ربما دخلنا للتو عصرًا جديدًا.
تخيّل نهرًا، أو إعصارًا، أو حتى الهواء من حولنا. كل هذه الظواهر تحكمها حركة السوائل والغازات، وتحاول معادلات نافيي – ستوكس وصف هذه الحركة رياضيًا.
لكن المشكلة الكبرى ليست في كتابة المعادلات، بل في سؤال ظلّ يحيّر علماء الرياضيات لأكثر من قرن: إذا بدأ السائل بحركة منتظمة، فهل تبقى حركته منتظمة ومسيطرًا عليها إلى الأبد؟ أم يمكن أن تصل سرعة الحركة أو قوة الدوران، خلال وقت محدود، إلى مستويات لا حدود لها؟
بعبارة أبسط: هل يمكن أن يبدأ الماء بحركة طبيعية، ثم تتطور الدوامات داخله بطريقة تجعل المعادلات نفسها غير قادرة على وصف ما يحدث بشكل منتظم؟
هذه ليست مسألة عادية. فقد أصبحت واحدة من مسائل الألفية السبع، ورُصدت جائزة قدرها مليون دولار لكل مسألة لمن يقدم حلاً رياضيًا مقبولًا.
والخبر المثير اليوم هو دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذه المساحة. فقد أعلنت OpenAI أن نظامًا للذكاء الاصطناعي تمكّن من إنتاج برهان يتعلق بمشكلة نافيي – ستوكس، ثم جرى التحقق منه بصورة رسمية باستخدام أدوات للتحقق الرياضي.
لكن الأهم من المسألة نفسها هو ما تعنيه هذه الخطوة.
للمرة الأولى، نقترب من نموذج لا يكتفي فيه الذكاء الاصطناعي بالإجابة عن الأسئلة التي نطرحها، بل يستطيع أن يساعد في البحث عن إجابات لم نكن نعرف كيف نصل إليها.
إذا أكدت المراجعة العلمية المستقلة هذه النتيجة، فقد لا يكون هذا مجرد إنجاز في الرياضيات. قد يكون بداية عصر تصبح فيه الآلة شريكًا في اكتشاف المعرفة الجديدة, في الرياضيات والفيزياء والهندسة والطب والطاقة وغيرها.
لكن في النهاية، هذه ليست قصة عن الآلة وحدها. إنها قصة عن الإنسان وقدرته على توسيع حدود المجهول.
فالذكاء الاصطناعي لا يمنحنا قيمة لأنه يستطيع أن يحل محل الإنسان، بل لأنه قد يمنح الإنسان شيئًا أكثر أهمية: وقتًا أكبر للتفكير، وأدوات أقوى للسؤال، وقدرة أوسع على استكشاف ما كان يبدو مستحيلًا.
وربما يكون أعظم إنجاز للذكاء الاصطناعي ليس أن يصبح أذكى منا، بل أن يساعدنا نحن على أن نرى أبعد مما كنا نستطيع أن نراه وحدنا.
وهنا، ربما، يبدأ العصر الجديد.

مو حيدر
الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة ديالكسا سابقاً.
