من الواضح أن الكثير بما يتعلق بمذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران لا يزال بحاجة إلى التفاوض – ولا سيما في المجال النووي – وإلى التنفيذ بما خص مضيق هرمز وكل الملفات الأخرى تقريباً. وسنرى، والحال كذلك، ما إذا كانت نهاية الحرب مؤقتة أم دائمة، كما أُعلن.
لكن الواضح أن الاتفاق الآخذ في التشكل يمثل انتصاراً هائلاً لإيران، أو، بصورة أدق، لحكومتها. فالنظام سيحصل على مكاسب مالية ضخمة ستعزز قبضته على البلاد، وتساعده على إعادة تسليح نفسه ووكلائه. وخلال شهرين فقط، يمكنه فرض رسوم عبور، وربما ضوابط أخرى أيضاً، تؤثر في استخدام المضيق.
ولا يمكن قول الأمر نفسه عن الشعب الإيراني، الذي يُعدّ من أبرز الخاسرين في هذه الحرب. فالنظام لم يصبح أكثر تشدداً فحسب، بل بات يمتلك الآن هيبة ناتجة عن نجاحه في الصمود في وجه «الشيطان الأكبر». وكما سبقت الإشارة، سيتم إنقاذه مالياً. إضافة إلى ذلك، تعهدت الولايات المتحدة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لإيران، وهو تحوّل كامل بمقدار 180 درجة عن موقفها الأولي الساعي إلى تغيير النظام. ولا يوجد سبب يدعو إلى توقع تراجع القمع، مع أن قادة إيران سيضطرون في مرحلة ما إلى مواجهة أولوياتهم وسياساتهم المشكوك فيها، والتي دفعت البلاد إلى الخراب الاقتصادي.
من ناحيتها، فإسرائيل خاسر كبير آخر في هذه الحرب، إذ إن علاقتها بالولايات المتحدة، التي كانت متوترة أصلاً بسبب غزة، تدهورت بشكل حاد. كما تدهورت علاقة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب أيضاً. أما الهواجس الإسرائيلية الرئيسية، أي الصواريخ الإيرانية والمساعدة المقدمة إلى الوكلاء، فلا تتأثر بمذكرة التفاهم. ويبقى أن نرى ما إذا كانت المخاوف الإسرائيلية المرتبطة بالملف النووي ستتم معالجتها، ومن الآمن القول إنها لن تُعالج بالكامل، إذ إن أقصى ما يمكن أن يحدث هو وضع سقف شبيه بخطة العمل الشاملة المشتركة على البرنامج النووي الإيراني، لا إزالته. فتعهد إيران بعدم الحصول على أسلحة نووية أو تطويرها ليس سوى إعلان نوايا لا أثر له في القدرات. والأسوأ من ذلك بالنسبة إلى إسرائيل أنها تجد نفسها تحت ضغط متزايد للانسحاب في لبنان، وقد تختبر ضغطاً مماثلاً في ما يتعلق بغزة، وليس واضحاً إطلاقاً أن إدارة ترامب لن تزيد من منسوب هذا الضغط.
أما الدول العربية في المنطقة، فتخرج بدورها في وضع أسوأ، إذ سيتعين عليها التعامل مع إيران أكثر جرأة، وأكثر قوة، وأكثر تشدداً – وهي إيران اكتسبت قوة جديدة من إظهار استعدادها وقدرتها على التدخل في مضيق هرمز ومهاجمة جيرانها. كما أظهرت الحرب أن هذه الدول ستضطر إلى التعامل مع إيران إلى حد كبير بمفردها، إذ لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل قادرتان على حمايتها. لا بل أتوقع أن يقرر عدد منها أن الحكمة تقتضي الوصول إلى تسوية أو تفاهم مع إيران.
وتعزز النتيجة الرأي الذي كنت أتبناه منذ ما قبل اندلاع الحرب، ومفاده أن هذه الحرب كانت خطأً استراتيجياً من الدرجة الأولى. لم يكن هناك تهديد وشيك يبرر قرار بدء الحرب، حيث كانت هناك خيارات أفضل متاحة لتحقيق الأهداف الأميركية، وفي مقدمتها الدبلوماسية وتشديد العقوبات. وكانت النتيجة حرباً اختيارية مضللة، قامت على افتراضات خاطئة بشأن إيران لدى مسؤولين يفتقرون إلى الخبرة أو التجربة الكافية، وهي حرب كان من المتوقع أن تنتهي بنتائج سيئة للولايات المتحدة وشركائها في المنطقة وخارجها.
لقد دفعت الولايات المتحدة ثمناً باهظاً لإعادة مضيق هرمز إلى وضعه السابق، وما سينتج عن ذلك سيبقى دون هذا الهدف. أما الترتيبات النووية فما زالت معلّقة في الهواء، لكن من المؤكد أن إيران ستظل ناشطة في هذا المجال، ولا سيما في ضوء النفوذ الذي منحت هذه الحرب النظام إياه. وستكون عمليات التفتيش بالغة الأهمية، بقدر ما يُرجّح أن تكون صعبة. وقد أدخلت الحرب توترات جديدة على علاقات الولايات المتحدة بشركائها وحلفائها في المنطقة، ما أدى في هذه العملية إلى عزل الأولى أكثر مما عزل إيران. كما تراجع مدى احترام الولايات المتحدة، سواء في ما يتعلق بحسن تقديرها أو بكفاءتها، إلى حد كبير.
يخطئ كثيرون حين يقولون إن الرئيس لو استخدم مزيداً من القوة العسكرية، بما في ذلك القوات البرية، ولفترة أطول، لكانت النتيجة مختلفة. ففي الواقع، كانت ستكون مختلفة، لكن ليس نحو الأفضل. إذ على الأرجح، كنا سنجد أنفسنا عالقين في مستنقع من صنع أيدينا، نخسر عدداً أكبر بكثير من الجنود، ونستهلك كميات أكبر بكثير من المعدات في هذه العملية.
كذلك، كان من الممكن أن يستغرق هذا الالتزام سنوات حتى تتضح نتائجه، وحتى عندئذ، لم يكن هناك أي ضمان للنجاح، في ضوء عشرات الملايين من الإيرانيين الذين لا يزالون يدعمون هذا النظام، وعدد أكبر بكثير ممن كان يمكن أن يلتفوا حول النظام في مواجهة المحتل الأجنبي. لقد كان من شأن ذلك أن يخلق تشتيتاً استراتيجياً وكابوساً سياسياً واقتصادياً. ولعل هذا أفضل – وربما الشيء الوحيد الجيد – ما يمكن قوله عن الاتفاق الذي تم التوصل إليه للتو مع إيران: لقد حدّت الولايات المتحدة من خسائرها فحسب.
ترجمة بتصرف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
