تستمر السلطة المالية والسياسية في الترويج لمشروعات وأطر تصفها بـ«إعادة الانتظام المالي» و«سداد الودائع»، متوّجةً خططها بما بات يُعرف بسقف المئة ألف دولار، تُسدَّد بالتقسيط على سنوات طويلة، وكأن أرزاق الناس وعرق عمرهم مجرد إحسان يُصرف بالقطّارة! إنها مهزلة خطط التعافي المالي التي تطلب من المواطن المسلوب أن يرضى بقشرة من حقوقه، فيما تترك المتسبّبين الحقيقيين بالكارثة يسرحون ويمرحون، بل يُصنَّفون «شركاء في حل الأزمة».
معادلة النهب: خذوا 5% من أموالنا… ولكن أين العقاب؟
تتجلّى الغرابة الاقتصادية والأخلاقية في الآلية المطروحة لمعالجة الفجوة المالية؛ فبدلًا من المسارعة إلى تطهير القطاع المصرفي وإقرار مبدأ المحاسبة الشاملة، تُطرح حلول تسوية تمحو خسائر بالمليارات، وتمرّر عمليات اقتطاع «هيركات» مستترة وضخمة عبر الزمن والتقسيط والتضخّم.
لو خُيِّر المودع الذي صُودر منه جنى عمره بين خطة تقسيط عاجزة تُبخس فيها قيمة وديعته، وبين استقطاع مباشر، ولو بلغت نسبته 5% أو أكثر، بشرط واحد لا مساومة فيه: أن تُستردّ بقية حقوقه، وأن تُربط هذه التضحية بإحالة كبار العابثين بالنظام المالي والمصرفي إلى المحاكم وإيداعهم السجون؛ لاختار العدالة فورًا.
فالأزمة لم تكن يومًا أزمة شحّ سيولة عابرة، بل كانت عملية نهب ممنهجة أُديرت عبر شبكات من الهندسات المالية المشبوهة، وتواطؤ بين سلطة سياسية جشعة وأصحاب مصارف استسهلوا المخاطرة بأموال الناس بحثًا عن الفوائد الخيالية والمكاسب الشخصية.
المحاسبة أولًا: لا قيام لدولة ترهبها الكارتيلات
تعلّمنا تجارب الدول التي خرجت من انهيارات مالية عميقة، من آيسلندا إلى كوريا الجنوبية، أن البداية الحقيقية لأي استقرار لا تكون بـ«تصفية الودائع»، بل بـ«تصفية الإفلات من العقاب».
كيف لدولة أن تدّعي أنها قوية أو قادرة على بناء اقتصاد جديد ومستدام، فيما يعجز قضاؤها عن المساس بمجلس إدارة مصرف واحد، أو التحفّظ على أموال وأصول من تسبّبوا بتبديد عشرات المليارات؟
إن بناء الدولة القوية يستند إلى ثلاثة أركان لا غنى عنها:
- العدالة الناجزة وتطبيق القانون: لا مكان للشريف في اقتصاد يكافئ الفاسد ويعاقب الملتزم. إن محاكمة كبار المتسبّبين بالفجوة المالية، وإلزامهم بالتعويض من ثرواتهم وأصولهم الخاصة وأموالهم المهرَّبة إلى الخارج، هما الشرط الأول لاستعادة هيبة الدولة.
- استعادة الثقة: لن يدخل دولار واحد إلى شريان الاقتصاد المحلي عبر القطاع المصرفي ما دامت الوجوه والآليات نفسها التي أدارت الانهيار تتصدّر مشهد «الإصلاح».
- توزيع الخسائر بتدرّج عادل (Bail-in): يبدأ بامتصاص خسائر القطاع من رؤوس أموال أصحاب المصارف والمساهمين، أولًا وقبل كل شيء، بدلًا من تحميل العبء الأكبر للجمهور والمودعين من خلال اقتطاعات طويلة الأمد.
الاقتصاد لا ينمو على جثث حقوق المواطنين
إن العبث بالأمن المالي لبلد ما لا يقلّ خطورة عن العبث بأمنه العسكري والسياسي؛ فهو يهدّد الاستقرار الاجتماعي، ويدمّر الطبقة الوسطى، ويدفع بالكفاءات إلى الهجرة. وما لم تستردّ الدولة قرارها وتفرض هيبتها، من خلال استقلال القضاء ومحاسبة كل من تلطّخت أيديه بأموال الناس، ستظلّ خطط التعافي المطروحة مجرّد مسكّنات تجميلية و«مهزلات» رقمية لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
النهوض المالي يبدأ بقرار جريء: سجن من عبث باقتصاد الوطن، واستعادة الحقوق كاملةً غير منقوصة.

حاتم رشيد حاتم
محاسب قانوني مجاز. مدقّق حسابات خارجي وجنائي، ومستشار مالي وضريبي.
