واشنطن تضبط إيقاع نتنياهو… حين يضع الحليف شروطه

تحليل – خاص «بيروت 2030»

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلط الأوراق السياسية بين واشنطن وتل أبيب، في خطوة تجاوزت حدود الدبلوماسية التقليدية لتلامس أدوات الضغط المباشر. وجاء ذلك عبر نشره المتعمّد لتقرير إعلامي يسلّط الضوء على حجم النفوذ الأميركي، وقدرة واشنطن على توجيه المشهد الحزبي الداخلي في إسرائيل، بل والتحكم في المستقبل الانتخابي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. هذه الخطوة لم تُصنَّف، في الإعلام الدبلوماسي، كمجرّد مشاركة عابرة لخبر صحافي، بل كرسالة استراتيجية ثقيلة الوزن، تُلوّح بها الإدارة الأميركية لفرض مقارباتها بشأن الملفات الإقليمية الساخنة، وسط تباين متزايد في الرؤى بين الحليفين.

وقد أثار هذا التقرير، الذي تحدّث عن قدرة واشنطن على هندسة التوازنات السياسية في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، موجة واسعة من التحليلات التي ربطت بين هذا السلوك الاتصالي وحالة التباعد البنيوي المتنامي بين واشنطن وحكومة نتنياهو. كما عزّز الانطباع بأن الدعم الأميركي التقليدي لإسرائيل قد تجاوز مرحلة متقدمة ليدخل طور المعاملة بالمثل والبراغماتية المصلحية، ولم يعد يُقدَّم بالصيغة التلقائية التي اعتادتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

وأوحى مضمون التقرير بأن تحالف ترامب ونتنياهو لم يعد قائماً على الدعم المطلق، بل خضع لعملية ضبط هيكلي تربط بين المظلة السياسية الأميركية ومدى تجاوب الحكومة الإسرائيلية مع استراتيجية واشنطن العليا المتعلقة بملفات التهدئة والترتيبات الإقليمية. وقد جاء ذلك كرد فعل احتوائي على تصاعد الانتقادات داخل إسرائيل للاتفاق الأميركي ـ الإيراني، لا سيما من وزراء اليمين الذين اعتبروا أن التفاهمات الجديدة تمنح طهران مكاسب استراتيجية ومجالاً حيوياً لا ينسجم مع حسابات الأمن القومي الإسرائيلي.

وحملت خطوة ترامب في طياتها رسائل متعددة الأبعاد، تمثّلت في تفعيل أوراق الضغط، والتأكيد أن واشنطن تمتلك أدوات تأثير ناعمة وخشنة في آنٍ معاً، يمكن توظيفها لتوجيه البوصلة السياسية في تل أبيب عند الضرورة. كما حملت تحذيراً من أن محاولات التعنّت أو عزل إسرائيل عن المسارات التي ترعاها الإدارة الأميركية ستترتب عليها أكلاف سياسية باهظة داخل البنية الحزبية الإسرائيلية، فضلاً عن إبداء الانفتاح على البدائل، عبر توجيه رسالة عميقة إلى النخبة السياسية الإسرائيلية بمختلف أطيافها، تؤكد أن الولايات المتحدة تتمتع بمرونة استراتيجية تتيح لها التعامل مع شخصيات بديلة إذا اقتضت التوازنات الإقليمية ذلك.

وتزامنت هذه الأجواء مع مكاشفة سياسية غير مسبوقة من جانب الإدارة الأميركية، إذ أكّد نائب الرئيس جيه دي فانس أن الولايات المتحدة تدير سياستها الخارجية وفقاً لمبدأ المصالح الوطنية الصرفة، مشدداً على أن المصالح الأميركية والإسرائيلية تشهد حالة من عدم التطابق الاستراتيجي في بعض الملفات الحيوية. وسعى، في الوقت ذاته، إلى نزع القداسة عن انتقاد سياسات حكومة نتنياهو، من خلال توضيح أن التباين مع الحكومة الحالية لا يعني تقويض التحالف العضوي مع إسرائيل، في تصريحات عكست مراجعة عميقة داخل أروقة صناعة القرار الأميركي.

وزادت تصريحات فانس من حرج الموقف الإسرائيلي عندما أشار بوضوح إلى حجم الارتباط العسكري واللوجستي والدعم الذي قدمته واشنطن لتل أبيب، وهو ما فُسّر على أنه تذكير بمستوى الاعتماد الإسرائيلي المرتفع على القوة الأميركية. وبحسب تقديرات الموقف الصادرة عن مراكز الأبحاث الإسرائيلية، فقد أحدثت هذه التصريحات هزّة في الأوساط السياسية، ما دفع حكومة نتنياهو إلى تبنّي استراتيجية الانحناء أمام عاصفة الغضب، وتجنّب السجالات العلنية تفادياً لتوسيع الفجوة.

وتكشف هذه التطورات المتلاحقة أن الخلاف بين الطرفين قد تجاوز التباينات التكتيكية المرتبطة بإدارة الأزمات الميدانية، ليتطوّر إلى صراع رؤى استراتيجية يتعلق بالهندسة الأمنية لمستقبل المنطقة. ففي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى ترسيخ ترتيبات إقليمية قائمة على خفض التصعيد واحتواء الصراعات وتبريد الجبهات، تواجه حكومة نتنياهو ضغوطاً ائتلافية داخلية تدفعها نحو خيارات الصدام وتبنّي مواقف أكثر راديكالية.

ورغم أن الحديث عن قطيعة استراتيجية بين واشنطن وتل أبيب يظل مستبعداً في المدى المنظور، نظراً إلى عمق العلاقات المؤسسية، فإن المؤشرات الراهنة تؤكد دخول العلاقات مرحلة إعادة صياغة القواعد، وهي مرحلة تتسم ببراغماتية أميركية صارمة واختبارات سياسية متبادلة، قد تبلغ ذروتها مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.