لا يمكن قراءة تلويح بنيامين نتنياهو بتفكيك السلطة الفلسطينية بوصفه مجرد مناورة انتخابية أو خطاب ديماغوجي يستهدف استقطاب أصوات اليمين الإسرائيلي. فخلف هذا التلويح تتبلور تحوّلات أعمق في التفكير السياسي والأمني الإسرائيلي، تشير إلى انتقال فكرة إنهاء السلطة الفلسطينية وتصفية البنية المؤسسية التي نشأت عن اتفاقات أوسلو من مطلب تتبنّاه أطراف اليمين المتطرف إلى خيار بات حاضرًا في النقاش السياسي الأوسع، بما يشمل قوى من اليمين والوسط اليميني، مثل أفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت.
تكمن خطورة هذا التحوّل في أن تفكيك السلطة لم يعد مجرد شعار أيديولوجي، بل أصبح جزءًا من النقاش حول مستقبل إدارة شؤون الفلسطينيين، وحدود التسوية السياسية، وطبيعة السيطرة الإسرائيلية على الأرض. وبذلك، تتجاوز المسألة الخلافات الحزبية حول شكل الحكومة المقبلة، لتلامس سؤالًا استراتيجيًا: هل تستطيع إسرائيل التخلّص من الالتزامات السياسية والمؤسسية التي فرضتها مرحلة أوسلو، مع الاحتفاظ بمزايا السيطرة الأمنية والإدارية التي وفّرها وجود السلطة الفلسطينية؟
من تصفية أوسلو إلى البحث عن بديل
على مدى العقود الماضية، تعاملت الحكومات الإسرائيلية مع السلطة الفلسطينية باعتبارها إطارًا يؤدّي وظائف أمنية ومدنية، من دون أن يعني ذلك قبولًا إسرائيليًا بقيام دولة فلسطينية مستقلة. وقد أتاح هذا الترتيب لإسرائيل الاحتفاظ بالسيطرة على مفاصل أساسية في الأراضي الفلسطينية، مع إسناد جانب من الأعباء الإدارية والخدمية إلى المؤسسات الفلسطينية.
لكن تصاعد النزعة اليمينية في إسرائيل، وتراجع فرص التسوية السياسية، وتنامي الدعوات إلى فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية، أعادت طرح مستقبل السلطة بوصفه قضية استراتيجية. فبالنسبة إلى اليمين المتطرف، تمثّل السلطة إحدى النتائج السياسية لاتفاقات أوسلو التي يسعى إلى إنهائها. أما لدى تيارات أخرى، فقد يرتبط التلويح بتفكيكها بإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية الفلسطينية، وفرض وقائع جديدة من دون تقديم أفق حقيقي للاستقلال الوطني.
ومع ذلك، فإن تقاطع هذه المواقف لا يعني بالضرورة وجود إجماع إسرائيلي على آليات التفكيك أو توقيته. فثمة فارق بين الرغبة في إضعاف السلطة سياسيًا ومؤسسيًا واتخاذ قرار بإسقاطها وتحمّل التبعات المترتبة على انهيارها.
معضلة البديل وكلفة الانهيار
تواجه إسرائيل معضلة أساسية: كيف يمكن إنهاء السلطة الفلسطينية من دون أن تتحمّل مباشرةً مسؤولية إدارة شؤون ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية؟
إن انهيار المؤسسات الفلسطينية قد يضع إسرائيل أمام أعباء أمنية وإدارية واقتصادية واسعة، تشمل إدارة الشؤون المدنية، وتوفير الخدمات الأساسية، والتعامل مع فراغ سياسي وأمني قد تمتدّ تداعياته إلى ما يتجاوز الضفة الغربية. كما أن تفكيك أجهزة السلطة ومؤسساتها قد يفضي إلى بيئة أكثر اضطرابًا، ويزيد احتمالات المواجهة الميدانية، ويضع إسرائيل أمام انتقادات وضغوط دولية متصاعدة.
من هنا، قد يبدو إضعاف السلطة تدريجيًا أقلّ كلفة من إسقاطها بقرار مباشر. ويشمل ذلك تقليص مواردها المالية، وإعاقة قدرتها على تقديم الخدمات، وتوسيع القيود المفروضة على حركتها السياسية والجغرافية، بما يؤدّي إلى تآكل شرعيتها وفاعليتها المؤسسية. غير أن هذه المسارات، وإن أمكن تحليلها باعتبارها أدوات ضغط، لا تثبت وحدها وجود خطة إسرائيلية موحّدة ومتكاملة لتفكيك السلطة.
والمفارقة أن إضعاف السلطة قد يحقّق أهدافًا سياسية إسرائيلية على المدى القصير، لكنه قد يقوّض، في الوقت نفسه، الأدوات التي تعتمد عليها إسرائيل في إدارة الواقع القائم، ويخلق فراغًا يصعب التحكّم في نتائجه.
العامل الأمريكي وحدود المناورة الإسرائيلية
لا يمكن فصل مستقبل السلطة الفلسطينية عن طبيعة العلاقة بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية. فمدى تقبّل واشنطن لتفكيك السلطة، أو استمرارها في دعم مؤسساتها، يمثّل عاملًا مؤثّرًا في حسابات إسرائيل، خصوصًا في ظلّ ارتباط الملف الفلسطيني بمصالح الولايات المتحدة الإقليمية، وترتيبات الأمن والاستقرار، ومساعي إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
وقد يمنح الدعم الأمريكي حكومة نتنياهو هامشًا أوسع للمناورة، في حين أن الاعتراض الأمريكي على انهيار السلطة، أو الخشية من تداعياته الإقليمية، قد يرفع كلفة الانتقال من التهديد السياسي إلى التنفيذ. لكن الموقف الأمريكي ليس العامل الوحيد؛ إذ تتداخل معه حسابات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ومصالح المستوطنين، وتوازنات الائتلافات الحاكمة، واحتمالات التصعيد في الضفة الغربية.
وعليه، فإن تفكيك السلطة ليس مسارًا حتميًا بالضرورة، لكنه احتمال يتعزّز كلما تراجعت فرص التسوية، واتّسعت الفجوة بين الوظائف التي تؤدّيها السلطة والحدود المفروضة على قدرتها السياسية.
الرهان الفلسطيني: من البقاء المؤسسي إلى إعادة بناء المشروع الوطني
في مواجهة هذه التحوّلات، لا يكفي، فلسطينيًا، التعويل على حاجة إسرائيل إلى استمرار السلطة، أو افتراض أن الكلفة الأمنية والإدارية لانهيارها ستمنع تل أبيب من المضيّ في إضعافها. فهذه الحسابات قد تؤجّل القرار، لكنها لا توفّر ضمانة لاستمرار الوضع القائم.
ويتمثّل التحدّي الحقيقي في الانتقال من استراتيجية الحفاظ على المؤسسات، بوصفها غاية في حدّ ذاتها، إلى إعادة بناء شرعيتها ووظيفتها الوطنية. ويتطلّب ذلك إصلاح النظام السياسي، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس تمثيلية وديمقراطية، واستعادة الوحدة الوطنية، وصياغة استراتيجية جامعة تربط العمل السياسي والدبلوماسي بالصمود الشعبي والمقاومة المدنية، وتعيد الاعتبار للمساءلة والمشاركة العامة.
إن مستقبل السلطة الفلسطينية لا ينبغي أن يُختزل في ثنائية بقائها أو انهيارها، بل في قدرتها على التحوّل إلى جزء من مشروع وطني يمتلك شرعية شعبية وأفقًا سياسيًا واضحًا.
في المحصّلة، قد يكون تفكيك السلطة خيارًا إسرائيليًا مؤجّلًا، لكنه ليس قدرًا محتومًا، ولا عملية خالية من التكاليف. والسؤال الأهم ليس فقط كيف ستتعامل إسرائيل مع معضلة اليوم التالي لانهيار السلطة، بل كيف يستطيع الفلسطينيون تجاوز الارتهان لمنظومة سياسية تتحكّم إسرائيل في شروط استمرارها. فمواجهة هذا التحدّي تبدأ بإعادة بناء القدرة الوطنية الفلسطينية، بما يجعل إنهاء المؤسسات الفلسطينية عاجزًا عن إنهاء القضية التي نشأت هذه المؤسسات لتمثيل شعبها.

د. حسين الديك
باحث في الشؤون الإسرائيلية.
