صدر عن مجلس الوزراء، في جلسته المنعقدة بتاريخ 17 أيلول 2026، قرار يقضي بوجوب إجراء الوزارات كافة مراجعة شاملة للمعاملات المحالة إليها، ولا سيما تلك التي تتضمن طلب إصدار نصوص تطبيقية، أو تستوجب النظر في اقتراحات القوانين وإبداء الرأي فيها، فضلًا عن الأسئلة النيابية والاستجوابات. كذلك ناقش المجلس، بناء على طلب رئيس الحكومة، السبل الكفيلة بتسهيل الإحالات والمراسلات والمعاملات المتبادلة بين الوزارات وتسريعها.
لا شك في أن هذا التوجه يشكل خطوة ضرورية لمعالجة البطء الإداري والحد من تراكم الملفات، غير أن فعاليته تبقى مرتبطة بمدى شمول المراجعة رئاسة مجلس الوزراء نفسها. فقبل مطالبة الوزارات بفتح ملفاتها وإجراء جردة شاملة للمعاملات والمراسلات الموجودة لديها، تقتضي الأصول الإدارية أن تبدأ عملية التدقيق من الجهة التي تصدر عنها نسبة أساسية من تلك الإحالات وتتابع تنفيذ قرارات الحكومة.
فالمراسلة التي تصدر عن مجلس الوزراء باتجاه وزارة أو إدارة عامة لا تصل بالضرورة إلى الوزير المعني فور إرسالها، بل تسلك مسارًا إداريًا متعدد المراحل، يبدأ بالتسجيل والإحالة والتسليم، ثم التحويل إلى الوحدة المختصة، قبل أن تنتقل عبر التسلسل الإداري وصولًا إلى صاحب الصلاحية، كالوزير أو المدير العام، لاتخاذ القرار المناسب بشأنها.
وتختلف طبيعة هذه المعاملات ودرجات أولويتها؛ فمنها العادي، ومنها المستعجل، ومنها ما يستوجب متابعة خاصة ومهلة محددة للجواب. لذلك، لا يكفي إرسال الكتاب بالبريد أو وضعه في المسار الإداري المعتاد، ثم انتظار وصوله إلى الوزير أو ورود الجواب عليه. المطلوب إنشاء نظام متابعة يحدد بصورة دقيقة موقع كل مراسلة، والمرحلة التي بلغتها، والجهة الموجودة لديها، والمدة التي أمضتها في كل محطة إدارية، وأسباب توقفها أو تأخر البت بها.
أما الكتب التي تحمل طابع الاستعجال أو الأولوية، فينبغي إخضاعها لآلية واضحة تميزها من المعاملات العادية، وتتيح تتبعها إلكترونيًا منذ لحظة صدورها حتى إنجازها، بدل إبقائها رهينة انتقال الورقة بين المكاتب والتواقيع والتسلسل الإداري التقليدي.
وإذا كانت الحكومة تريد اليوم معرفة مصير المعاملات المتراكمة في الوزارات، فمن الطبيعي أن تبدأ أولًا بمراجعة مراسلاتها هي، والتحقق من تاريخ إرسال كل كتاب وتسليمه، والجهة التي وصل إليها، وما إذا كان قد أُحيل فعلًا إلى الوزير المعني، والوحدة الإدارية التي أصبحت المعاملة في عهدتها، وما إذا كان الجواب قد ورد ضمن المهلة المحددة. وفي حال عدم ورود الجواب، يجب أن يكون واضحًا من تولى متابعة الملف، وما الإجراءات التي اتخذت لتسريع إنجازه.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إنشاء جدول مركزي لدى رئاسة مجلس الوزراء لمتابعة جميع الكتب الصادرة عنها. ويتعين أن يتضمن هذا الجدول رقم كل كتاب وتاريخه، والجهة المرسل إليها، وتاريخ التسليم، والمهلة المحددة للجواب، وتاريخ ورود الرد، والمرحلة التي بلغتها المعاملة، وما أُنجز منها وما لم يُنجز، فضلًا عن الإجراء المتخذ عند حصول أي تأخير، بما يشمل توجيه التنبيهات والإنذارات وتحديد مهل واضحة وملزمة للرد.
فالمشكلة لا تقتصر على وجود جبل من المعاملات المتراكمة داخل وزارة أو إدارة عامة، بل تبدأ أحيانًا من المسار الذي تسلكه الورقة نفسها: عدد المكاتب التي تمر بها، والمدة التي تمضيها في كل مرحلة، ومدى وجود جهة مسؤولة عن مراقبة انتقالها من مكتب إلى آخر ومحاسبة المسؤول عن تعطيلها.
وإذا كان المطلوب فعلًا تسريع العمل الحكومي ورفع مستوى الإنتاجية الإدارية، فقد آن الأوان للانتقال من العصر الحجري في إدارة المراسلات إلى عصر التكنولوجيا والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. ويمكن تحقيق ذلك من خلال اعتماد آلية إلكترونية بسيطة وواضحة، تمنح كل كتاب صادر عن مجلس الوزراء رقمًا مرجعيًا وتاريخًا وجهة محددة وحالة إدارية وموعدًا للجواب، وتتيح معرفة موقعه ومساره في أي لحظة.
وعندما تكون المعاملة مستعجلة أو ذات أولوية، يجب أن تظهر هذه الصفة بوضوح في نظام المتابعة الإلكتروني، وأن تقترن بمهلة تنفيذ وتنبيهات آلية، بدل أن تبقى مجرد عبارة مدونة على ورقة قد تدخل، رغم أهميتها، في دورة المراسلات العادية وتضيع بين المكاتب.
ولا تنطلق هذه الملاحظات من رغبة في تصفية الحساب مع أي وزارة أو إدارة، ولا تهدف إلى التشكيك في عمل أي جهة. فالمسألة، ببساطة، أن من يطلب من الوزارات مراجعة دفاترها، وإجراء جردة لمراسلاتها ومعاملاتها والبت بها، يجب أن يكون قادرًا أولًا على مراجعة دفتر مراسلاته وتقديم نموذج عملي في المتابعة والمساءلة.
ومن شأن الجردة المركزية المطلوبة أن تحدد عدد الكتب التي أرسلها مجلس الوزراء إلى الوزارات والإدارات، وعدد المراسلات التي تلقى أجوبة عنها، وتلك التي لا تزال قيد المتابعة، فضلًا عن المعاملات التي تجاوزت المهل المحددة من دون جواب أو إجراء.
هذه هي الجردة التي يمكن أن تنطلق منها المتابعة الحقيقية، ويتحول عبرها قرار مجلس الوزراء من تعميم إداري إضافي إلى مسار مؤسسي قابل للقياس والمراقبة والمحاسبة.
وفي نهاية المطاف، تبقى القاعدة الشعبية البسيطة أكثر تعبيرًا عن المطلوب: «الواحد بيبلّش ببيته قبل بيت العالم».

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
