تدخل إسرائيل الانتخابات المقبلة في بيئة سياسية وأمنية شديدة الاستقطاب، تجعلها تتجاوز مجرّد المنافسة الدورية على تشكيل ائتلاف حكومي؛ فهي تختبر، في الوقت نفسه، قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إنتاج حكومة مستقرة، وحدود العلاقة بين الأمن والسياسة، ومكانة المواطنين العرب والقوائم العربية في النظام البرلماني، فضلًا عن مستقبل إدارة الصراع مع الفلسطينيين والعلاقات الإقليمية.
وتكتسب الانتخابات المقرّرة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026 أهمية إضافية بسبب حالة الاستقطاب الحادّة حول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومستقبل معسكره، وإمكانية تشكّل كتلة بديلة.
تنطلق هذه الورقة من أربعة سيناريوهات رئيسية:
- تحويل التصعيد الأمني إلى مدخل لتأجيل الانتخابات أو تعطيل مسارها.
- نتيجة انتخابية غير حاسمة تقود إلى استمرار نتنياهو وإعادة إجراء الانتخابات خلال فترة قصيرة.
- فوز المعارضة وتشكيل حكومة تعتمد، بدرجات متفاوتة، على دعم القوائم العربية، بما يجعلها عرضة لعدم الاستقرار.
- تمكّن نتنياهو من تشكيل الحكومة عبر انشقاقات في صفوف المعارضة أو انتقال نواب منها إلى معسكره.
ولا تكمن أهمية هذه السيناريوهات في نتائجها المباشرة فقط، وإنما أيضًا في ما تكشفه عن ثلاثة تحوّلات أعمق تتعلّق بمستقبل الديمقراطية الإسرائيلية، وطبيعة العلاقة الإسرائيلية–الفلسطينية، ومستقبل التوازنات الإقليمية بين إسرائيل وسوريا ولبنان وإيران والدول العربية.
تجري الانتخابات الإسرائيلية في ظلّ تحوّل العلاقة بين السياسة والأمن إلى أحد المحدّدات الرئيسية للسلوك الانتخابي. فقد أصبح الملف الأمني، منذ حرب غزة وما تلاها من مواجهات إقليمية، جزءًا مركزيًا من الصراع السياسي الداخلي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية سياسية؛ إذ تعني أن الانتخابات نفسها تجري في بيئة أمنية استثنائية، الأمر الذي يفتح المجال أمام تداخل أكبر بين الاعتبارات الأمنية والاعتبارات الانتخابية.
كما يخوض رئيس الوزراء نتنياهو الانتخابات مستندًا، بصورة واضحة، إلى خطاب الأمن والحماية في مواجهة التهديدات الإقليمية، بينما تحاول المعارضة تقديم بديل سياسي وأمني. وتفيد تقارير حديثة بأن نتنياهو يركّز في حملته على تقديم نفسه باعتباره القادر على التعامل مع التهديدات الإقليمية.
التصعيد العسكري وتحويل الحرب إلى مدخل لتأجيل الانتخابات
يقوم هذا السيناريو على افتراض انتقال إسرائيل إلى مواجهة عسكرية مفتوحة أو واسعة النطاق على إحدى الجبهات السورية أو اللبنانية أو الإيرانية، أو في غزة، بما يخلق بيئة أمنية يمكن استخدامها لتبرير تأجيل الانتخابات أو تعديل موعدها.
لكن يجب التمييز هنا بين اندلاع حرب فعلية وبين القدرة القانونية والسياسية على تأجيل الانتخابات. فقانون «أساس: الكنيست» ينصّ على أن تكون الانتخابات عامة ومباشرة ومتساوية وسرّية ونسبية، كما يخضع تمديد ولاية الكنيست لشروط مشدّدة. وتشير المعلومات الرسمية الصادرة عن الكنيست إلى أن تغيير بعض الأحكام الأساسية المتعلقة بالانتخابات يتطلّب أغلبية خاصة. لذلك، لا تعني الحرب تلقائيًا إمكانية تأجيل الانتخابات، بل يصبح التأجيل مسألة سياسية وقانونية تستلزم ترتيبات مؤسسية واضحة.
ولا يتمثّل الخطر الأساسي في هذا السيناريو في الحرب بحدّ ذاتها، وإنما في تطبيع العلاقة بين حالة الطوارئ وتأجيل الاستحقاق الانتخابي. وفي غزة، قد يؤدّي التصعيد إلى تجميد أي مسار سياسي يتعلّق بوقف إطلاق النار أو إعادة الإعمار أو ترتيبات الحكم.
أما في الضفة الغربية، فمن المرجّح أن يؤدّي التركيز الإسرائيلي على الأمن إلى تعزيز أولوية الاعتبارات العسكرية والأمنية على الاعتبارات السياسية، بما قد ينعكس على الحركة والتنقّل والاستيطان والعلاقة مع السلطة الفلسطينية.
انتخابات غير حاسمة: استمرار نتنياهو ثم انتخابات جديدة
يقوم هذا السيناريو على عدم حصول أيّ من المعسكرين على أغلبية تمكّنه من تشكيل حكومة مستقرة، مع رفض الأطراف الرئيسية الاعتماد على القوائم العربية أو عجزها عن ذلك. وتزداد أهمية هذا السيناريو في ضوء التطورات المتعلقة بمشاركة الأحزاب العربية؛ إذ صوّتت لجنة الانتخابات المركزية على استبعاد «رعَم» والقائمة المشتركة، مع بقاء القرار خاضعًا للمراجعة القضائية.
في هذه الحالة، قد يصبح العجز عن تشكيل الحكومة هو النتيجة السياسية للانتخابات، وقد يستمرّ نتنياهو في رئاسة الحكومة خلال مرحلة تشكيل الائتلاف. وإذا تعذّر تشكيل حكومة جديدة، فقد تتجه إسرائيل إلى جولة انتخابية أخرى. وهنا تتحوّل الانتخابات من وسيلة لحسم الصراع السياسي إلى مرحلة إضافية من الصراع نفسه.
وقد ينتج هذا السيناريو ما يمكن تسميته «ديمقراطية الانتخابات المتكرّرة دون حسم حكومي»؛ أي إن المشكلة لا تكمن في غياب الانتخابات، بل في مدى قدرة النظام الانتخابي على إنتاج أغلبية برلمانية قابلة للحكم. ويمكن أن يؤدّي ذلك إلى زيادة الاستقطاب، وتراجع الثقة بالأحزاب، واستمرار الحكومات الانتقالية أو الهشّة.
فوز المعارضة وتشكيل حكومة بدعم عربي
يتمثّل هذا السيناريو في تمكّن المعارضة من الحصول على العدد اللازم من المقاعد لتشكيل الحكومة، مع الحاجة إلى دعم القوائم العربية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهنا يجب التفريق بين الانضمام إلى الائتلاف الحكومي وتقديم دعم خارجي للحكومة عند التصويت على قضايا محدّدة.
وقد يكون هذا الفارق حاسمًا في تحديد مدى استقرار الحكومة؛ إذ إن حكومة تقوم على تحالفات أيديولوجية وسياسية متباينة قد تواجه خلافات حول القضية الفلسطينية، ومكانة العرب داخل إسرائيل، والإصلاح القضائي، والعلاقة بين الدين والدولة. وقد تستطيع هذه الحكومة الوصول إلى السلطة، لكنها ستواجه اختبارًا أصعب يتعلّق بقدرتها على البقاء.
وإذا شاركت الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة أو دعمها، فقد يشكّل ذلك تحوّلًا مهمًا في علاقة المواطنين العرب بالنظام السياسي الإسرائيلي. لكن نجاح هذا التحوّل سيتوقّف على ما إذا كانت المشاركة ستتحوّل إلى تمثيل سياسي مؤثّر داخل مؤسسات الحكم، أم ستبقى ترتيبًا برلمانيًا مؤقتًا لإسقاط حكومة نتنياهو.
نتنياهو يعيد تشكيل الأغلبية عبر انشقاقات من المعارضة
يقوم هذا السيناريو على فشل المعارضة في الحفاظ على تماسك كتلتها البرلمانية، وانتقال أعضاء أو أحزاب منها إلى معسكر نتنياهو، بما يسمح له بتشكيل حكومة دون الحاجة إلى انتخابات جديدة. وهو سيناريو مختلف عن فوز نتنياهو انتخابيًا؛ إذ قد تكون نتائج الانتخابات غير حاسمة، ثم يُعاد تشكيل الأغلبية داخل الكنيست أثناء مفاوضات تشكيل الحكومة.
وتكمن خطورته السياسية في أنه ينقل مركز الثقل من إرادة الناخب يوم الانتخابات إلى المفاوضات والانشقاقات والتحالفات التي تحدث بعدها. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الانتقال بين الكتل غير ديمقراطي؛ فالأنظمة البرلمانية تقوم أصلًا على تشكيل الحكومات عبر الائتلافات. لكن كثرة الانتقالات والانشقاقات قد تخلق فجوة بين النتيجة الانتخابية والتركيبة الحكومية النهائية.
ولا يقتصر المؤشّر الأكثر أهمية في انتخابات 2026 على تحديد من يحصل على العدد الأكبر من المقاعد، بل يتمثّل أيضًا في مدى قدرة إسرائيل على تحويل النتيجة الانتخابية إلى حكومة قادرة على الحكم، دون تعميق أزمة الشرعية السياسية والاستقطاب الداخلي. وهنا يتجلّى مساران أساسيان:
المسار الأول: إعادة إنتاج الوضع القائم من خلال نتنياهو، سواء عبر الفوز المباشر، أو عدم الحسم، أو إعادة تشكيل الأغلبية بعد الانتخابات.
المسار الثاني: انتقال سياسي نحو حكومة تقودها المعارضة، مع احتمال اعتمادها على دعم عربي، وما يترتّب على ذلك من تحدّيات ائتلافية.
وفي الحالتين، ستظلّ ثلاثة ملفات هي الأكثر حساسية: العلاقة مع الفلسطينيين، ومكانة المواطنين العرب داخل النظام السياسي، والعلاقة بين الأمن والديمقراطية. كما أن الانتخابات لن تنهي بالضرورة حالة عدم الاستقرار السياسي؛ فقد تنتقل الأزمة من أزمة تشكيل الحكومة إلى أزمة قدرتها على الاستمرار.
ولن يكون العامل الحاسم في جميع السيناريوهات عدد المقاعد وحده، بل قدرة الفائز أو الكتلة الأكبر على تحويل التفوّق الانتخابي إلى ائتلاف مستقرّ وقادر على الحكم، مع الحفاظ على قواعد المنافسة الديمقراطية والمشاركة السياسية.

د. حسين الديك
باحث في الشؤون الإسرائيلية.
