لم يفاجئ المراقبين هجوم عنصرين من حركة المقاومة الإسلامية «حماس» على موقع عسكري إسرائيلي في مدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية المحتلة، كما لم يكن الرد الإسرائيلي مستغرباً؛ إذ دأبت إسرائيل على استغلال العمليات الفلسطينية لفرض عقاب جماعي على المواطنين. لكن، هذه المرة، كما في أحداث مماثلة، تجاوزت التداعيات حدود فلسطين المحتلة، لتطرح أسئلة عن جريمة كنيسة حمود في الكرك ودوافعها والجهات المحتملة التي تقف وراءها.
والخليل، التي تضم بؤراً استيطانية متطرفة، تشهد اعتداءات متكررة على الفلسطينيين، في ظل سياسات إسرائيلية وشخصيات متطرفة، من بينها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، المقيم في مستوطنة «كريات أربع» والمعروف بدعمه للتيارات الاستيطانية المتشددة.
ويمكن النظر إلى العمليات الإسرائيلية من زاويتين: اعتداءات معلنة تنفذها قوات الاحتلال والمستوطنون، وأخرى سرية تُنسب إلى أجهزة الاستخبارات، وفي مقدمتها الموساد، وتعتمد على شبكات من العملاء قد يحمل بعض أفرادها جنسيات مختلفة أو ينتمون إلى المجتمعات المستهدفة.
ومن النماذج التي تستحق التذكير بها استخدام عملاء فلسطينيين للتسلل إلى غرف الأسرى وانتزاع المعلومات منهم، عبر انتحال صفة المعتقلين. وخلال ثمانينيات القرن الماضي، تحدثت روايات عن تجنيد فلسطينيين وإيهامهم بأنهم يعملون لمصلحة تنظيمات فلسطينية وطنية، ثم تكليفهم باستهداف ممتلكات وشخصيات ومؤسسات فلسطينية، لتشويه سمعتها وإثارة الانقسام.
ومن أبشع الممارسات المنسوبة إلى تلك العمليات تخريب المقابر المسيحية وتحطيم الصلبان والعبث برفات الموتى. وقد كشفت تحقيقات محلية عن تورّط أشخاص جرى استدراجهم عبر عملاء آخرين مرتبطين بالمخابرات الإسرائيلية. ونُفّذت بعض الاعتداءات ليلاً، أثناء فرض حظر التجول في محافظة بيت لحم، وغالباً بالقرب من دوريات عسكرية تتولى حماية المنفذين، بهدف ضرب الثقة بين الفلسطينيين وتقويض وحدتهم الوطنية خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت عام 1987.
وفي ضوء هذه السوابق، يبرز احتمال أن يكون منفذو جريمة الكرك قد تحركوا ضمن واجهة تنظيمية محلية، من دون أن يعني ذلك ثبوت ارتباطهم بجهة استخباراتية خارجية. فمثل هذه الفرضية تستدعي تحقيقاً دقيقاً في مصادر التمويل والاتصالات والعلاقات التنظيمية، وفي احتمال وجود جهات أخرى، من بينها إسرائيل، تقف وراء المنفذين. وقد تكون معرفة الجهة التي نفذت الجريمة أسهل من الوصول إلى من خطّط لها أو وجّهها، إذا ثبت وجود شبكة أوسع أو حلقات وسيطة تفصل بين الطرفين.
ويطرح ذلك سؤالاً سياسياً مهماً: هل كان من بين أهداف الجريمة صرف أنظار الرأي العام الأردني والفلسطيني والدولي عن عمليات هدم المنازل والتهجير في الخليل، وجرائم المستوطنين في الضفة الغربية، وتحويل الاهتمام إلى مواجهة داخلية في الأردن تمسّ السلم الأهلي، وتقوّض مواقفه المساندة للشعب الفلسطيني على مستوى كلٍّ من القيادة الهاشمية والشعب الأردني؟ يظل هذا احتمالاً يحتاج إلى أدلة، لكنه يستحق البحث في إطار التحقيق في الدوافع والجهات المستفيدة.
إن كنيسة حمود ليست مكاناً عابراً؛ فهي تقع في بلدة مسيحية أردنية ذات تاريخ وطني وقومي مشهود، وتفصلها عن الخليل مسافة جغرافية غير كبيرة. وتعود أصول عائلات أردنية إلى الخليل، ومن بين أفرادها من عاش في فلسطين قبل احتلال الضفة الغربية عام 1967، فيما تتعرض المدينة الفلسطينية لهجوم إسرائيلي واسع. وتمنح هذه المعطيات اختيار المكان دلالات تستحق الفحص، من دون أن تكفي وحدها لإثبات وجود صلة مباشرة بين أحداث الخليل والجريمة في الكرك.
كما أن سقوط ضحايا من عائلة هلسة خلال إقامة الصلاة على جثمان سيدة من العائلة يضاعف وقع المأساة. وتستحضر البلدة سيرة تريز هلسة، المناضلة الفلسطينية التي ارتبط اسمها بتاريخ المقاومة، فيما ينتمي الضحايا إلى أوساط لها إسهامات علمية وأدبية ووطنية.
واستناداً إلى تجربة صحفية سابقة، اطّلعت على روايات لعملاء خطرين تتعلق باستخدامهم داخل السجون لانتزاع المعلومات، وعلى عمليات نفذها أشخاص استثمروا هوياتهم العربية ضمن وحدات المستعربين. ويستحضر هذه التجربة، التي وُثّقت لاحقاً في صحافة شرق أوسطية، للتأكيد على أهمية فحص أساليب العمل السري التي تتبعها المخابرات الإسرائيلية والموساد في تجنيد العملاء، لا باعتبارها دليلاً مباشراً على المسؤولية عن جريمة الكرك.
استهداف الكنيسة قد يكون، ضمن الفرضيات المطروحة، محاولة لإثارة الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، وصرف الأنظار عن الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين ومقدساتهم في القدس وبيت لحم والطيبة وغزة. ويضع ذلك في سياق اعتداءات أخرى نفذها جيش الاحتلال والمستوطنون، وطالت رجال دين وراهبات وكنائس، فضلاً عن منع مصلّين مسيحيين من الوصول إلى أماكن عبادتهم. وهذا الاستهداف قد يرمي أيضاً إلى دحض تصريحات مسؤولين أردنيين يعتزّون بالعلاقات بين أطياف المجتمع الأردني، على اختلاف دياناتهم وأصولهم.
كما يطرح احتمال أن يكون الاهتمام الإعلامي بالعلاقات التاريخية بين المسلمين والمسيحيين في الأردن وفلسطين، من خلال مقابلة أجراها الصحفي الأمريكي تاكر مع شخصية مسيحية أردنية أشادت بالعلاقات بين أبناء الوطن الأردني الواحد، عاملاً يستحق البحث عند تقصّي دوافع الجريمة. لكن أياً من هذه الفرضيات لا يمكن اعتباره نتيجة محسومة قبل ظهور أدلة موثوقة تكشف الجهة المسؤولة والأهداف التي سعت إلى تحقيقها.
ومهما بلغت فداحة الجريمة، فإن استهداف المدنيين ودور العبادة يجب ألا يتحول إلى مدخل للمساس بالسلم الأهلي، بل إلى دافع لتعزيز الوحدة الوطنية والالتفاف حول القيادة الأردنية التي لم تتوانَ يوماً عن تأكيد حرصها على أمن الأردنيين جميعاً، وهو ما عبّر عنه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ابن الحسين خلال زيارته إلى الكرك عقب وقوع الجريمة.
وفي ضوء الاحتمالات التي تحيط بملابسات الجريمة، لا يمكن استبعاد فرضية «الراية الكاذبة»، التي تقوم على إخفاء الجهة الحقيقية المسؤولة عن عملية ما، أو توجيه الشبهات نحو طرف آخر. غير أن إثبات هذه الفرضية يظل رهناً بما تكشفه التحقيقات من أدلة وقرائن. ومن هنا، تبرز أهمية الوصول إلى حقيقة ما جرى، وتحديد المسؤولين المباشرين، والتحقق مما إذا كانت وراءهم جهات أخرى أو أهداف تتجاوز التنفيذ المباشر للجريمة.
فالعلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الأردن وفلسطين أعمق من أن تنال منها محاولات بث الفرقة، وأي محاولة لاستغلال دور العبادة أو الرموز الدينية لإثارة الانقسام لن تغيّر من حقيقة التماسك الوطني. ويظل كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، أياً كانت هوياتهم والجهات التي تقف وراءهم، السبيل إلى صون وحدة المجتمع الأردني وحماية حق الجميع في الأمن والعبادة والكرامة.

جودت مناع
كاتب صحفي فلسطيني، محاضر ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات الفلسطينية والدولية، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين قبل أن ينهي الدراسات العليا في جامعة ليدز ترينيتي في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. مؤسس بيت الذاكرة الفلسطيني - شبكة متاحف القدس. حاز على عدد من الجوائز منها جائزة جاك هجينز ويوركشير تلفيجين في بريطانيا وأخرى من نقابة الصحفيين الفلسطينيين
عمل أيضاً نائب رئيس تحرير في صحيفة فلسطين - رام الله، بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، كما في وكالة الصحافة الفرنسية في فلسطين.
