أرمينيا: الكنيسة التي حفظت هوية شعبها تواجه امتحان التاريخ (1/3)

من المسيحية الأولى إلى خريطة الكنائس والأديان: كيف أصبحت الكنيسة الرسولية قلب الأمة الأرمنية؟

لم تكن المداخلة التي قدّمها الأب غيفورغ فاردانيان، ممثّل أبرشية الكنيسة الأرمنية الرسولية في روسيا وناخيتشيفان، خلال المنتدى الدولي الثاني عشر «الدين والسلام» في موسكو، مجرّد مشاركة كنسية في لقاء مخصّص للحوار الديني. فقد فتحت كلمته نافذة على أزمة تتفاعل داخل أرمينيا، وتتجاوز تداعياتها حدود العلاقة بين الحكومة والقيادات الروحية، لتطرح أسئلة تتصل بتاريخ الكنيسة ومكانتها في الهوية الوطنية الأرمنية.

وسبقت مداخلةَ الأب فاردانيان كلمةٌ لمدير الجلسة تناولت التوترات القائمة بين السلطات السياسية والقيادات الكنسية في أرمينيا، وأشارت إلى إجراءات قضائية طالت عدداً من رجال الدين. ثم عبّر الأب فاردانيان عن قلقه إزاء أوضاع الكنيسة الأرمنية الرسولية، معتبراً، من وجهة نظره، أن التطورات الراهنة تمسّ التراث الروحي والهوية الدينية للشعب الأرمني.

وأثارت هذه المداخلة اهتماماً بالمسألة الكنسية الأرمنية داخل المنتدى، وشكّلت، بالنسبة إلى هذه السلسلة الصحفية، نقطة انطلاق للبحث في واقع مؤسسة دينية يتجاوز تاريخها سبعة عشر قرناً، وارتبطت، عبر مراحل طويلة، بحماية اللغة والثقافة والذاكرة الجماعية للأرمن.

فكيف أصبحت الكنيسة التي حفظت هوية شعبها خلال الحروب والتهجير والاضطهادات التاريخية في مواجهة مع السلطة السياسية في الدولة الأرمنية المستقلة؟ وما موقع الكنيسة الرسولية بين سائر الكنائس والأديان الموجودة في البلاد؟ وهل يمكن فهم الأزمة الراهنة من دون العودة إلى الجذور التي جعلت المسيحية عنصراً تأسيسياً في الهوية الأرمنية؟

تنطلق هذه السلسلة من تلك الأسئلة، لا للحكم مسبقاً على طرفَي المواجهة، بل لفهم حجم القضية التي أثارها الأب فاردانيان، واستكشاف الخلفية التاريخية والدينية التي تمنحها أهميتها.

وفي هذه الحلقة الأولى، نرسم الخريطة الكنسية والدينية لأرمينيا، من الكرسي الأم في إتشميادزين إلى الكنائس الروسية والكاثوليكية والإنجيلية وسائر الجماعات الدينية، تمهيداً للانتقال إلى الاضطراب المؤسسي والسياسي الذي تتعرّض له الكنيسة الرسولية.

وهكذا، تواجه أرمينيا اليوم مفارقة تاريخية لافتة: فالكنيسة التي أسهمت في حفظ هوية الشعب الأرمني طوال قرون من الحروب والاحتلالات والتهجير، والتي ينتمي إليها معظم سكان البلاد، أصبحت في قلب مواجهة حادّة مع السلطة السياسية. ولم يعد الخلاف مقتصراً على مواقف رجال الدين من قضايا وطنية، بل امتدّ إلى موقع القيادة الكنسية واستقلال المؤسسة الدينية وحدود تدخّل الدولة في شؤونها.

ولفهم خطورة هذه المواجهة، لا بدّ أولاً من العودة إلى التاريخ الذي جعل الكنيسة الأرمنية الرسولية أكثر من مؤسسة دينية، ومن التعرّف إلى الخريطة الكنسية والدينية في بلد يُعدّ من أقدم المجتمعات المسيحية في العالم.

المسيحية وتكوين الهوية الأرمنية

يرتبط اعتناق أرمينيا المسيحية رسمياً، وفق التقليد الأرمني، بسنة 301 ميلادية، في عهد الملك تيريدات الثالث، وبفضل رسالة القديس غريغوريوس المنوّر. ومع أن المؤرخين يناقشون التاريخ الدقيق لهذه الخطوة، فإن مكانتها الرمزية ثابتة؛ فقد أصبحت المسيحية ركيزة أساسية في تكوين الهوية الأرمنية.

ثم جاء ابتكار الأبجدية الأرمنية على يد القديس مسروب ماشدوتس، في مطلع القرن الخامس، ليمنح الكنيسة دوراً حاسماً في التعليم والترجمة وحفظ التراث المكتوب.

وعندما فقد الأرمن استقلالهم السياسي خلال مراحل طويلة، بقيت الكنيسة إطاراً يجمع الجماعات الأرمنية، ويحافظ على اللغة والذاكرة والتقاليد، ويؤدّي وظائف تعليمية واجتماعية تجاوزت حدود العبادة.

وتعزّز هذا الدور بعد الإبادة الجماعية للأرمن عام 1915، وما رافقها من قتل وتهجير وتشتّت واسع. وفي الحقبة السوفياتية، تعرّضت الحياة الدينية لقيود وضغوط، قبل أن تستعيد الكنيسة حضورها العام بعد استقلال أرمينيا سنة 1991.

وهكذا، لم تتشكّل العلاقة بين الشعب الأرمني وكنيسته على أساس ديني فقط، بل استندت أيضاً إلى تجربة تاريخية جعلت المؤسسة الكنسية حاملةً لذاكرة جماعية ارتبطت ببقاء الشعب نفسه.

الكنيسة الأرمنية الرسولية: هوية كنسية مستقلة

تنتمي الكنيسة الأرمنية الرسولية إلى عائلة الكنائس الأرثوذكسية المشرقية، التي تضمّ الكنائس القبطية والسريانية والإثيوبية والإريترية والمالانكارية الهندية. وهي تختلف عن الكنائس الأرثوذكسية الشرقية ذات التقليد البيزنطي، ومنها الكنائس الروسية واليونانية والأنطاكية والصربية.

ويعود هذا التمايز إلى الخلافات اللاهوتية التي تبلورت بعد مجمع خلقيدونية سنة 451، ولا سيما بشأن التعبير عن اتحاد اللاهوت والناسوت في المسيح. وقد أسهم الحوار اللاهوتي الحديث في توضيح كثير من أوجه سوء الفهم التاريخي، من دون أن يؤدّي إلى استعادة الشركة الكنسية الكاملة بين العائلتين.

ويقع المركز الروحي الأبرز للكنيسة الأرمنية الرسولية في إتشميادزين، قرب العاصمة يريفان، حيث يقيم الكاثوليكوس كاريكين الثاني، كاثوليكوس عموم الأرمن.

لكن حضور الكنيسة لا يقتصر على أرمينيا؛ ففي أنطلياس بلبنان توجد كاثوليكوسية بيت كيليكيا الكبير، برئاسة الكاثوليكوس آرام الأول. وهي مؤسسة أرمنية رسولية تشترك مع إتشميادزين في العقيدة والتراث، وتتمتع بإدارتها الكنسية الخاصة. كما توجد بطريركيتان أرمنيتان تاريخيتان في القدس والقسطنطينية.

ويمنح هذا الامتداد العالمي الكنيسة طابعاً يتجاوز الحدود السياسية للدولة الأرمنية، ويجعل التطورات التي تطال قيادتها موضع اهتمام الجاليات الأرمنية في الشرق الأوسط وروسيا وأوروبا والأميركيتين.

كم يبلغ عدد المؤمنين في مختلف الكنائس؟

وفق تعداد أرمينيا لعام 2022، بلغ عدد السكان نحو 2.93 مليون نسمة، وأعلن قرابة 2.79 مليون شخص انتماءهم إلى الكنيسة الأرمنية الرسولية، أي نحو 95 في المئة من السكان.

وفي المقابل، بلغ عدد الكاثوليك، بمن فيهم الأرمن الكاثوليك، نحو 17,900 شخص، والإنجيليين نحو 15,800 شخص، والأرثوذكس الشرقيين نحو 6,300 شخص. وتشمل الفئة الأخيرة أتباع الكنيسة الروسية وغيرهم، من دون فصل إحصائي دقيق بينهم.

وسجّل التعداد أيضاً نحو 5,300 شخص من شهود يهوه، إلى جانب جماعات مسيحية أصغر، منها المولوكان والبروتستانت الآخرون وأتباع كنيسة المشرق الآشورية.

وهذه الأرقام تعبّر عن الانتماء الديني المعلن، ولا تعني بالضرورة المواظبة على الشعائر أو العضوية الفعلية في الرعايا. كما لا تتوافر أرقام منفصلة موثوقة لأتباع بطريركية أنطاكية للروم الأرثوذكس في أرمينيا، حيث لا توجد لها أبرشية وطنية كبيرة معروفة.

وتكشف هذه الأرقام عن حقيقة أساسية، وهي أن الكنيسة الرسولية ليست مجرّد أكبر كنيسة في أرمينيا، بل إن أتباعها يشكّلون الغالبية الساحقة ممّن يعلنون انتماءهم إلى المسيحية، وهو ما يمنح أيّ أزمة تتعرّض لها أبعاداً اجتماعية ووطنية واسعة.

الأرثوذكسية الروسية: حضور محدود وعلاقات تاريخية

يرتبط وجود الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في أرمينيا بالتاريخ الطويل للعلاقات بين الأرمن وروسيا، منذ العهد الإمبراطوري مروراً بالحقبة السوفياتية. وفي عام 2021، أنشأت بطريركية موسكو أبرشية يريفان وأرمينيا لتوفير الرعاية الدينية للأرثوذكس الشرقيين المقيمين في البلاد.

وتتبع هذه الأبرشية بطريركية موسكو، ولا تخضع للكنيسة الأرمنية الرسولية. وفي المقابل، لا تملك الكنيسة الروسية سلطة على إتشميادزين أو على القيادة الأرمنية الرسولية. لكن العلاقات بين الكنيستين تتّسم بالتعاون والحوار، وتكتسب أهمية إضافية بسبب الروابط التاريخية والثقافية والسياسية بين أرمينيا وروسيا.

ولا ينبغي الخلط بين التضامن الكنسي والسياسة الخارجية للدولة الروسية؛ فالكنيسة الأرمنية مؤسسة مستقلة ذات جذور أقدم بكثير من التحالفات السياسية الحديثة.

أنطاكية وأنطلياس: اسمان مختلفان ومرجعيتان مستقلتان

يحدث أحياناً خلط بين بطريركية أنطاكية للروم الأرثوذكس وكاثوليكوسية بيت كيليكيا الكبير في أنطلياس. فبطريركية أنطاكية، ومركزها دمشق، تنتمي إلى الأرثوذكسية الشرقية ذات التقليد البيزنطي، وهي كنيسة مستقلة ذات حضور تاريخي في سوريا ولبنان وبلدان الانتشار. أمّا كاثوليكوسية أنطلياس، فهي مؤسسة أرمنية رسولية تنتمي إلى الأرثوذكسية المشرقية، وتضطلع بدور عالمي في حياة الجاليات الأرمنية.

ولذلك، ترتبط أنطلياس مباشرة بالشأن الكنسي الأرمني، بينما ترتبط أنطاكية به من خلال العلاقات المسكونية والتاريخية والتضامن بين الكنائس.

الكاثوليك والإنجيليون وسائر المسيحيين

توجد في أرمينيا الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية، التي تحتفظ باللغة والطقوس الأرمنية، لكنها في شركة كنسية مع روما، إلى جانب جماعات كاثوليكية لاتينية محدودة. وتنتشر الجماعات الأرمنية الكاثوليكية خصوصاً في بعض المناطق الشمالية، ومنها شيراك ولوري.

كما توجد الكنيسة الإنجيلية الأرمنية، التي تعود جذورها المؤسسية إلى القرن التاسع عشر، إلى جانب المعمدانيين والخمسينيين والسبتيين وسائر الجماعات البروتستانتية. وتحافظ الجماعات الآشورية التابعة لتقاليد كنيسة المشرق على تراثها السرياني الشرقي، وهي مستقلة عن الكنيسة الأرمنية الرسولية.

ولا تشكّل هذه الجماعات كتلة سياسية أو كنسية واحدة، بل تتمتع كلٌّ منها بتنظيمها وتقاليدها وأولوياتها الرعوية.

المسلمون والإيزيديون والبهائيون واليهود

رغم الغالبية المسيحية الواضحة، تضمّ أرمينيا أقليات دينية غير مسيحية. وقد سجّل تعداد 2022 نحو 515 شخصاً أعلنوا انتماءهم إلى الإسلام، مع احتمال وجود مسلمين يقيمون بصورة مؤقتة ولا تعكس هذه الأرقام أعدادهم. ويبرز المسجد الأزرق في يريفان بوصفه أحد أهم الشواهد الباقية على التاريخ الإسلامي للمدينة، ويرتبط بالحياة الدينية والثقافية للجالية الإيرانية. وتوجد كذلك جماعة بهائية صغيرة لا تتوافر عنها إحصاءات رسمية حديثة ودقيقة.

أمّا الإيزيديون، فيشكّلون جماعة تاريخية مهمّة ذات ديانة مستقلة عن الإسلام والمسيحية، ويتركّز وجودهم في مناطق من البلاد، ولا سيما حول جبل أراغاتس. كما توجد أيضاً جماعة يهودية صغيرة. ويجعل هذا التنوّع قضية الحرية الدينية في أرمينيا أوسع من علاقة الدولة بالكنيسة الرسولية وحدها، حتى وإن كانت الأخيرة تحتلّ الموقع الأكبر في المجتمع.

هل تتمتع الكنيسة الرسولية بأولوية رسمية؟

يعترف الدستور الأرمني بالدور الاستثنائي للكنيسة الرسولية في الحياة الروحية والثقافية للشعب الأرمني، وفي المحافظة على هويته الوطنية، لكنه يقرّ أيضاً بحرية الدين والفصل بين الدولة والمؤسسات الدينية.

وهنا يظهر توازن حسّاس بين الاعتراف بالدور التاريخي للكنيسة وضمان حقوق جميع الجماعات الدينية. فالمكانة الوطنية للكنيسة الرسولية لا تجعلها مرجعية عقائدية لسائر الكنائس، ولا تلغي استقلال الجماعات الروسية والكاثوليكية والإنجيلية وغيرها، كما أن الاعتراف بتاريخها لا يمنحها سلطة سياسية موازية للدولة.

وفي المقابل، فإن الفصل بين الدين والدولة لا ينبغي أن يتحوّل إلى مبرّر لتدخّل الحكومة في اختيار القيادات الدينية أو إدارة الشؤون الروحية الداخلية.

المفارقة التي تفتح باب الأزمة

تكشف الخريطة الدينية لأرمينيا عن مفارقة عميقة؛ فالكنيسة التي أسهمت في المحافظة على الهوية الأرمنية خلال قرون من فقدان الاستقلال، والتي ينتمي إليها نحو 95 في المئة من السكان وفق الانتماء المعلن، تخوض اليوم مواجهة غير مسبوقة في حدّتها مع السلطة السياسية.

وفي الوقت الذي تستمرّ فيه الكنائس الأصغر، ومنها الكنائس الروسية والكاثوليكية والإنجيلية، في ممارسة نشاطها بصورة مستقرة نسبياً، أصبحت قيادة الكنيسة الرسولية نفسها موضع نزاع قضائي وسياسي ومؤسسي.

وهذا يعني أن الأزمة الراهنة ليست مجرّد خلاف ديني، بل امتحان لطبيعة الدولة الأرمنية وحدود استقلال المؤسسات التي تحمل ذاكرتها التاريخية.

في الحلقة الثانية، ننتقل إلى قلب هذه المواجهة، بما يشمله من توقيف الأساقفة، والإجراءات التي طالت الكاثوليكوس كاريكين الثاني، ومحاولات تغيير القيادة الكنسية، ومواقف موسكو وأنطلياس والحكومة والمعارضة، لمعرفة حجم الاضطراب الذي يهدّد الكنيسة الأرمنية الرسولية ومستقبل علاقتها بالدولة.

مقالات الكاتب

د. زياد  أسعد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.