لا تكمن القيمة الاستراتيجية لجزيرة غرينلاند، من منظور الدفاع القاري الأميركي، في نشر أعداد كبيرة من القوات، بقدر ما تكمن في موقعها الجغرافي، باعتبارها محطة متقدمة للإنذار والاستشعار، تقع بين الاتجاهات القطبية وأميركا الشمالية.
وهذا الدور قائم بالفعل، بتقديري، من خلال قاعدة «بيوتفيك» الفضائية الموجودة في الجزيرة، والتي تشكّل جزءاً مهماً من منظومة الإنذار المبكر والدفاع عن أجواء الولايات المتحدة وكندا.
ووفقاً للمنظور الأميركي، يمكن أن تأتي التهديدات من أوروبا أو روسيا عبر القطب الشمالي والمحيط المتجمد الشمالي؛ ولذلك، فإن وجود محطة استشعار في غرينلاند يسمح باكتشاف بعض التهديدات في مرحلة مبكرة جداً. والقاعدة هنا بسيطة: كلما اقترب المستشعر من اتجاه التهديد، اتسعت نافذة الإنذار المتاحة أمام القيادة لاتخاذ القرار. وبالتالي، فإن وجود الرادارات في الجزيرة لا يعني بالضرورة اعتراض الصواريخ فوق غرينلاند، وإنما تتمثل وظيفتها الأساسية في الاستكشاف والتتبع، وتحديد طبيعة التهديد، وإرسال البيانات، ودعم القرار الدفاعي.
وتزداد هذه الأهمية مع تطور الصواريخ وازدياد سرعتها وتعقيدها، إذ تصبح الثواني والدقائق الإضافية التي يوفرها الإنذار المبكر ذات قيمة استراتيجية كبيرة. ومن هنا تأتي الدعوات إلى تحديث رادار «بيوتفيك» وتطوير قدراته لمواكبة أجيال الصواريخ الحديثة.
كما يمكن أن ترتبط منظومة الإنذار بمنظومات السيطرة الجوية والرصد المبكر، وبالقدرة على نشر طائرات الاستطلاع انطلاقاً من مواقع متقدمة، بما يعزز منظومة الدفاع الصاروخي والردع الأميركي في أميركا الشمالية.
لكن من المهم، في المقابل، عدم الخلط بين الأمن والسيادة؛ إذ إن الأدق في توصيف المعادلة هو القول إن الأمر يتعلق بالأمن في مقابل نقل جزء من صلاحيات القرار العسكري، وليس بالأمن في مقابل السيادة. فالاتفاق المعلن حتى الآن لا ينقل السيادة على غرينلاند إلى الولايات المتحدة، كما أن نص الاتفاق الكامل لم يُنشر، ولم تُستكمل بعد الإجراءات البرلمانية المطلوبة في الدنمارك وغرينلاند. ولذلك، يجب التمييز بين التصريحات السياسية وما هو مؤكد في الوثائق النهائية.
ولا توجد، حتى الآن، أرقام منشورة تحدد بصورة واضحة الجهة التي ستتحمل تكاليف إنشاء المنشآت الجديدة أو تشغيلها أو توسعتها. وقد يكون المقابل المالي المترتب على حقوق الوصول والتمركز صفراً أو شبه معدوم بالنسبة إلى الدنمارك وغرينلاند، لكن ذلك لا يعني أن بناء المنشآت وتشغيلها لن يكلّفا وزارة الدفاع الأميركية.
كما أن واشنطن تمتلك، منذ عقود، قاعدة «بيوتفيك»، فيما يمنح اتفاق عام 1951 الولايات المتحدة حقوقاً واسعة في التموضع والتحليق واستخدام المنشآت العسكرية والمدنية في غرينلاند؛ ولذلك، قد يكون جزء من الترتيب الجديد تثبيتاً لحقوق قائمة أصلاً أو توسيعاً لها.
أما تمويل البنية التحتية، فقد تحدث ترامب عن استثمارات أميركية مشتركة مع سكان غرينلاند في مجالي التطوير والبناء، لكن صيغة التمويل لم تُعلن بصورة واضحة. ولذلك، لا يمكن الجزم بأن واشنطن وحدها ستتحمل التكاليف، أو أن كوبنهاغن أو غرينلاند ستتحملانها، أو أنها ستوزع على مزيج من هذه الأطراف.
وفي جوهر الأمر، تحصل الولايات المتحدة، وفق ما أعلنته واشنطن، على حقوق واسعة ودائمة في الوصول والتمركز والتحليق، وعلى إمكانية توسيع المنشآت العسكرية، إلى جانب اضطلاعها بدور حاسم في منع خصومها من إقامة وجود عسكري أو تنفيذ استثمارات اقتصادية حساسة في الجزيرة.
وهنا يتداخل البعد الأميركي مع منظومة الأمن الأطلسي؛ فغرينلاند جزء من مملكة الدنمارك، والدنمارك عضو في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، كما أصبح القطب الشمالي أولوية متزايدة بالنسبة إلى الحلف.
لذلك، يصعب فصل أمن غرينلاند عن الأمن الجماعي لحلف الناتو، خصوصاً أن الجزيرة تقع على الممرات الاستراتيجية بين أميركا الشمالية وأوروبا، ويمكن أن تعزز قدرات الإنذار والمراقبة، والوجود الجوي والبحري، وحماية خطوط الاتصال عبر شمال الأطلسي.
لكن الاتفاق يحمل، في الوقت نفسه، بعداً أميركياً خاصاً، إذ يمنح واشنطن حقوقاً أمنية وعسكرية مميزة. وهنا تبرز مسألة سياسية واستراتيجية مهمة: هل ستبقى القدرات الجديدة جزءاً من منظومة الأمن الأطلسي الجماعي، أم ستتجه نحو «أمركة» أمن القطب الشمالي، بحيث يصبح الأمن فيه أميركياً بالدرجة الأولى؟ وهذه من أبرز علامات الاستفهام التي تفرضها الصيغة الجديدة.
أما بالنسبة إلى روسيا والصين، فإن الاتفاق يتجاوز في أبعاده أهمية غرينلاند ذاتها، ويعكس، وفق المنظور الأميركي، انتقال واشنطن إلى سياسة أكثر صراحة في منع الخصوم من اكتساب موطئ قدم استراتيجي في الجزيرة، سواء من خلال وجود عسكري أو استثمارات اقتصادية حساسة.
وتُعدّ روسيا الطرف الذي يمكن أن يتأثر عسكرياً بصورة أوضح؛ فالقطب الشمالي، ولا سيما شبه جزيرة كولا، يمثّل مركزاً بالغ الأهمية للقوات النووية والأسطول الشمالي الروسي، ومنفذاً استراتيجياً إلى شمال الأطلسي. ومن ثم، فإن زيادة الوجود الأميركي في غرينلاند قد تدفع موسكو إلى تعزيز دفاعاتها الجوية والصاروخية، وتكثيف عمليات المراقبة والاستطلاع في بحر بارنتس وبحر غرينلاند والممرات المؤدية إلى شمال الأطلسي، وتعزيز حماية الممر البحري الشمالي والمنشآت الروسية المرتبطة به، فضلاً عن زيادة النشاطين البحري والجوي، وإعادة تأهيل القواعد والمنشآت العسكرية في القطب الشمالي.
وبذلك، تريد واشنطن جعل غرينلاند حاجزاً أمام التمدد الروسي، فيما قد تنظر موسكو إلى الوجود الأميركي المتزايد باعتباره سبباً إضافياً لتعزيز ترسانتها في الشمال.
أما الصين، فسيكون التأثير عليها أقل من الناحية العسكرية وأكثر من الناحية الجيو-اقتصادية؛ إذ يتركز النشاط الصيني في القطب الشمالي، وفق هذا التصور، على البحث العلمي، والموارد، والبنية التحتية، والطاقة، والمعادن، مع إمكانية التعاون مع روسيا والدنمارك.
ويستهدف منع الاستثمارات الحساسة في غرينلاند، بصورة خاصة، الأدوات التي تستخدمها الصين لبناء نفوذ طويل الأمد. وقد يدفع ذلك بكين إلى زيادة شراكتها مع روسيا، وتعزيز حضورها غير العسكري في مجالات الأبحاث القطبية، والأقمار الصناعية، والنقل البحري، والطاقة، والمعادن، بما قد يزيد أيضاً من أهمية التعاون الروسي–الصيني.
ومن الناحية العملية، لا تزال قائمة المنشآت الجديدة غير معلنة بالتفصيل. والأرجح أن يكون توسيع منظومة الإنذار المبكر أحد المسارات الأساسية، من خلال تحديث الرادارات القائمة، وإضافة مستشعرات ورادارات بعيدة المدى، وتعزيز قدرات تتبع الأقمار الصناعية والأجسام الفضائية، وربط المنظومة بصورة أوسع بشبكات الدفاع الأميركية.
وقد يشمل ذلك أيضاً تطوير منشآت جوية ولوجستية لاستقبال الطائرات وتنفيذ دوريات طويلة المدى، ونشر أجهزة للمراقبة البحرية وتحت سطح البحر، وإنشاء منشآت للاتصالات والاستخبارات، وربما تطوير قدرات فضائية مستقبلاً. أما إنشاء قاعدة أميركية جديدة للغواصات، فلا يوجد حتى الآن ما يؤكد هذا الطرح.
وإذا نُفّذ الإعلان فعلياً، فقد تتحول غرينلاند إلى «المستشعر الأميركي المتقدم» في القطب الشمالي، أكثر من كونها قاعدة عسكرية تقليدية.
إذن، لا تتوقف الأهمية عند الدفاع الصاروخي، بل تمتد إلى الممرات البحرية الدولية في ظل ذوبان الجليد، وما قد يتيحه ذلك من طرق تجارية، إضافة إلى الموارد المعدنية ومصادر الطاقة، فضلاً عن موقع الجزيرة المتميز في مجالي المراقبة الفضائية وتتبع الأقمار الصناعية والأجسام الفضائية.
أما وصف الاتفاق بأنه «أبدي»، فيحتاج إلى قدر كبير من الحذر؛ إذ يمكن أن يكون الاتفاق الدفاعي طويل الأمد، لكن وصفه بأنه أبدي لا يعني أنه غير قابل للتعديل أو الإلغاء من الناحية القانونية. ومن المهم التأكيد أن ثمة ثلاثة مستويات يجب الفصل بينها: القانون الدولي، والقانون الدستوري الدنماركي، ومستقبل غرينلاند وحق شعبها في تقرير مصيره.
وقد منح اتفاق عام 1951 واشنطن حقوقاً واسعة، ثم جرى تعديله عام 2004، بما يؤكد أن الترتيبات الدفاعية طويلة الأمد يمكن إعادة تنظيمها عندما تتغير الظروف.
وهنا تكمن المسألة الأكثر حساسية، وهي مستقبل غرينلاند نفسها. فالجزيرة تتمتع بالحكم الذاتي داخل مملكة الدنمارك، ولشعبها حق تقرير المصير إذا تطور المسار السياسي مستقبلاً في اتجاه الاستقلال.
وعندها، سيبرز السؤال القانوني بشأن مصير الالتزامات العسكرية الأميركية: هل تنتقل تلقائياً إلى الدولة الغرينلاندية المستقلة، أم تحتاج إلى ترتيب جديد؟ لذلك، قد يكون مستقبل غرينلاند الاختبار الحقيقي لأي اتفاق عسكري جديد، تماماً كما ستحدد صياغته الحالية مدى قدرته على الصمود أمام التحولات السياسية والقانونية المقبلة.

د. حسين الديك
باحث في الشؤون الإسرائيلية.
