الشرق الأوسط: تحالفات كثيرة وأمن غائب

بدايةً، أفتتح مقالي هذا برؤيتي المتمثّلة في أن «الأدوات اللازمة لحلّ الصراعات موجودة، لكن غياب الإرادة السياسية هو ما يُبقي المنطقة في دائرة إدارة الأزمات بدلاً من حلّها».

لم تعد التحالفات في الشرق الأوسط كما كانت قبل سنوات؛ فالدول التي كانت تبني مواقفها على الانتماء إلى محور بعينه أصبحت أكثر حذراً، وأكثر ميلاً إلى تنويع علاقاتها، حتى مع أطراف تختلف معها في ملفات جوهرية. وهذا التحوّل لا يعني بالضرورة مصالحةً أو تفاهماً حقيقياً، بل يعكس إدراكاً متزايداً بأن أزمات المنطقة باتت تتجاوز قدرة أيّ دولة منفردة، أو تحالف محدود، على احتواء تداعياتها.

أعتقد أن مشكلة الشرق الأوسط تكمن في أنه، رغم ثقله الجغرافي والاقتصادي والسياسي، ما زال يفتقر إلى قواعد أمنية مشتركة تحمي مصالح دوله وتمنع انزلاقها إلى مواجهات جديدة. فعلى الرغم من وجود اتفاقيات دفاعية وشراكات عسكرية وقواعد أجنبية وقنوات دبلوماسية، لا يوجد إطار إقليمي مستقر لإدارة الخلافات عندما تبلغ ذروتها. وهنا تكمن المفارقة: فكثرة التحالفات لم تمنح المنطقة أمناً أكبر، كما أن تعدّد الشراكات لم يحوّل التنافس إلى استقرار.

إن الدول اليوم لا تتعامل مع التحالفات بوصفها التزاماً سياسياً دائماً، بل بوصفها أدوات لحماية مصالحها في بيئة متغيّرة. فقد تعزّز دولةٌ تعاونها الأمني مع الولايات المتحدة، وتحافظ في الوقت نفسه على قنوات حوار مع إيران، وتوسّع علاقاتها الاقتصادية مع الصين، دون أن ترى في ذلك تناقضاً؛ لأن المعيار لم يعد الانتماء إلى معسكر بعينه، بل القدرة على تقليل المخاطر وتوسيع هامش الحركة السياسية.

هذا التحوّل يستحق قراءة هادئة؛ فليس كل انفتاح دبلوماسي دليلاً على انتهاء الخلاف، وليس كل تعاون أمني دليلاً على تطابق المصالح. وإذا تعمّقنا في تفسيره، نجد أن ما يحدث، في جانب كبير منه، هو محاولة لإدارة التناقضات بدلاً من الاستسلام لها؛ لأن الجغرافيا لا تتغيّر بتغيّر التحالفات، والدول المتجاورة ستظل مضطرّة إلى التعامل بعضها مع بعض، مهما اتّسعت الفجوة السياسية بينها.

اجتماع إسطنبول ودلالته

جاءت التحركات الدبلوماسية الأخيرة لتكشف حجم الترابط بين ملفات المنطقة؛ فقد استضافت إسطنبول، في 23 أكتوبر، اجتماعاً ضمّ تركيا ومصر والسعودية وباكستان، إلى جانب ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا. ولم تقتصر المناقشات على التوترات المرتبطة بإيران، بل شملت القضية الفلسطينية واليمن وأمن الملاحة في مضيقَي هرمز وباب المندب، إضافة إلى تداعيات الأزمات على التجارة والاقتصاد الدوليين. وشدّد المشاركون على ضرورة مواصلة الحوار والدبلوماسية وخفض التصعيد والعودة إلى الحلول التفاوضية. فهل تلتزم الأطراف بمخرجات هذا الاجتماع بهدف منع التصعيد؟

قد لا يكون هذا الاجتماع بدايةً لنظام أمني جديد، ولا يصحّ تحميله أكثر ممّا يحتمل، لكن دلالته السياسية مهمّة: فالقضايا التي كانت تُدار في مسارات منفصلة باتت تفرض نفسها، بحكم ترابطها، على طاولة واحدة. فأمن الخليج، مثلاً، لا ينفصل عن أمن البحر الأحمر، وأمن الملاحة لا ينفصل عن استقرار اليمن، والتوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يمكن عزله عن مستقبل القضية الفلسطينية وحسابات القوى الدولية. إن المنطقة لم تعد تسمح بمعالجة كل أزمة وكأنها جزيرة منفصلة عن الأخرى.

دعوة عُمان وسؤال الإقصاء

أضع بين أيديكم ما أقصده بسؤال الإقصاء: هل نحلّ المشكلة بإبعاد الطرف الآخر، أم نحلّها بإشراكه ووضع قواعد واضحة للتعامل معه؟

يبرز في هذا السياق طرح وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، في 26 أكتوبر، حين دعا إلى إطار أمني خليجي يضمّ دول مجلس التعاون الست، إلى جانب إيران والعراق، وإلى حوار بين الدول الثماني وصولاً إلى اتفاق لعدم الاعتداء. وفي تقديري، تستحق هذه الدعوة الاهتمام، لا لأنها تقدّم حلّاً سهلاً للخلافات المتراكمة، بل لأنها تطرح سؤالاً طال تأجيله: هل يمكن بناء أمن خليجي مستدام مع استبعاد أحد الأطراف الرئيسية في معادلاته الجغرافية والسياسية؟

لكن شمولية الحوار لا تعني تجاهل المخاوف العربية أو مطالبة الدول بالتنازل عن اعتبارات أمنها الوطني والقومي. فلدى دول الخليج مخاوف معلنة تتعلق بالسيادة، والبرنامج النووي الإيراني، والصواريخ والطائرات المسيّرة، والتدخلات الإقليمية. وقد انعكست هذه القضايا في مواقف مجلس التعاون الخليجي الواردة في بيانه الوزاري الصادر في 18 أكتوبر. لذلك، فإن أيّ إطار أمني جادّ لا يمكن أن يقوم على تجاهل هذه الهواجس، كما لا يمكن أن ينجح إذا بُني على الإقصاء الدائم.

المطلوب: قواعد وإرادة

لا أرى أن المطلوب هو أن تتفق الدول على كل شيء؛ فهذا غير واقعي، بل أن تتفق على ما لا يجوز تجاوزه: احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، وحماية الممرات البحرية، وإنشاء قنوات اتصال دائمة للتواصل عند الأزمات. ويمكن لهذه المبادئ أن تشكّل نقطة انطلاق. أمّا الثقة، فلا تُبنى بالتصريحات، بل بالتزامات متبادلة يمكن اختبارها ومحاسبة الأطراف على مدى احترامها.

ومن الخطأ أيضاً أن يتحوّل الحديث عن الأمن الإقليمي إلى دعوة لقطع الشراكات الدولية. لماذا؟ لأننا لا ننكر أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية تظلّ أطرافاً مؤثرة في أمن المنطقة واقتصادها، وأن التعاون معها قد يكون ضرورياً في مجالات عديدة. لكن هناك فرقاً بين شراكة دولية تعزّز قدرة الدولة على حماية مصالحها، وبين الاعتماد الكامل على حسابات قوة خارجية قد تتغيّر أولوياتها من مرحلة إلى أخرى. فلا يستقيم أن تطلب دول المنطقة من الآخرين ضمان أمنها، ثم تترك لهم وحدهم تحديد طبيعته وحدوده.

وممّا سبق، تتّضح الحاجة إلى دور عربي أكثر فاعلية؛ فالعرب ليسوا مجرّد أطراف تتأثر بما تقرّره القوى الإقليمية والدولية، بل يملكون مقوّمات سياسية واقتصادية وجغرافية تؤهّلهم للمشاركة في صياغة قواعد الاستقرار، إذا أحسنوا استثمارها. لكن عليهم أيضاً أن يدركوا يقيناً أن هذا الدور لن يتحقّق عبر بيانات القمم وحدها، بل يحتاج إلى تنسيق مستمر، ومواقف قابلة للتنفيذ، وقدرة على بناء تفاهمات، حتى مع الأطراف التي تختلف معها العواصم العربية.

فلسطين في قلب المعادلة… فهل من لبيب؟

لا يمكن أن تكتمل أيّ رؤية للأمن الإقليمي دون وضع القضية الفلسطينية في قلبها. وقد أثبتت التجارب المتكرّرة، عبر الزمن، لإيجاد حلول للقضية الفلسطينية، أنه لا يمكن حلّ صراعات المنطقة إلا عبر التوصّل إلى حلّ عادل لهذه القضية. فالاستقرار الذي يتجاهل الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني سيظلّ استقراراً ناقصاً، مهما تعدّدت الاتفاقيات والترتيبات الأمنية.

إن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وغياب أفق سياسي جادّ لا يؤثران في الفلسطينيين وحدهم، بل يمسّان شرعية أيّ تصوّر إقليمي للسلام في المنطقة، ويضعفان قدرة الدول العربية على إقناع شعوبها بأن الترتيبات الجديدة تستجيب لمصالح المنطقة وحقوقها، لا لمتطلبات إدارة الأزمات فحسب. فإدارة الصراع دون حسمه ستفضي إلى دائرة متكرّرة من المواجهات لا يستفيد منها أحد.

ثلاثة مسارات محتملة

في ضوء ما نراه من تطورات دراماتيكية، قد نكون أمام ثلاثة مسارات أكثر واقعية من الحديث عن سلام إقليمي شامل وسريع. يتمثّل المسار الأول في استمرار منطق المحاور، مع تعزيز التحالفات العسكرية وتبادل رسائل الردع. وقد يمنع هذا المسار بعض المواجهات، لكنه يُبقي المنطقة رهينة الحسابات المتقابلة.

أمّا المسار الثاني، فيتمثّل في التوسّع في التفاهمات الجزئية، خصوصاً في مجالات الملاحة والطاقة ومنع التصعيد، دون الوصول إلى تسوية شاملة للخلافات السياسية؛ أي، كما أسلفت، إدارة الصراع والخلاف بدلاً من حلّهما.

ويتمثّل المسار الثالث، وهو الأصعب في تقديري، في بناء إطار أمني إقليمي تدريجي، يبدأ باتفاقات محدّدة وقابلة للتحقّق من تنفيذها، ثم يتطوّر إلى آليات دائمة للحوار وتسوية النزاعات.

وأرى أن المسار الثاني هو الأقرب في المدى المنظور، لكن نجاحه مرهون بقدرته على فتح الطريق أمام المسار الثالث. فالتفاهمات المحدودة يمكن أن تكون بداية جيدة، بشرط ألا تتحوّل إلى غطاء لتأجيل القضايا الأساسية؛ لأن أيّ نظام أمني لا يملك آليات لمتابعة الالتزامات وتسوية الخلافات سيبقى أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى مشروع قابل للحياة.

في الختام…

أعتقد أن المنطقة لا تحتاج إلى تحالف جديد بقدر ما تحتاج إلى مراجعة طريقة تفكيرها في أمنها. فما الفائدة من بناء تحالف في ظل غياب الأمن والاستقرار؟ فالقوة قد تفرض توازناً مؤقتاً، لكنها لا تصنع وحدها استقراراً دائماً. وحتى التحالفات، يمكن أن تحمي المصالح في لحظة معيّنة، لكنها لا تعوّض غياب قواعد التفاهم بين الجيران.

وهنا، أودّ أن أعود إلى حيث بدأت، إلى فكرة المقال الرئيسية، المتمثّلة في أن الأدوات اللازمة لبناء أمن إقليمي متوافرة: قنوات الحوار، والاتفاقات الجزئية، وآليات منع التصعيد، والتعاون في الملاحة والطاقة. لكن هذه الأدوات لن تُفضي إلى نتائج فعلية دون إرادة سياسية حقيقية لدى الدول. فالمطلوب هو تجاوز الاكتفاء بإدارة الصراعات والحروب إلى الحسم السياسي ومعالجة أسبابها.

ربما آن الأوان لأن تنتقل دول الشرق الأوسط من سؤال: «من يقف معنا؟» إلى سؤال أكثر نضجاً: «ما القواعد التي تضمن ألّا يتحوّل اختلافنا إلى حرب؟». ويجب أن نصل إلى قناعة بأن أمن المنطقة لن يكون مستورداً بالكامل، ولن يُبنى بإقصاء أطرافها أو تجاهل مخاوف بعضها.

ويكمن الذكاء في توصّل الدول إلى فهم واضح قوامه أن مستقبلها معلّق بقدرتها على تحويل الجغرافيا المشتركة من مصدر تهديد إلى أساس للتعاون. فالدول لا تختار جيرانها، لكنها تستطيع أن تختار الطريقة التي تتعامل بها معهم، وهذه هي البداية الحقيقية لأيّ نظام إقليمي جديد.

مقالات الكاتب

محمد زيات

كاتب فلسطيني، لديه العديد من المقالات المنشورة في عدة صحف ووكالات أنباء فلسطينية وعربية. يتابع حالياً دراسة الماجستير في العلوم السياسية.