مناطق محيطة بكاراباخ.
وهذا يفرض مبدأ لا ينبغي التراجع عنه، وهو أن حماية التراث الديني والثقافي يجب أن تشمل الكنائس والمساجد والمقابر وسائر المعالم، من دون تمييز على أساس هوية الجماعة أو نتيجة الحرب؛ فالسيادة على الأرض لا تمنح الحق في محو تاريخ من عاشوا عليها.
تركيا: ذاكرة الإبادة ومطالب الاعتراف
إذا كانت كاراباخ تمثّل الجرح الأمني والسياسي الأكثر حضورًا في السنوات الأخيرة، فإن العلاقة مع تركيا ترتبط لدى الكنيسة الأرمنية الرسولية بذاكرة تاريخية أعمق.
وتشكّل الإبادة الجماعية التي تعرّض لها الأرمن في السلطنة العثمانية عام 1915، وما رافقها من عمليات قتل جماعي وتهجير قسري وتدمير لمجتمعات أرمنية تاريخية، ركيزة أساسية في الذاكرة الوطنية والدينية للأرمن داخل أرمينيا وفي بلدان الانتشار.
ورغم الاعتراف الواسع بهذه الأحداث بوصفها إبادة جماعية، لا تزال تركيا ترفض هذا التوصيف، وتقرّ بوقوع مآسٍ وخسائر بشرية كبيرة في ظروف الحرب العالمية الأولى، لكنها تعترض على اعتبارها سياسة إبادة ممنهجة استهدفت الأرمن. ويظل هذا الخلاف التاريخي والسياسي أحد أبرز الملفات الحسّاسة في العلاقات الأرمنية–التركية، وفي موقف الكنيسة الأرمنية من مساعي المصالحة والتطبيع بين البلدين.
وتؤدي الكنيسة دورًا رئيسيًا في إحياء ذكرى الضحايا، والمحافظة على شهادات الناجين، والدفاع عن الاعتراف الدولي بالإبادة.
وفي عام 2015، أعلنت الكنيسة الأرمنية تقديس ضحايا الإبادة، في خطوة عبّرت عن تحوّل الذاكرة الجماعية إلى جزء من الحياة الروحية والليتورجية. وترى القيادة الكنسية أن الاعتراف بالإبادة ليس مجرد مطلب تاريخي، بل مسألة عدالة وكرامة إنسانية ومنع لتكرار الجرائم الجماعية.
أما الدولة التركية، فترفض رسميًا توصيف الأحداث بأنها إبادة جماعية، وتقدّم تفسيرًا مختلفًا لوقائع الحرب العالمية الأولى، مع إقرارها بوقوع خسائر بشرية ومعاناة واسعة. ويبقى هذا الاختلاف أحد أبرز العوائق أمام المصالحة التاريخية بين الأرمن وتركيا.
هل ترفض الكنيسة التطبيع مع أنقرة؟
لا يمكن اختزال موقف الكنيسة الأرمنية في رفض مبدئي للسلام أو للعلاقات الطبيعية مع تركيا؛ فهي تدعو إلى التعايش، لكنها تعتبر أن المصالحة الحقيقية ينبغي أن تقوم على الاعتراف بالتاريخ، واحترام كرامة الضحايا، وحماية التراث الديني والثقافي.
وتبدي الأوساط الكنسية تحفّظات عندما تخشى أن يؤدي التطبيع السياسي إلى تهميش قضية الإبادة أو تجاهل مصير المواقع الأرمنية التاريخية داخل تركيا. أما الحكومة الأرمنية، فترى أن فتح الحدود وإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية يمكن أن يسهما في تخفيف العزلة الإقليمية وتعزيز الأمن والاستقرار.
ولا يعني اختلاف ترتيب الأولويات أن جميع الأطراف ترفض المصالحة، بل يعكس خلافًا حول الشروط التي تجعلها مقبولة ومستدامة.
وتزداد المسألة تعقيدًا بسبب العلاقة الوثيقة بين تركيا وأذربيجان، وما يربط مسار التطبيع الأرمني–التركي بالتقدّم في العلاقات الأرمنية–الأذربيجانية.
بطريركية الأرمن في القسطنطينية: بين المصالحة مع تركيا والتضامن مع إتشميادزين
تحتل بطريركية الأرمن في القسطنطينية، ومقرّها إسطنبول، موقعًا حسّاسًا في العلاقات الأرمنية–التركية؛ فهي إحدى المؤسسات التاريخية للكنيسة الأرمنية الرسولية، وتتولى رعاية الجماعة الأرمنية المقيمة في تركيا. ويقودها البطريرك ساهاك الثاني ماشاليان، الذي يتبنّى نهجًا يقوم على تشجيع الحوار والتطبيع بين أنقرة ويريفان، باعتبار أن تحسين العلاقات بين البلدين ينعكس إيجابًا على أمن الأرمن في تركيا وحياتهم الدينية والثقافية.
وفي ما يتعلق بأحداث عام 1915، تتمسّك البطريركية بإحياء ذكرى الضحايا والحفاظ على الذاكرة الأرمنية، لكنها تركّز في خطابها العلني على المصالحة ورفض العداء المتبادل، وتثمّن بعض مبادرات التعزية والحوار الصادرة عن السلطات التركية. ولا يعني هذا النهج التخلّي عن الذاكرة التاريخية، بل يعكس خصوصية موقع البطريركية داخل المجتمع التركي، وحرصها على حماية مؤسسات الأرمن ومدارسهم وكنائسهم وأوقافهم.
غير أن هذا الحرص على التفاهم مع أنقرة لم يمنع البطريركية من اتخاذ موقف واضح تجاه الأزمة الكنسية في أرمينيا؛ إذ أعلنت تضامنها مع الكاثوليكوس كاريكين الثاني، وأبدت اعتراضها على الإجراءات القضائية التي تمسّ القيادة الكنسية واستقلال قراراتها.
وهكذا، تجمع بطريركية القسطنطينية بين موقفين لا تراهما متناقضين: الدعوة إلى المصالحة مع تركيا من جهة، والدفاع عن وحدة الكنيسة الأرمنية الرسولية واستقلالها من جهة أخرى. وهو ما يميّز دورها عن المواقف السياسية الأكثر تشدّدًا لدى بعض الأوساط الأرمنية داخل أرمينيا وفي بلدان الانتشار.
لبنان: أنطلياس مركز عالمي للكنيسة الرسولية
يشكّل لبنان أحد أهم مراكز الانتشار الأرمني، وقد تعزّز حضور الأرمن فيه بعد موجات النزوح التي أعقبت أحداث عام 1915. وفي عام 1930، استقر مقرّ كاثوليكوسية بيت كيليكيا الكبير في أنطلياس، بعدما غادرت مركزها التاريخي في سيس بكيليكيا.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت أنطلياس مركزًا روحيًا وثقافيًا عالميًا، يمتد تأثيره إلى أبرشيات وجماعات أرمنية في الشرق الأوسط وأوروبا والأميركيتين. وتتولى الكاثوليكوسية، برئاسة آرام الأول، أدوارًا دينية وتعليمية وثقافية، وتشارك في المحافظة على الذاكرة الأرمنية والدفاع عن قضايا الشعب الأرمني.
وفي لبنان، تتركّز جماعات أرمنية رسولية كبيرة تاريخيًا في بيروت وضواحيها، ولا سيما برج حمود وأنطلياس، إلى جانب عنجر ومناطق أخرى.
وقد أسهمت الكنيسة في بناء شبكة واسعة من المدارس والجمعيات والمؤسسات الاجتماعية والثقافية، وفي المحافظة على اللغة الأرمنية الغربية والطقوس الدينية والتقاليد الوطنية. ويُذكر أنه لا تتوافر إحصاءات حديثة دقيقة تفصل أعداد الأرمن الرسوليين في لبنان عن أعداد الأرمن الكاثوليك والإنجيليين، بسبب غياب تعداد سكاني شامل وحديث.
أنطلياس وإتشميادزين: وحدة روحية وتعدّد إداري
تشترك كاثوليكوسية بيت كيليكيا الكبير والكرسي الأم في إتشميادزين في العقيدة والطقوس والتراث الأرمني الرسولي، لكن لكلٍّ منهما نطاقه الإداري ومؤسساته وأبرشياته.
وتعترف كاثوليكوسية كيليكيا بالمكانة التاريخية والشرفية للكرسي الأم، من دون أن يعني ذلك خضوعها لإدارته اليومية. وقد شهدت العلاقة بين المركزين مراحل من التوتر والتعاون، ولا سيما خلال الحرب الباردة، عندما تأثرت بعض الخلافات الكنسية بالانقسامات السياسية في الانتشار الأرمني. لكن الاختلاف الإداري لا يمثّل انقسامًا عقائديًا بين كنيستين منفصلتين.
ولهذا، فإن الأزمة التي يتعرّض لها كاريكين الثاني في أرمينيا تثير اهتمامًا واسعًا في أنطلياس والجاليات المرتبطة بها، من زاوية استقلال الكنيسة ووحدة تراثها ومكانتها الروحية.
سوريا: حلب ودمشق والجزيرة
تحتل سوريا مكانة تاريخية استثنائية في ذاكرة الأرمن، ولا سيما مدينة حلب، التي شكّلت أحد أهم مراكز الحياة الأرمنية في المشرق. فقد استقبلت حلب أعدادًا كبيرة من الناجين من الإبادة، وتحوّلت إلى مركز للمدارس والكنائس والجمعيات والصحافة والثقافة الأرمنية. وتُعدّ كاتدرائية الأربعين شهيدًا من أبرز معالم الحضور الأرمني الرسولي في المدينة.
كما توجد جماعات أرمنية رسولية في دمشق، ولا سيما حول كنيسة القديس سركيس، وفي مناطق الجزيرة السورية، ومنها القامشلي والحسكة. وقد أدّت الحرب السورية منذ عام 2011 إلى هجرة واسعة، وتراجع أعداد السكان، وإضعاف بعض المؤسسات التعليمية والاجتماعية.
ومع ذلك، حافظت الكنيسة على دورها الرعوي والإنساني، وسعت إلى استمرار المدارس والخدمات الاجتماعية والروابط بين أفراد الجماعة.
لماذا تعني كاراباخ وتركيا الأرمن في لبنان وسوريا؟
تختلف تجربة الأرمن في لبنان وسوريا عن تجربة المقيمين داخل الجمهورية الأرمنية، لكنها تتصل بها عبر اللغة والكنيسة والذاكرة والعلاقات العائلية. فكثير من عائلات الانتشار تنحدر من مناطق تقع اليوم داخل تركيا، وتحمل ذاكرة التهجير والإبادة. ولهذا، تحتل قضية الاعتراف بالإبادة وحماية التراث الأرمني مكانة مركزية في الحياة الثقافية والكنسية للجاليات.
كما أثارت حروب كاراباخ تعاطفًا واسعًا، وترافقت مع مبادرات إنسانية وإغاثية لمساعدة المتضررين والنازحين. لكن الأولويات قد تختلف بين الأرمن المقيمين داخل أرمينيا، الذين يواجهون مباشرة مسائل الحدود والأمن والاقتصاد، وأرمن الانتشار الذين يرتبطون بقوة بمطالب الاعتراف والذاكرة التاريخية.
ولا يعني هذا الاختلاف وجود تعارض حتمي، بل يعكس تنوّع التجارب التي تشكّل المواقف السياسية والاجتماعية.
هل تستطيع الكنائس أن تكون جسرًا للسلام؟
لا تملك الكنيسة الأرمنية الرسولية صلاحية توقيع اتفاقيات السلام أو ترسيم الحدود، لكنها تستطيع التأثير في المناخ الأخلاقي والاجتماعي المحيط بهذه الاتفاقيات.
ويمكن أن يشمل دورها الدفاع عن حقوق النازحين والمحتجزين، والمطالبة بحماية المواقع الدينية، وتشجيع احترام كرامة الضحايا، والمساهمة في مواجهة خطاب الكراهية.
كما يمكن للحوار بين القيادات المسيحية الأرمنية والمؤسسات الإسلامية الأذربيجانية أن يسهم في تخفيف التوتر الديني، وإن لم يكن بديلًا عن المفاوضات السياسية والقانونية.
وقد شهدت العلاقات بين قيادات الكنيسة الأرمنية وإدارة مسلمي القوقاز في أذربيجان لقاءات حوارية خلال مراحل سابقة، أحيانًا بمشاركة روسية. لكن نجاح أي حوار يتطلب ألّا يتحوّل إلى وسيلة لتبرير سياسات الدول أو تجاهل معاناة المدنيين.
ويمكن للكنائس الروسية والأنطاكية والكاثوليكية وغيرها أن تدعم مبادئ حماية المقدسات والحرية الدينية والتسوية السلمية، مع احترام استقلال كل كنيسة، وعدم إخضاع العلاقات الروحية للتجاذبات السياسية.
من الدفاع عن الذاكرة إلى مسؤولية المصالحة
تكشف علاقة الكنيسة الأرمنية الرسولية بأذربيجان وتركيا عن تحدٍّ مزدوج؛ فهي مطالبة بحماية ذاكرة شعبها ومقدساته، والدفاع عن حقوق النازحين والمحتجزين، لكنها تواجه أيضًا مسؤولية الإسهام في بناء مستقبل لا تتحوّل فيه الذاكرة المؤلمة إلى قطيعة دائمة بين الشعوب.
وفي المقابل، تواجه الدولة الأرمنية تحدّيًا مماثلًا: كيف تستطيع بناء سلام مستدام مع جيرانها من دون أن يشعر جزء كبير من المجتمع بأن تاريخه وحقوقه ومقدساته أصبحت خارج أولويات الدولة؟
ولا يكفي القول إن السلام ضرورة سياسية، كما لا يكفي التمسّك بالذاكرة التاريخية من دون تصوّر عملي لمستقبل العلاقات بين الشعوب.
فالمصالحة المستدامة تحتاج إلى أمن وحدود واضحة وعلاقات طبيعية بين الدول، لكنها تحتاج أيضًا إلى حماية التراث الديني والثقافي، واحترام حقوق الإنسان، ومعالجة قضايا المحتجزين والنازحين، وفتح المجال أمام الاعتراف بمعاناة المدنيين.
أرمينيا بين استقلال الكنيسة وسيادة الدولة وضرورة السلام
تكشف الحلقات الثلاث أن الأزمة الأرمنية الراهنة لا يمكن اختزالها في مواجهة بين رئيس وزراء وكاثوليكوس، ولا في خلاف ديني حول مسائل كنسية داخلية. إنها أزمة تتقاطع فيها أربعة مسارات كبرى: التاريخ المسيحي الذي أسهم في تكوين الهوية الأرمنية، وموقع الكنيسة الرسولية داخل الدولة الحديثة، والصراع الإقليمي مع أذربيجان وتركيا، ودور الجاليات الأرمنية المنتشرة حول العالم.
ففي الحلقة الأولى، ظهرت الكنيسة الرسولية بوصفها المؤسسة الدينية الأكبر في أرمينيا، والحاملة لذاكرة شعبية وثقافية عميقة، ضمن مجتمع يضم أيضًا كنائس روسية وكاثوليكية وإنجيلية وجماعات دينية أخرى.
وفي الحلقة الثانية، برز حجم الاضطراب الذي تتعرّض له هذه الكنيسة، من توقيف رجال دين وملاحقات قضائية إلى مواجهة وصلت إلى الكاثوليكوس كاريكين الثاني ومحاولات التأثير في القيادة الكنسية. كما ظهرت المواقف المختلفة للحكومة والكنيسة والمعارضة، والتضامن الذي عبّرت عنه بطريركية موسكو، مع ضرورة التمييز بين الدفاع عن الاستقلال الديني والمساءلة القانونية المشروعة.
أما الحلقة الثالثة، فقد أوضحت أن جذور المواجهة ترتبط أيضًا بكاراباخ والنزوح وحماية الأديرة والكنائس، وبذاكرة الإبادة الأرمنية والعلاقة مع تركيا، وبالدور الذي تؤديه كاثوليكوسية أنطلياس والجاليات الأرمنية في لبنان وسوريا.
ومن هنا، فإن مستقبل الكنيسة الأرمنية الرسولية لا يتوقف على مصير الإجراءات القضائية وحدها، بل على قدرتها على المحافظة على استقلالها وتجديد رسالتها الروحية، وعلى قدرة الدولة على احترام مكانتها التاريخية من دون التخلّي عن سيادة القانون.
ولا يمكن للكنيسة أن تكون بديلًا عن الدولة، كما لا يجوز للدولة أن تتحوّل إلى سلطة تختار للكنيسة قادتها وتحدّد لها رسالتها.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تصبح الذاكرة التاريخية عائقًا أمام السلام، ولا أن يتحوّل السعي إلى السلام إلى ذريعة لتجاهل الحقوق والكرامة الإنسانية.
أما الكنائس الأخرى، من موسكو إلى أنطاكية وروما، ومن أنطلياس إلى حلب وبيروت، فيمكن أن تسهم في هذا المسار عبر الحوار والتضامن وحماية الحرية الدينية، شرط احترام استقلال كل كنيسة، وعدم نقل الاستقطابات السياسية إلى العلاقات الروحية.
ويبقى السؤال الذي سيحدّد مستقبل أرمينيا في السنوات المقبلة: هل تستطيع الدولة والكنيسة الانتقال من الصراع على تمثيل الهوية الوطنية إلى علاقة تحمي استقلال كلٍّ منهما، وتصون حقوق المواطنين، وتفتح الطريق أمام سلام عادل مع الجيران؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدّد مستقبل العلاقة بين يريفان وإتشميادزين وحدها، بل ستؤثر أيضًا في موقع أرمينيا بين الشرق والغرب، وفي دور الجاليات الأرمنية المنتشرة حول العالم، وفي قدرة المسيحية الأرمنية على الجمع بين الوفاء لتاريخها والمساهمة في بناء مستقبل أكثر أمنًا وسلامًا.

د. زياد أسعد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
