أحداث 11 أيلول: تداعيات وعِبر

عن الصحافة الغربية

في الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات الحادي عشر من أيلول 2001، تتاح لنا فرصة للتأمل في ما آلت إليه أحوالنا وأحوال العالم، وفي دور الولايات المتحدة فيه، على امتداد العقدين والنصف اللذين أعقبا تلك الهجمات.

من حقنا، بل من واجبنا، أن نصرّ على ألّا ننسى. لكننا نفترض، خطأً، أنّ النسيان ممكن أصلًا بالنسبة إلى بعضنا. ليس كذلك، ولا سيما أنّ أشياء كثيرة تغيّرت جذريًا استجابةً للأحداث تلك. وفي مجالات حاسمة، بالكاد يشبه عالم اليوم العالم الذي سبقها.

أولًا، وعلى نحو هو الأوضح، انخرطت الولايات المتحدة في مشروع استمر عقدين لتعقّب المسؤولين عن الهجمات ومعاقبتهم، وإعادة تشكيل المنطقة التي أتاحت لأيديولوجيتهم أن تتجذّر. وخلال الأشهر الأولى، ثم السنوات التي تلت، أظهرت الولايات المتحدة قوة جيشها وشجاعة مواطنيها، فيما كانت تتعلّم، على نحو مؤلم، ما تنطوي عليه مكافحة الإرهاب وبناء الدول من تحديات وتعقيدات.

ما بدأ بإزاحة حركة طالبان عن السلطة في أفغانستان بنجاح، وتشكيل حكومة انتقالية جديدة، سرعان ما أفسح المجال لعقود من عدم الاستقرار والتمرّد، انتهت بعودة طالبان. لقد ربحنا المعركة، لكننا خسرنا الحرب فعليًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنّنا حمّلنا أنفسنا أكثر مما نحتمل. أما غزو العراق، الذي بُرّر بمعلومات استخباراتية ضعيفة وسط الخوف والقلق اللذين أعقبا أحداث 11 أيلول، فقد دفع الولايات المتحدة، ناهيك بالعراق وجيرانه، إلى مسار مستنزِف ومدمّر وصارفٍ للانتباه.

وبينما كنّا منشغلين بإعادة بناء أفغانستان ثم العراق، كنّا نخوض أيضًا عملية لإعادة تشكيل بلدنا نفسه، سياسيًا وماديًا على السواء.

في موقع الهجمات بجنوب مانهاتن، تطوّع آلاف من سكان نيويورك لإزالة الأنقاض والبحث عن الناجين والأحبّة. وقد أظهرت وحدة ذلك الوقت، في نيويورك وفي سائر أنحاء البلاد، والمولودة من الألم والوطنية بمقدار متساوٍ، أفضل ما في هذا البلد. وكانت كذلك لحظة تضامن دولي.

ثم، في الوقت نفسه، كان ثمة تحوّل أكثر ديمومة يتشكّل في واشنطن العاصمة وفي مختلف أنحاء البلاد. فقد جعلنا إنشاء وزارة الأمن الداخلي، وتطبيق قانون «باتريوت»، وتوسيع أجهزة الاستخبارات، أكثر أمنًا في مواجهة التهديدات الخارجية. لكن حياتنا السياسية أصبحت أشد احتدامًا وأقل ثقة: إذ سرعان ما أفسحت روح الوحدة الوطنية المجال للارتياب المتبادل وتراجع الثقة بالحكومة والمؤسسات المرتبطة بها، من الصحافة إلى المجتمع المدني.

أما دور أميركا في العالم اليوم، فهو أيضًا، جزئيًا، نتاج أحداث 11 أيلول والحروب التي تلتها. إذ عشية الهجمات، كانت الولايات المتحدة تنعم بمكاسب السلام، اقتصاديًا وجيوسياسيًا على السواء. وقد ترك انهيار الاتحاد السوفياتي الولايات المتحدة قوةً عظمى وحيدة، لا ينازعها أحد، ومن ثمّ لا يكبحها أحد. لكن حربين «لا نهاية لهما» أتاحتا للقوى الصاعدة، أو تلك التي تستعيد نفوذها، فرصةً لإعادة ترتيب ميزان القوى العالمي؛ وما زلنا نعيش اليوم تداعيات ذلك الممتدة.

لا يمكن اختزال التحولات المعقدة في ميزان القوى خلال القرن الحادي والعشرين في سبب واحد. من صعود الصين، والسلوك العدائي لروسيا، والأزمة المالية العالمية، إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وجائحة كوفيد-19، وإصرار الرئيس دونالد ترامب على طرح أسئلة جوهرية بشأن الطريقة التي تنخرط بها الولايات المتحدة في العالم؛ كلها عوامل قلبت النظام القائم وأسهمت في تشكيل هذا المشهد الدولي الجديد.

في الأيام والأسابيع التي تلت أحداث 11 أيلول، سارع كثيرون إلى استحضار هجوم بيرل هاربر. فمنذ السابع من كانون الأول 1941، وهو تاريخ آخر راسخ في الذاكرة الوطنية الجماعية، لم تتعرّض الولايات المتحدة لهجوم مباغت بهذه الدرجة من الكارثية. وزاد مقتل نحو ثلاثة آلاف مدني في قلب المدن الأميركية من وطأة الصدمة والغضب. غير أنّ أميركا ما بعد بيرل هاربر اختلفت، في جوانب جوهرية، عن أميركا ما بعد 11 أيلول.

فبعد بيرل هاربر، جرى حشد البلاد بأكملها: استُدعي مئات الآلاف للخدمة العسكرية ليقاتلوا ويموتوا في آسيا وأوروبا، وأُعيد تجهيز المصانع لإنتاج الطائرات المقاتلة والسفن الحربية، وتحول الاقتصاد المحلي إلى اقتصاد حرب. لقد كان حجم التحدي والالتزام هائلًا، وهو غيّر الحياة اليومية لكل فرد.

لكن، مهما بلغت التحولات العميقة التي أحدثتها هجمات 11 أيلول في البلاد، عاد معظم الأميركيين إلى حياتهم الطبيعية بعد وقت قصير. وسرعان ما ترسخت هذه العودة إلى الحياة الطبيعية في تقبّل حرب استنزاف طويلة، ومطاردة الإرهابيين، وإعادة بناء الشرق الأوسط؛ وكلها أمور كانت بعيدة ماديًا وعاطفيًا عن معظم الأميركيين، ما أتاح للحروب التي وُصفت بأنها «لا نهاية لها» أن تكتسب فعلًا طابع الاستمرار بلا نهاية. ومع ذلك، ترتبت على أحداث 11 أيلول وتداعياتها أكلاف هائلة في الداخل والخارج، طالت قوتنا الاقتصادية ونفوذنا الجيوسياسي، فضلًا عن سياستنا الداخلية وثقافتنا الوطنية.

وتبرز من خلال ذلك دروس واضحة عدّة.

أولًا، علينا أن نضمن التفكير على نحو واسع ومبتكر في أنواع التهديدات التي نواجهها يوميًا، وفي كيفية تغيّرها باستمرار. فإرساء الأمن في الداخل يقتضي إدراك تنوّع التهديدات، بما فيها خطر الإرهاب الداخلي والإرهاب ذي الدوافع السياسية.

ثانيًا، من المهم أن نتذكر أنّ أحداث 11 أيلول شكّلت أيضًا منعطفًا تكنولوجيًا. فقد كانت فكرة تحويل طائرات الركاب إلى أسلحة ابتكارًا صادمًا لم يكن بوسع كثيرين توقّعه على نحو معقول. واليوم، تتيح وتيرة التقدم التكنولوجي واتساع نطاق الوصول إلى التقنيات الأكثر تقدمًا فرصًا هائلة، لكنها تطرح أيضًا مجموعة جديدة من التهديدات التي ينبغي أن نستعد لها. فوفقًا لجون ماكلولين، المدير السابق بالإنابة لوكالة الاستخبارات المركزية، أحدثت أحداث 11 أيلول كذلك تحوّلًا جذريًا في طبيعة الحرب. إذ من تكنولوجيا الطائرات المسيّرة إلى القدرات السيبرانية الجديدة، أرغمتنا تلك الأحداث على تغيير فهمنا للتهديدات والابتكار على السواء.

وأخيرًا، جعل سوء تنظيم المؤسسات الحكومية تبادلَ المعلومات الاستخباراتية الحاسمة بشأن التهديد الذي مثّله تنظيم القاعدة قبل 11 أيلول أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا. ومن الحيوي أن يفكر العاملون داخل الحكومة وخارجها، بصورة مبتكرة واستباقية، في كيفية ضمان قدرة واشنطن على مواكبة المشهد الأمني المتغيّر.

ثمة أمر واحد واضح هنا: لا يسعنا أن نركن إلى الاطمئنان، ولا سيما في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة، إزاء تغيّر موازين القوى، وطبيعة التهديدات المتطورة، وبنية الحكومة والأدوات والتكنولوجيا اللازمة لضمان أمننا القومي. بالطبع، لا ينبغي أن نحتاج إلى ذكريات سنوية لمآسٍ كهذه كي نتذكر ما سبق، لكن علينا ألّا ندعها تمرّ من دون وقفة تأمّل.

 

ترجمة بتصرف
بقلم / مايكل فرومان – رئيس مجلس العلاقات الخارجية

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.