تتصدّر الاحتجاجات في فرنسا الاهتمامات، وقد تكون بمثابة جرس إنذار مبكر بأزمة سياسية واقتصادية أوسع تتشكّل ملامحها. ولفرنسا، بالطبع، تقليد راسخ في النزول إلى الشوارع، من المزارعين إلى أصحاب «السترات الصفراء».
لكن ما شهدناه خلال الأسابيع الأخيرة يبدو مختلفًا اختلافًا جوهريًا. فهذه الاحتجاجات تنبع من انهيار أساسي في العقد الاجتماعي الفرنسي: حكومة تُخفق في الاستثمار الفعّال في نظامها التعليمي، وتخصّص حصة متزايدة من أموالها للمتقاعدين، وتعتمد على قاعدة آخذة في الانكماش من العاملين الشباب لتمويل معاشاتهم، وتُخضع مواطنيها لسنوات من النمو الهزيل، والأهم أنها لا تقدّم مسارًا قابلًا للتحقيق نحو الازدهار والنمو، فيما تواجه، في الوقت نفسه، أزمة في القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة. وفي هذا السياق، ليس مستغربًا أن تمتلئ الشوارع بشباب فرنسا، إذ يعاني واحد من كل خمسة منهم البطالة.
وتكتسب الاحتجاجات أهمية إضافية لأنها تجري على خلفية صعود اليمين المتطرف سياسيًا. فمع اقتراب الانتخابات الفرنسية في نيسان 2027، فضلًا عن الاستحقاقات الانتخابية المتعاقبة في ألمانيا، ستسعى هذه الأحزاب إلى استثمار مشاعر الاستياء التي ولّدتها أعمال العنف المصاحبة للاحتجاجات، وإلى تنفيذ أجندتها المناهضة للهجرة إذا نجحت في ذلك.
ومن تداعيات تصدّع العقد الاجتماعي احتمال نشوب أزمة ديون ليس لها آلية خروج واضحة. فالنمو الاقتصادي ضعيف أصلًا إلى حدّ لا تستطيع معه الحكومة انتشال نفسها من هذه الهوّة عبر زيادة الضرائب؛ وتُظهر التظاهرات أن أي حزب لن يصمد طويلًا إذا حاول إجراء تخفيضات واسعة في الإنفاق الحكومي؛ كما التزمت باريس بمضاعفة إنفاقها الدفاعي بحلول العام المقبل، مقارنة بمستوياته في عام 2017، تحت وطأة الضغوط الآتية من موسكو وواشنطن معًا.
ويشكّك المستثمرون في قدرة فرنسا على حلّ هذه المشكلات، بالنظر إلى جمودها السياسي، ما يدفع تكاليف الاقتراض إلى مزيد من الارتفاع. ويستأثر الإنفاق العام بنحو 57 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي، مقابل 37 في المئة في الولايات المتحدة، بما يشمل حكومات الولايات والحكومات المحلية. ووفق تقرير أُعدّ بتكليف من الحكومة الفرنسية، تتّجه مدفوعات الفوائد السنوية في فرنسا إلى الارتفاع بنسبة 59 في المئة بحلول عام 2030.
وتواجه فرنسا والمملكة المتحدة معًا معضلة مدفوعات لا تسمح أوضاعهما المالية بتحمّلها، وتخفيضات لا تستطيعان تحمّل كلفتها السياسية، ونفقات لا يمكنهما تجاهلها من منظور جيوسياسي. وقد تمكّنت المملكة المتحدة، حتى الآن، من تجنّب أزمة اقتصادية، بفضل نمو أقوى نسبيًا وتدابير اتخذها مصرفها المركزي لتوفير سند لديونها. أما فرنسا، فلا تتوافر لها الأدوات نفسها كاملةً، وكذلك إيطاليا وبلجيكا، حيث اندلعت احتجاجات أيضًا هذا الشهر.
وتبلغ هذه التطورات مجتمعةً مرحلة حرجة، في سياق تحوّل مفاجئ في النهج الأميركي تجاه روسيا، تترتّب عليه تداعيات كبيرة على أوروبا وأمنها. فخلال الأسابيع القليلة الماضية، أعفى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، روسيا من تطبيق قانون جديد يحظى بدعم الحزبين، ويفرض عليها عقوبات ثانوية جديدة، وأبرم صفقة لشراء الديزل الروسي. وإضافة إلى ذلك، واصل ترامب التعبير عن استيائه من الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، قائلًا: «روسيا، بصراحة، كانت تتصرّف على نحو مقبول في ما يتعلق بأوكرانيا» – بما بدا تقليلًا من شأن الهجمات شبه المتواصلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة على المدن الأوكرانية الكبرى وبنيتها التحتية.
وأضاف المبعوث الأميركي الخاص، ستيف ويتكوف، إلى ذلك إشادة بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، واصفًا إياه بأنه «إنساني»، لإفراجه عن المواطن الأميركي، ستيفن هوبارد، وهو معلّم متقاعد من ولاية ميشيغان يبلغ الرابعة والسبعين، اتُّهم بالقتال مرتزقًا إلى جانب أوكرانيا، وحُكم عليه بالسجن ست سنوات في مستعمرة عقابية روسية.
وقد أوصلتنا هذه الإجراءات والتصريحات إلى أدنى مستوى في العلاقات الأميركية ـ الأوكرانية منذ اجتماع المكتب البيضاوي سيّئ الذكر، في مطلع عام 2025، الذي قيل فيه لزيلينسكي: «ليست لديك أوراق القوة». وما تخلص إليه أوروبا من ذلك هو إدراكها، مجددًا، أن الولايات المتحدة لا تزال تتمتّع بنفوذ استثنائي في مسار هذه الحرب، رغم أنها لا تقدّم مباشرةً حزمًا من المساعدات العسكرية.
أما كل الحديث عن إعادة تسليح أوروبا، فلا يزال، في هذه المرحلة، كلامًا في جوهره. وستمرّ سنوات قبل أن تثمر هذه الاستثمارات قدرات تستطيع التعويض عن تراجع الالتزام الأميركي. وإلى أن يحين ذلك اليوم، ستبقى الولايات المتحدة القوة الخارجية الوحيدة القادرة على التأثير بصورة ملموسة في مآل الحرب.
فهل يكفي هذا التضافر العاصف للتحديات الاقتصادية والسياسية وتحديات الأمن القومي، أخيرًا، لتحفيز القادة الأوروبيين على اتخاذ الخطوات التي يعرفون منذ زمن طويل أنها ضرورية؟ ومن بينها تنفيذ إصلاحات اقتصادية، وتوحيد القاعدة الصناعية العسكرية الأوروبية، والعمل المشترك بفاعلية وبقدر من الاستقلالية.
سيتوقّف ذلك، جزئيًا، على قدرة هذه الديمقراطيات الغربية على معالجة اختلال أدائها السياسي. فالمملكة المتحدة تشهد سادس رئيس للحكومة خلال عشر سنوات، فيما بلغ عدد رؤساء الحكومات في عهد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، سبعة.
والحال أنه من أجل مصلحتها، ومصلحتنا كذلك، تحتاج أوروبا إلى معالجة مواطن الضعف البنيوية التي تغذّي الاحتجاجات والتبعية الجيوسياسية معًا. لكن إلى أن ترتّب دولها أوضاعها الداخلية، فشتاء طويل ينتظرنا جميعًا.
ترجمة بتصرّف
بقلم / مايكل فرومان – رئيس مجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
