الإسم الذي لم أفهمه

في عام 2005، كنت في التاسعة عشرة من عمري، أمشي من مدرستي إلى مدرسة نهاد.

في ذلك اليوم، اغتيل رفيق الحريري.

كانت بيروت تهتز. كنت أعرف اسمه، لكنني لم أكن أفهم حقًا من كان، ولا ما الذي كان يحاول أن يبنيه، ولا حجم المشكلة التي كان يحاول حلّها.

فهمت ذلك بعد سنوات.

لم يكن الحريري يحاول فقط إعادة إعمار ما دمرته الحرب الأهلية. كان يحاول إعادة وصل لبنان بالعالم، وخلق فرص اقتصادية، والاستثمار في التعليم، وإعادة لبنان إلى موقعه في المجتمع الدولي.

وكان يمتلك قدرة نادرة على بناء علاقات مع أقوى قادة العالم، وأن يجعل من قضية لبنان قضية تُسمع في غرف لا يصل إليها لبنان.

لبنان لم يخسر رئيس وزراء فقط. خسر رجلًا كان قادرًا على حمل قضايا لبنان إلى أماكن لم يكن للبنان فيها مقعد.

وبعد سنوات، وجدت نفسي في واشنطن، داخل جامعة جورجتاون، أمشي مع نهاد وأولادنا.

ورأيت اسمه: مبنى رفيق ب. الحريري

توقفت.

ليس في بيروت. ليس في لبنان. بل في واحدة من أعرق الجامعات الأميركية، في قلب واشنطن.

اسم لبناني محفور على مبنى أكاديمي يعلّم أجيالًا جديدة من قادة الأعمال.

وبينما كنت واقفًا بالقرب من البوابة الرئيسية، مرّت أمامي مجموعة من الطلاب الجدد في جولة تعريفية بالجامعة. اقتربت منهم، وبقيت أستمع إلى المرشد وهو يشرح لهم عن الحرم الجامعي.

ثم قال: «This is the Rafik Hariri Building, for business».

وقفت هناك أستمع إلى اسمه، وشعرت بفخر لا أستطيع وصفه.

تخيلت أن اسم رفيق الحريري سيُذكر كل يوم، أمام طلاب من جنسيات وأعراق وثقافات مختلفة، في قلب واشنطن، داخل واحدة من أهم الجامعات الأميركية.

طلاب قد لا يعرفون لبنان أصلًا، سيسمعون اسمه، وسيتساءلون يومًا: من كان رفيق الحريري؟ ومن أين جاء؟ وماذا فعل؟

وهذا، بالنسبة لي، شكل آخر من أشكال الخلود.

في تلك اللحظة، التقت حياتان.

ذلك الشاب ابن التاسعة عشرة، الذي كان يمشي في بيروت المرتجفة ولم يكن يملك سوى حلم، والرجل الذي يقف اليوم مع زوجته وأولاده بأمان في أميركا، ويستمع إلى اسم لبناني يُذكر بفخر في جامعة أميركية.

المأساة الأكبر لم تكن فقط اغتيال رفيق الحريري. المأساة كانت أننا لم نفهم ما الذي كنا نخسره.

فقد لبنان رجلًا كانت لديه القدرة على بناء الجسور مع العالم، وعلى تحويل علاقاته الشخصية وإمكاناته إلى نفوذ يخدم بلده.

لكن السؤال الذي يبقى اليوم ليس: كيف نعيد رفيق الحريري؟ بل: من سيجرؤ على حمل مشكلة كبيرة بما يكفي ليعيد بناء لبنان؟

لأنني أؤمن أن أهمية الإنسان لا تُقاس بما يملك، ولا بالمنصب الذي يشغله، بل بحجم المشكلة التي يختار أن يتحمل مسؤولية حلّها.

رفيق الحريري لم يكن يحاول فقط إعادة بناء لبنان بعد الحرب.

كان يحاول أن يجعل لبنان قادرًا على الوقوف في العالم من جديد.

واليوم، وأنا أقف أمام اسمه في جورجتاون، مع زوجتي وأولادي، فهمت أن الحريري لم يكن مجرد اسم على مبنى. كان اسم لبنان يُذكر كل يوم، بأصوات من مختلف الجنسيات والأعراق، في قلب واشنطن.

وهذا، بالنسبة لي، فخر لبناني لا يوصف.

مقالات الكاتب

مو حيدر

الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة ديالكسا سابقاً.