تُتقن بعض السلطات فنّ تسويق الأوهام، فتغلّف الوعود بشعارات برّاقة، وتعرض المساعدات والهبات كأنها عطايا سخيّة بلا ثمن. غير أن التاريخ والواقع يثبتان، مراراً، أن السياسة لا تعرف المجّان، وأن وراء كل باب يُفتح بكرم ظاهري مصالح كامنة تنتظر لحظة استحقاق الفاتورة. فالسياسة الدولية لا تُدار بالقلوب الرحيمة ولا بالنيّات الحسنة، بل تحكمها الحسابات وموازين القوى. وما يُقدَّم اليوم تحت عناوين برّاقة، مثل «الشراكات الاستراتيجية»، قد يكون ثمناً مقدّماً لنفوذ طويل الأمد، ومدخلاً إلى سلب سيادة القرار تدريجياً.
«لا جبنة بالمجّان إلا في المصيدة»؛ ليست هذه العبارة مجرد مثل شعبي ساخر، بل تختصر حقيقة سياسية ينبغي أن يدركها كل حاكم يعتقد أن بإمكانه الحصول على المكاسب من دون تقديم تنازلات أو الارتهان للقوى التي تمدّ إليه يد العون. ففي عالم المصالح، لا تتحرّك الدول بدافع العاطفة وحدها، ولا توزّع القوى الكبرى هداياها حبّاً بالشعوب، بل تبحث عن النفوذ والمواقع الاستراتيجية والأسواق والموارد، وقد تجد في حاجة الدول الضعيفة فرصة لفرض شروطها وتوسيع هيمنتها.
وتكشف تجارب بعض البلدان كيف يمكن أن تتحوّل المساعدات إلى قيود، والقروض إلى أعباء تثقل كاهل الأجيال، والاتفاقيات إلى أبواب خلفية للتدخّل في القرار الوطني. يبدأ الأمر بوعود الإنقاذ والاستقرار، ثم تتكشّف الشروط تباعاً، فتُفرض سياسات لا تنسجم مع مصالح المواطنين، وتُنتزع تنازلات تمسّ السيادة الاقتصادية والسياسية والأمنية، فيما يُطلب من الشعب أن يتحمّل النتائج ويدفع ثمن قرارات لم يكن شريكاً في صنعها. وهكذا، يتحوّل وعد الدعم المالي أو السياسي من أداة إنقاذ مؤقتة إلى شكل من أشكال «الاستعمار الناعم»، يحمل شروطاً تعجيزية وأجندات تُفرغ الدولة من مضمونها السيادي، لتغدو مجرد هيكل إداري فاقد القدرة على تقرير مصيره.
لكن المسؤولية لا تقع على القوى الخارجية وحدها؛ فالاستبداد والفساد يشكّلان الحليف الخفي لأي تدخّل خارجي. وكلما تآكلت الشرعية الداخلية وضعفت المؤسسات، ازدادت شهية القوى الإقليمية والدولية لاختراق الحصانة الوطنية. وهنا تكمن المفارقة: فمن يرفع شعار السيادة في خطاباته قد يكون أول من يفرّط بها حين تضيق به الخيارات.
والأخطر أن بعض الحكّام لا يكتفون بقبول المصيدة، بل يحاولون إقناع شعوبهم بأنها طوق نجاة، فيصوّرون التبعية شراكة، والتنازل حكمة، والعجز واقعية سياسية. ولا يقتصر الأمر على التنازلات المادية، بل يمتدّ إلى حرب نفسية تستهدف وعي المواطنين، عبر إقناعهم بأن الحديث عن الكرامة مجرد «لغة خشبية» أو معادلة جامدة لا تليق بعصر البراغماتية، وبأن الخضوع هو الثمن الحتمي للبقاء على قيد الحياة. وهكذا، تُستخدم الأزمات لتبرير مزيد من الارتهان، بدلاً من أن تكون دافعاً إلى إصلاح الدولة، واستعادة الثقة، وبناء اقتصاد يحمي القرار الوطني من الضغوط الخارجية.
إن الحكمة السياسية لا تعني رفض كل مساعدة أو الانغلاق على الذات، بل تقتضي فهم ما وراء العروض، وقراءة ما بين سطور الاتفاقيات، والتمييز بين شراكة تحفظ المصالح المتبادلة وصفقة تُخفي أثماناً باهظة. فالدول القوية لا ترفض التعاون، لكنها تفاوض من موقع القدرة، وتحمي مصالحها بالمؤسسات والقانون والشفافية، لا بالعبارات والوعود والمقولات وحدها.
إلى الحكّام الكرام: لا تنخدعوا ببريق الجبنة المجانية، ولا تبيعوا مستقبل شعوبكم مقابل مكاسب مؤقتة تُنقذ سلطتكم اليوم وتُغرق أوطانكم غداً. فالتاريخ لا يحاسب الحاكم على ما تلقّاه من هبات فحسب، بل أيضاً على ما قدّمه في المقابل، وما تركه لشعبه من سيادة وكرامة وموارد.
تذكّروا دائماً أن أخطر المصائد ليست تلك التي تُنصب للضعفاء، بل تلك التي يدخلها الحكّام بإرادتهم، ثم يكتشفون متأخرين أنهم لم يكونوا أصحاب الصفقة، بل كانوا ثمنها. فالأوطان لا تُبنى على فتات الموائد، ولا تُحرس بالوعود السخيّة، بل بصدق حكّامها وجهد أبنائها. وحين يختار الحاكم أن يكون أداة في صفقات الآخرين، فإنه لا يحفر قبر سلطته فحسب، بل يكتب بيده الفصل الأخير من كرامته وكرامة أمّة كاملة.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
