رحلة صعبة بين حربَي السنوات الثلاث الأخيرة

لطالما شكّلت الحروب عامّة، وحروب منطقتنا خاصّة، منعطفاتٍ فيصليّةً بدّلت أولوياتٍ، وهزّت ثوابتَ، ونسخت آياتٌ منها آياتٍ أخر، فجيء بمثلها أو أحسن أو أكثر منها سوءًا. وغالبًا ما تشكّل الحروب طلقًا، طبيعيًّا أو اصطناعيًّا، أو مخاضاتٍ متعسّرة، لولادة مفاهيم جديدة، قائمة على النقد وفلسفة الأمور والحركة داخل المفاهيم السائدة، أحيانًا، والتي أسهمت في إنتاج هذه الحرب أو تلك.

وتأتي الحرب على لبنان العام 2024، الممهّد لها بما يقارب السنة ممّا عرف بحرب إسناد غزة، وما تلاها من خمسةَ عشرَ شهرًا استنزافًا من طرف واحد، ثمّ حرب 2026 التي لمّا تزل ممتدّة بترنّح التصعيد والتهدئة حسب ما تقتضيه الظروف الإقليمية، لتشكّل بابًا انفتح على مصراعيه لطرح أسئلة جوهريّة، كانت قبل هذه السنوات شبه عصيّة على الطرح والتداول، لدى المقاومة وجمهورها، لا، بل لدى بعض من يحلّق في فلك المقاومة نهجًا وإن اختلفت الأيديولوجيات. أسئلة، قد تولّد جرحًا نرجسيًّا جمعيًّا اليوم، نظرًا إلى مرحلة، عمرها عقود، كانت فيها الأسئلة تدنو من التابوات المحرّمة، أمام إجابات جاهزة مقولبة أقرب إلى الجواب المقدّس، وكأنّ وحيًا أجاب عن كلّ ما سبقه وتزامن معه وما سيليه، تحت مسمّيات دينية يسيّجها شريط نار مقدّسة، كالكلام المسدّد والبصيرة والغيبيات وتدخّلات الخوارق كالملائكة والمخلّص وما شابه ذلك.

تتقاسم هذه الأسئلةَ ثلاثُ شرائحَ، شريحة المقاومة نفسها وجمهورها المبايع من دون جدال، حيث السؤال المشروع لكنّه معطّل كيلا يكون محرجًا فيه تطاول على الثوابت وما لا طاقة على التفكير فيه نظرًا إلى ربطه بالماورائيات، وشريحة الخصوم الذين يشكّل العمل المقاوم، بالنسبة إلى تطلعاتهم، مشاغبة وخروجًا على القانون ومؤسسات الدّولة، وفوضى شبيهة بالحركات اليسارية التي تشوّش، حسب الفكر اليميني، هدوء ما عرف عند هيغل بمقولة “كلّ ما هو واقعي عقلاني”، ولم يخجل بعض متبنّي هذا السؤال من الترحيب بما يفعله الإسرائيلي بطريقة مبطّنة أو علانية، وشريحة وسطية يشكّلها الغيورون على المقاومة، فتأتي أسئلتهم عقلانيةّ بعيدة من التطرف الذي يسيّر الشريحتين السابقتين.

هذه الأسئلة الموزّعة على الشرائح الثلاث، يأتي السؤال المعطّل منها ليكون الأخطر والأكثر أهميّة وإحراجًا، لما سيسببه من تصدّع لثوابت بنيت عليها تركيبة المقاومة على مدى أربعة عقود. ولم يكن هناك حاجة إلى طرح السؤال المؤلم “لماذا حصل ما حصل ونحن ما رمينا لكن الله رمى”؟ في ظلّ سلسلة من انتصارات رسّخت فكرة المعجزات وأبعدت الجانب الآدمي وما يعرف بحتميات تاريخيّة تفرض نفسها. هذا يؤكّد أنّ ما جرى في أوّل أسبوع من حرب أيلول، وخاصّة نهار الإثنين عسكريًّّا، ونهار الجمعة معنويًّا، شكّل، كأيّ حرب فيها هزيمة أو خسارة، صدمة لدى المؤمنين بقوّة المقاومة ممن يحلّق في فلك النهج المقاوم وإن لم يكن منتميًا لفكر المقاومة وعملها العسكري في الآونة الأخيرة، لكنّها شكّلت رضّة لدى المنتمين فكريًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، صعّبت الخروج من الأزمة، وبدلًا من تسهيل سيرورة السؤال والبحث عمّا جرى، كُبت السؤال وألقي في أدراج اللاشعور الجمعي، وتدجج ذوو الرضّة بما يحميهم نفسيًّا لإعادة الاتّزان أمام وجع ما حصل، إذ إنّ السؤال والخروج مما تسلّحوا به، سيؤكّدان لهم أنّ الصدمة أو الرضة كانت نتيجة فعل جسم قويّ متحرّك، احتكّ بجسم ثابت سكونيّ، فكان الفعل ورد الفعل حكرًا على الطرف المتحرّك وحده كما يرى جورج طرابيشي حول ما عرف بالنهضة والاستعمار.

ويعود الخوف من السؤال إلى غير سبب. ومن هذه الأسباب، الخطاب الفكريّ الذي سبق الحرب لمدّة طويلة، حيث استبعاد فكرة الخسارة وتعطيل حيّز إمكانية حصولها، بسبب فائض القوّة العسكرية والمعنوية، خاصّة أنّ هناك عرفًا أصبح أمرًا واقعًا وهو أنّهم لا يقاتلون إلا بتسديد من الله والغيب، حيث الملائكة المتدخّلة في مكان والغائبة في مكان آخر، وحضور المخلّص الّذي يسدد الحركات والكلام. هذا الاختفاء لحيّز إمكانية الخسارة، كان وجوده أساسيًّا لدى المقاومات السابقة وعلى رأسها المقاومة الفلسطينية والوطنية في لبنان، وكان ترفّع المقاومين الحاليين ومغالاتهم، يجعل هذه الإمكانية التي لم تغب عن خطاب السابقين، مأخذًا إذ يثبّط من معنويات المقاتلين، علمًا أن ما حصل في السنوات الأخيرة، يؤكّد صوابية ترك حيّز للهزيمة كي نكون أمام صدمة يمكن الخروج منها كاجتياح لبنان بداية الثمانينيات، لا أمام رضّة كرضّة النكسة في الستينيات والهزيمة في 2024.

وشكّلت الخمسة عشر شهرًا التي تلت الحرب، وسبقت الحرب الثانية أو الآنية، محاولة لإعادة الاعتبار عبر التسليم بالأمر الواقع وممارسة حركة ردود الفعل بطريقة سكونية تتقبّل الفعل من دون أن تنتفض وكأنّ الفعل الذي لا يمكن تغييره ينبغي ممارسة قدرتنا اتجاهه على أنفسنا، فكانت هذه المرحلة عاملًا للارتداد نحو الذات بسبب تضييق باب الخروج من النفق أو سدّه، وكأنّ ماء متدفّقًا وُضع في طريق مسيله سدٌّ متينٌ، فانقلب على ذاته، وبدلًا من انتشاره أمامًا، عمل على تعميق مجراه موسّعًا الهوّة بين الضفتين، أو كأنّ نارًا لم تجد على حوافيها حطبًا وأعشابًا يابسة جديدة، فأكل بعضها بعضها الآخر وهمدت رمادًا. ثمّ جاءت حرب إيران لتشكّل مظلّة وارفة وجدوها فرصة لا تتوافر دائمًا للانخراط فيها ومحاولة العودة، لكنّ نتائجها ما زالت ضبابية، لا بل إنّها ممتدّة ولما تنته بعد. وهذا يذكّرنا بحرب العبور التي جاءت لتشكّل ضربًا من ضروب إعادة الاتزان النفسي بعد تدمير الكينونة العربية قبلها بست سنوات، ولم تختلف الأسباب عن أسباب هذه الحرب ونتائجها كثيرًا.

وهكذا، يمكن الاستنتاج، أنّ عدم طرح السؤال المؤلم الذي قد يليه راحة، بعد الاعتراف كمرحلة هي الأصعب، يطيل المكوث في الحزن والمأساة، لكنّ هذا يولّد ملاذًا ومأوى للمقهور لأنّ الخروج منه سيجعل صاحبه في ورطة مواجهة الواقع القائم الفعليّ، واقع فقدان الزعيم الأكبر أو شخصية الأب الحامي والمطمئن، محقّق الانتصارات سابقًا، والواعد باحتلال الجليل وتحرير القدس، الأب المثال، مولّد الاستقرار النفسيّ بابتسامة التهدئة، وتلويحة اليد، على الرغم من الاهتزازت المحيطة. فهذا المتترّس بالانسحاب من أمام الحقيقة، وإنكار ما جرى، لم يبدُ أنّه في مستوى المجابهة للوقائع الرسمية بعد، فأوغل في غياهب الغيب أكثر، راميًا أعباءه على فكرة القضاء والقدر ليكون في ذلك تسكين وتخدير مؤقّتان وليس في ذلك حلّ للمعضلات الرئيسة التي تحتاج جرأة بستانيّ بمقصّ حادّ يقطع ما يعرقل نموّ الشجرة من أغصان وإن يكن الأكثر نضارة وطراوة، جرأة طبيب يجتثّ بمبضعه الموجع ما داخل الجسد من أدران صار استئصالها حاجة وضرورة.

مقالات الكاتب

د. علي نسر

أستاذ جامعي، ناقد وباحث في الأدب والفكر، محاضر في الجامعة اللبنانية وجامعات أخرى. يكتب في صحف لبنانية وعربية وله مؤلفات من رواية وديوان وكتب في النقد والفكر، كما عشرات الأبحاث في مجلات علمية لبنانية وعربية. شارك في العديد من المؤتمرات في لبنان وخارجه.