استثناء المستشفيات من قطع الكهرباء… حماية للمرضى أم مظلّة للهدر؟

خاص «بيروت 2030»

في 23 تشرين الأول 2026، صدر قرار عن مؤسسة كهرباء لبنان بقطع التغذية عن الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات التي لم تسدّد فواتيرها، على أن يبدأ التنفيذ صباح الاثنين، 2 تشرين الثاني 2026، فيما استُثنيت المستشفيات الحكومية من إجراء القطع لأسباب إنسانية.

ويستدعي هذا القرار توضيح نطاق الاستثناء الممنوح للمستشفيات الحكومية وحدوده، والتمييز بين استمرار تزويدها بالكهرباء، حفاظاً على الخدمات الصحية وحياة المرضى، وبين أي إعفاء محتمل من تسديد الفواتير المتوجّبة عليها. فالخلط بين الأمرين قد يفضي إلى استنتاجات لا يسندها مضمون القرار.

ومن الناحية القانونية، ثمة فرق جوهري بين استثناء المستشفيات من قطع التغذية وإعفائها من الديون. والاستثناء، بحدّ ذاته، لا يثبت وجود إعفاء مالي، ولا يكفي لاعتبار المستحقات ساقطة أو غير واجبة السداد. لذلك، تقتضي الشفافية إعلان الأساس القانوني للقرار، وتحديد آليات تطبيقه ومتابعة تحصيل المبالغ المتوجّبة على الجهات المستثناة من القطع.

وتضاف إلى ذلك معلومات متداولة عن إمداد جهات أخرى بالكهرباء عبر خطوط تابعة لبعض المستشفيات الحكومية. وهي معلومات تستوجب التحقّق من صحتها، وتحديد طبيعة هذه التوصيلات، إن ثبت وجودها، والجهات المستفيدة منها، ومدى قانونيتها، والطرف الذي يتحمّل كلفة استهلاكها. كما تستدعي بيان آليات مراقبة هذه الممارسات والتدقيق فيها، ومحاسبة المسؤولين عن أي تجاوز يثبت وقوعه.

ولا يقتصر الملف على استهلاك الكهرباء أو تسديد فواتيرها؛ فثمة ملفات إدارية ومالية، وشبهات فساد وهدر للمال العام تُثار بشأن بعض المستشفيات الحكومية، بما يستوجب إخضاعها لتدقيق الجهات الرقابية المختصة، والتحقيق في الوقائع والمستندات، وتحديد التجاوزات ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عنها.

وإذا كانت الدولة جادّة في تحصيل حقوقها وحماية مواردها، فإن ذلك يقتضي تطبيق القانون على الجميع، والتدقيق في حسابات المستشفيات الحكومية ونفقاتها وأداء إداراتها، مع مراعاة خصوصية دورها الصحي، ومن دون أن تتحوّل هذه الخصوصية إلى مظلّة لاستثناءات غير مبرّرة أو محسوبيات.

وفي هذا الإطار، ينبغي توضيح حدود صلاحيات مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان في التعامل مع المستحقات المتوجّبة على المؤسسات العامة، ولا سيما التمييز بين اتخاذ إجراء يتعلق باستمرارية التغذية وبين اتخاذ قرار يمسّ أصل الدين أو تحصيله. وأي إعفاء مالي، إن وُجد، يستلزم بيان سنده القانوني، والمرجع المخوّل إقراره، وآثاره على المال العام، والمسؤوليات المترتّبة على أي تجاوز للصلاحيات أو تفريط بحقوق المؤسسة.

كما تقع على وزير الطاقة، ضمن صلاحياته، مسؤولية متابعة هذا الملف وتوضيح الإجراءات المعتمدة بشأنه، فيما يُنتظر من أجهزة الرقابة المختصة التحقّق من سلامة القرارات والتدابير المتخذة، ومراقبة الاستهلاك والتحصيل، وحماية المال العام من أي استخدام غير مشروع أو إنفاق غير مبرّر.

إن مراعاة المستشفيات الحكومية لأسباب إنسانية أمر، وإعفاءها من التزاماتها المالية أمر آخر. فالحفاظ على استمرارية التغذية الكهربائية في المرافق الصحية لا يعني إسقاط حقوق مؤسسة كهرباء لبنان، ولا يبرّر التغاضي عن مخالفات محتملة في الاستهلاك أو التوصيلات أو إدارة الموارد.

والمطلوب ضمان استمرار الكهرباء في المستشفيات، بالتوازي مع إخضاع إداراتها وحساباتها للرقابة والمساءلة، ووضع آلية واضحة لمعالجة المستحقات وتسديدها، بما يصون حقوق المرضى ويحمي المال العام.

فالمساواة أمام القانون تقتضي أن تكون الاعتبارات الإنسانية أساساً لحماية الخدمة الصحية، وأن تبقى الالتزامات المالية والمسؤوليات الإدارية خاضعة لقواعد واضحة ومعلنة. وتكتمل هذه الحماية بمحاسبة كل من يثبت تجاوزه، أياً كان موقعه، ومنع تحويل الاستثناء من القطع إلى استثناء من الرقابة أو المساءلة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.