«قوة عظمى أم انهيار؟»… 100 خبير إسرائيلي يقرعون جرس الإنذار

لم تعد التحديات التي تواجه إسرائيل، وفق رؤية مجموعة واسعة من الخبراء الإسرائيليين، محصورة في التهديدات العسكرية والأمنية القادمة من خارج الحدود، بل باتت ترتبط، بصورة متزايدة، بما يمكن وصفه بـ«أزمة الداخل». فبعد عقود من التركيز على بناء التفوق العسكري والتكنولوجي، وتعزيز المكانة الإقليمية والدولية، يبرز اليوم سؤال أكثر عمقًا: هل تمتلك إسرائيل الأسس السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية التي تمكّنها من الحفاظ على قوتها على المدى الطويل؟

شكّل هذا السؤال محور بحث استراتيجي شارك فيه أكثر من 100 خبير إسرائيلي، وأشرفت عليه مؤسسة MIND Israel، التي يقودها اللواء المتقاعد عاموس يادلين، وتعمل على تطوير رؤى واستراتيجيات في مجالات السياسة الخارجية والأمن القومي. وخلص البحث إلى تحديد ست قضايا عدّها المشاركون حاسمة بالنسبة إلى مستقبل إسرائيل، وتحتاج إلى قرارات سياسية واستراتيجية مهمة.

بين القوة الظاهرة وهشاشة الأساسات

تتمثل الرسالة الأكثر دلالة في هذا البحث في المفارقة بين القدرات التي راكمتها إسرائيل والمخاطر التي تهدد الأسس التي تستند إليها هذه القدرات. فإسرائيل، بحسب التصور الذي طرحه المشاركون، تمتلك مقومات تمكّنها من أن تكون قوة مؤثرة على المستويين الإقليمي والدولي، إلا أنّ استمرار هذه المكانة لا يرتبط بالقدرات العسكرية والتكنولوجية فحسب، وإنما بسلامة البنية الداخلية للدولة أيضًا.

وفي هذا السياق، يحذّر أفنير غولوف، نائب رئيس المؤسسة، من أنّ عدم معالجة نقاط الضعف الداخلية قد يؤدي إلى خسارة أكثر من مجرد المكانة بوصف إسرائيل قوة كبرى؛ إذ يمكن أن يهدد تماسك البناء الذي تستند إليه الدولة نفسها.

وتكشف هذه الرؤية عن تحوّل مهم في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي؛ فالأمن لم يعد يُقاس فقط بحجم الجيش، ونوعية الأسلحة، والقدرة على الردع، وإنما بات يشمل أيضًا نوعية المؤسسات، ورأس المال البشري، والاقتصاد، والعلاقات الخارجية، والتركيبة الديمغرافية، ومستوى التماسك الاجتماعي.

ستة ملفات في قلب الأزمة الاستراتيجية

حدّد الخبراء المشاركون ستة ملفات رئيسية يرون أنّها تحتاج إلى معالجة سياسية واستراتيجية عاجلة.

أولًا: المكانة الإقليمية لإسرائيل: شهدت المعادلة الإقليمية تحولات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت إسرائيل مطالبة بإعادة تعريف موقعها في منظومة إقليمية تتغير بسرعة، بما في ذلك طبيعة علاقاتها مع الدول العربية، ومسألة بناء ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في الشرق الأوسط.

ثانيًا: رأس المال البشري: يُعَدّ رأس المال البشري أحد أهم مصادر القوة الإسرائيلية؛ فالتفوق التكنولوجي والاقتصادي لا يعتمد فقط على المؤسسات أو الموارد المالية، بل على القدرة على إنتاج المعرفة، واستقطاب الكفاءات والحفاظ عليها، وعلى استمرار قدرة النظامين التعليمي والبحثي على رفد الاقتصاد والدولة بالخبرات اللازمة.

ثالثًا: العلاقة بين الاقتصاد والأمن: تفرض الحروب والإنفاق الدفاعي المستمر أعباء متزايدة على الاقتصاد، فيما تحتاج إسرائيل، في الوقت نفسه، إلى الحفاظ على قدرتها التكنولوجية والتنافسية. وبالتالي، لم يعد السؤال يتعلق فقط بحجم الإنفاق العسكري، بل بكيفية تحقيق توازن طويل الأمد بين متطلبات الأمن ومتطلبات التنمية الاقتصادية.

رابعًا: الحوكمة والمناعة القومية: ينتقل النقاش، هنا، من مفهوم الأمن الخارجي إلى قدرة المؤسسات السياسية والاجتماعية على التعامل مع الأزمات والانقسامات الداخلية. فالدولة القوية لا تعتمد فقط على قوة مؤسساتها الأمنية، وإنما أيضًا على مستوى الثقة بالمؤسسات، وقدرتها على اتخاذ القرارات، والحفاظ على درجة من التماسك المجتمعي خلال الأزمات.

خامسًا: التغيرات الديمغرافية: تمثّل التغيرات الديمغرافية قضية ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية بعيدة المدى، نظرًا إلى تأثير التركيبة السكانية في سوق العمل، والخدمات العامة، والتمثيل السياسي، فضلًا عن تأثيرها في طبيعة المجتمع الإسرائيلي خلال العقود المقبلة.

سادسًا: العلاقات الإسرائيلية–الأميركية: تشكّل العلاقة مع واشنطن أحد المكونات الأساسية للبيئة الاستراتيجية الإسرائيلية؛ ولذلك، فإنّ أي تغير في طبيعة هذه العلاقة، أو في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، ستكون له انعكاسات مباشرة على الحسابات الإسرائيلية.

من الأمن العسكري إلى مفهوم أوسع للأمن القومي

تكمن أهمية هذا البحث في أنّه يعيد تعريف مصادر القوة والضعف. فالتحدي الذي يصفه الخبراء لا يأتي، بالضرورة، في صورة حرب تقليدية أو تهديد عسكري مباشر، وإنما قد يتراكم تدريجيًا من خلال تراجع رأس المال البشري، والضغوط الاقتصادية، والأزمات السياسية، والتغيرات الديمغرافية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، أو حدوث تحولات في البيئتين الإقليمية والدولية.

ومن هذه الزاوية، تبدو عبارة «الخطر الوجودي من الداخل» أكثر ارتباطًا بقدرة الدولة على الحفاظ على بنيتها الاستراتيجية، وليست، بالضرورة، توصيفًا لخطر محدد أو وشيك. وهي رؤية تتقاطع مع نقاشات إسرائيلية أخرى تعدّ التعليم، ورأس المال البشري، والقدرة المؤسسية، جزءًا من الأمن القومي، لا مجرد ملفات مدنية منفصلة.

الانتخابات بوصفها اختبارًا للاستراتيجية

يحمل توقيت طرح هذه القضايا دلالة سياسية أيضًا؛ فقد أعلن عاموس يادلين أنّ المؤسسة تعتزم عرض هذه المسائل على الجمهور قبل الانتخابات، بهدف تحويلها إلى أسئلة يمكن توجيهها إلى قادة الأحزاب.

وبذلك، لا يقتصر البحث على تقديم تشخيص أكاديمي أو أمني، بل يسعى إلى إدخال هذه الملفات في صلب النقاش السياسي والانتخابي، بحيث تصبح قضايا مثل الاقتصاد، والتعليم، والديمغرافيا، والعلاقات مع الولايات المتحدة، والمكانة الإقليمية، جزءًا من عملية تقييم البرامج السياسية للأحزاب.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التقرير: فالمعركة على مستقبل إسرائيل، وفق هذا التصور، لا تُحسم فقط في ساحات القتال، وإنما أيضًا داخل المؤسسات والجامعات، وفي الاقتصاد والنظام السياسي والعلاقات الخارجية.

إعادة بناء الأساسات قبل توسيع النفوذ

تكشف هذه الرؤية عن محاولة للانتقال من إدارة الأزمات المتلاحقة إلى التفكير في استراتيجية طويلة الأمد. فامتلاك القوة العسكرية والتكنولوجية لا يضمن، وحده، استمرار القوة السياسية إذا لم ترافقه مؤسسات قادرة على العمل، واقتصاد قادر على تحمّل الأعباء، ورأس مال بشري متجدد، وتماسك اجتماعي، وعلاقات دولية مستقرة.

وفي هذا السياق، لا تبدو الدعوة إلى إعادة النظر في العلاقات الإقليمية منفصلة عن الملفات الداخلية، بل تشكّل جزءًا من تصور أوسع لإعادة بناء البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها إسرائيل. ويعكس ذلك أيضًا توجهات طرحها يادلين وغولوف في نقاشات أخرى بشأن ضرورة بناء ترتيبات إقليمية جديدة، وربط المكاسب الأمنية بترتيبات سياسية أوسع في الشرق الأوسط.

ومن هنا، فإنّ الرسالة الأساسية للخبراء تبدو واضحة: الحفاظ على القوة لا يتطلب تطوير أدوات الردع فحسب، بل يحتاج، قبل ذلك، إلى إعادة النظر في الأساسات التي تقوم عليها الدولة، بدءًا من الاقتصاد والتعليم والحوكمة والديمغرافيا، وصولًا إلى العلاقات الإقليمية والعلاقة مع الولايات المتحدة.

مقالات الكاتب

د. حسين الديك

باحث في الشؤون الإسرائيلية.