استعرض الجزء الأول الخلفية التاريخية للعلاقات الروسية–الصينية (https://beirut2030.me/?p=7439)، ولا سيما إسهام الاتحاد السوفيتي وروسيا في بناء جانب من القدرات العسكرية والتكنولوجية الصينية. أما هذا الجزء الثاني والأخير، فينتقل إلى تحليل التحولات التي أحدثتها حرب أوكرانيا والعقوبات الغربية في بنية هذه العلاقة، وحدود الشراكة بين موسكو وبكين، وموقع كل منهما في ميزان القوى الدولي المتغير.
إذا كانت روسيا والاتحاد السوفيتي قد أديا تاريخيًا دورًا مهمًا في تطوير جوانب من القوة العسكرية والتكنولوجية الصينية، فإن حرب أوكرانيا والعقوبات الغربية أنتجتا صورة معاكسة في المجال الاقتصادي. فمنذ سنة 2022 ازدادت حاجة روسيا إلى السوق الصينية وإلى الآلات والإلكترونيات والمركبات والمكونات الصناعية والمنتجات ذات الاستخدام المزدوج، بينما أصبحت الصين منفذًا تجاريًا بالغ الأهمية في وقت تقلصت فيه خيارات موسكو الغربية.
ومن هذه التحولات الاقتصادية نشأت في بعض الأوساط السياسية والإعلامية الغربية أطروحة تذهب أبعد من الأرقام نفسها، فتقدم روسيا باعتبارها في طريقها إلى التحول إلى قوة تابعة للصين، وتحاول اختزال الاقتصاد الروسي في وظيفة مورِّد الطاقة والمواد الأولية للسوق الصينية مقابل الحصول على الآلات والمنتجات الصناعية والتكنولوجية.
غير أن هذا التوصيف يخلط بين اختلال ميزان التجارة في ظرف استثنائي وبين التبعية الاستراتيجية للدولة. فروسيا، حتى تحت ضغط الحرب والعقوبات، لم تفقد استقلال قرارها السياسي، ولا قاعدتها الصناعية العسكرية، ولا صناعتها النووية والفضائية والصاروخية، ولا قدرتها على إنتاج الطاقة والغذاء والأسمدة والمعادن، ولا موقعها بوصفها إحدى القوتين النوويتين الأكبر في العالم. والأدق القول، أن الحرب والعقوبات أعادتا توجيه قسم متزايد من التجارة الروسية نحو آسيا ورفعتا الوزن النسبي للصين داخل الاقتصاد الروسي، وهو تحول يمنح بكين قوة تفاوضية إضافية، لكنه لا يحول روسيا إلى اقتصاد ملحق بالصين ولا يجعل العلاقة بينهما علاقة مركز بأطرافه.
بل إن العلاقة تحمل اعتمادًا متبادلًا غير متساوٍ في بعض القطاعات. فروسيا تستفيد من السوق والقاعدة الصناعية الصينية، بينما تحصل الصين من روسيا على الطاقة والمواد الخام والتكنولوجيا في قطاعات استراتيجية وعلى مورد بري ضخم يعزز أمنها الطاقوي بعيدًا عن طرق الملاحة البحرية التي تبقى عرضة للمخاطر الجيوسياسية. ومن ثم فإن السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كانت روسيا «أصبحت تابعة للصين»، بل كيف استغلت بكين الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب والعقوبات لتحسين موقعها التفاوضي داخل شراكة لا تزال كل دولة فيها تحتفظ بمصادر قوة لا يستطيع الطرف الآخر الاستغناء عنها بسهولة؟
فالاقتصاد الروسي منذ سنة 2022 لا يعمل في ظروف طبيعية. إنه اقتصاد دولة تخوض حربًا واسعة وتواجه عقوبات مالية وتجارية وتكنولوجية كبيرة، وتوجه نسبة مرتفعة من الموارد والصناعة إلى القطاع العسكري. أما الصين فتعمل في بيئة مختلفة، وتحتفظ بتجارة هائلة مع العالم وبقدرة واسعة على الوصول إلى الأسواق والاستثمارات الدولية. ولذلك فإن استخدام هذه اللحظة وحدها لتحديد التوازن «الطبيعي» والدائم بين الدولتين يحتاج إلى إعادة نظر.
العلاقة شراكة وليست تحالفًا دفاعيًا
التعبير الأكثر دقة للعلاقة الروسية–الصينية هو الشراكة، حتى إذا كانت الوثائق الرسمية للطرفين تستخدم توصيفات استراتيجية أكثر اتساعًا. فموسكو وبكين تتعاونان سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وتجريان مناورات مشتركة، وتنسقان في عدد من المؤسسات الدولية، لكنهما لا ترتبطان بالتزام دفاعي تلقائي يجعل إحداهما تدخل الحرب إذا تعرضت الأخرى لها.
وحرب أوكرانيا قدمت الاختبار الأكثر وضوحًا. فلو كانت الصين حليف حرب لروسيا بالمعنى التقليدي، لكان من المنطقي أن تضع قاعدتها الصناعية العسكرية بصورة مفتوحة خلف موسكو. لكنها لم تفعل ذلك. التجارة الصينية ساعدت الاقتصاد الروسي على الصمود، ووصلت منتجات ومكونات صينية ذات استخدام مزدوج إلى الصناعة الروسية، لكن بكين أبقت مسافة واضحة بينها وبين المشاركة الرسمية في الحرب.
وهذه المسافة ليست تفصيلًا؛ إنها جوهر العلاقة. الصين تريد التعاون مع روسيا، لكنها تريد في الوقت نفسه الاحتفاظ بحرية الحركة تجاه الولايات المتحدة وأوروبا وأوكرانيا والأسواق العالمية.
روسيا تحتاج المصنع الصيني، لكن الجيش الروسي لم يصبح صينيًا
من أكثر الأخطاء شيوعًا الخلط بين نوعين مختلفين من الاعتماد. النوع الأول هو اعتماد متزايد للصناعة الروسية على الآلات وأدوات التشغيل والإلكترونيات والرقائق والمحامل والمركبات والمكونات وسلاسل التوريد الصينية. وهذا أصبح مهمًا للغاية بعد العقوبات.
أما النوع الثاني فهو الادعاء بأن القوة العسكرية الروسية أصبحت تعتمد على منظومات قتالية صينية التصميم، وهذا شيء مختلف. فالصواريخ الاستراتيجية الروسية ليست صينية، والغواصات النووية ليست صينية، والمقاتلات الروسية الرئيسية ليست مشتقة من طائرات صينية، ومنظومات «إس-300» و«إس-400» ليست صينية، والدبابات الروسية الرئيسية ليست تصميمات صينية. والمفارقة التاريخية أن اتجاه انتقال التكنولوجيا في كثير من هذه القطاعات كان لعقود من موسكو إلى بكين لا العكس.
ولذلك فإن التعبير الأدق هو أن روسيا أصبحت أكثر اعتمادًا على القاعدة الصناعية وسلاسل التوريد الصينية، لا أن القوة العسكرية الروسية أصبحت صينية المصدر.
إيران و«شاهد»: المثال الذي تعرض بدوره للاختزال
أحد أوجه الخلل في قراءة القدرات الروسية بعد اندلاع الحرب هو التركيز على المكونات والتقنيات التي حصلت عليها موسكو من الخارج، ثم استخدام ذلك للحكم على مجمل قاعدتها العسكرية الصناعية. فقد استفادت روسيا من تقنيات ومكونات أجنبية، إيرانية وصينية وغربية المنشأ، كما تفعل قوى صناعية كبرى أخرى بدرجات مختلفة، لكن ذلك جرى داخل قاعدة عسكرية روسية قائمة أصلًا تشمل الصناعات الصاروخية والجوية والنووية والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والمدفعية والمسيّرات والاستطلاع والفضاء العسكري.
وفي مجال الطائرات غير المأهولة تحديدًا، لم تبدأ الخبرة الروسية مع الحرب الأوكرانية ولا مع المسيّرات الإيرانية؛ فقد كانت منظومات روسية مثل “أورلان-10” (Orlan-10) جزءًا أساسيًا من منظومة الاستطلاع وتحديد الأهداف وتصحيح نيران المدفعية، ثم دفعت الحرب إلى توسع سريع في إنتاج واستخدام طيف واسع من المسيّرات الهجومية والاستطلاعية وطائرات “إف بي في” (FPV) والمسيّرات المقاومة للتشويش والموجهة بالألياف الضوئية.
وفي الوقت نفسه استفادت موسكو من تصميمات أجنبية حين وجدت فيها فائدة عملياتية، ثم عدلت بعضها وأدخلتها في دورة إنتاج وتطوير محلية. ولذلك فإن الاستيراد هنا لا يصلح في ذاته معيارًا للتبعية العسكرية؛ المعيار الأكثر أهمية هو قدرة الدولة على استيعاب التكنولوجيا وتعديلها وإنتاجها وربطها بمنظوماتها القتالية، وهي تحديدًا العملية التي كانت الصين نفسها تمارسها لعقود عندما اشترت الطائرات والمحركات ومنظومات الدفاع الجوي الروسية. والمفارقة التي تستحق التركيز ليست أن روسيا احتاجت إلى هذه الدولة أو تلك، بل أن الاستفادة من التكنولوجيا الأجنبية لا تلغي استقلال القاعدة العسكرية للدولة، وإلا لوجب تطبيق المنطق نفسه على الصين التي قامت مراحل مهمة من تحديثها العسكري على استيعاب التكنولوجيا السوفيتية والروسية ثم تطويرها محليًا.
إيران، إذن، قدمت حلًا تكنولوجيًا مهمًا، ثم استوعبته روسيا ووسعته. وهذا يختلف عن تصوير صناعة المسيّرات الروسية كلها باعتبارها امتدادًا للصناعة الإيرانية.
كانت روسيا تملك قبل ذلك منظومات مثل “أورلان” (Orlan) و”فوربوست” (Forpost)، ثم توسع استخدام “لانسيت” (Lancet) والطائرات الصغيرة ذات الرؤية المباشرة “إف بي في” (FPV)، وبعد ذلك المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية لمقاومة التشويش. وأصبحت المسيّرات مرتبطة بشبكة أوسع من الاستطلاع والمدفعية والحرب الإلكترونية، والصواريخ، والقيادة، والسيطرة.
وهنا تظهر إحدى نتائج الحرب التي يصعب قياسها ماليًا. إذ تخوض روسيا دورة متواصلة من التجربة والفشل والتعديل وإعادة الإنتاج. وهذا لا يجعل كل التكنولوجيا الروسية متفوقة، فقد كشفت الحرب إخفاقات كثيرة، لكنه يمنح موسكو خبرة عملياتية لا تمتلكها الصين بالصورة نفسها.
الصين تملك المصنع، وروسيا تملك مختبر الحرب
الصين هي إحدى أكبر القواعد الصناعية في العالم، وتتمتع بقدرة هائلة في الإلكترونيات والمسيّرات والمحركات الصغيرة والمستشعرات والاتصالات والإنتاج الكمي. لكن الصناعة شيء والحرب شيء آخر. فالمسيّرة التي تعمل بنجاح في الاختبار قد تفشل عندما تواجه خصمًا يغير ترددات التشويش أو يبني شبكة دفاعية جديدة، والمنظومة التي تبدو ناجحة اليوم قد تصبح عديمة الفائدة بعد أشهر عندما يجد الطرف المقابل وسيلة لإبطالها.
منذ سنة 2022 تعيش روسيا وأوكرانيا هذا السباق بصورة يومية. وقد وثق «المعهد الملكي للخدمات المتحدة» وغيره من المؤسسات البحثية الغربية عملية التكيف المتبادل في الحرب، حيث يؤدي كل ابتكار إلى محاولة مضادة. ومن هنا فإن التفوق الصناعي الصيني لا ينبغي أن يتحول تلقائيًا إلى افتراض تفوق عملياتي في حرب لم تخضها الصين بعد.
الطاقة: هنا يظهر الاختلال الحقيقي
إذا كان الحديث عن التبعية العسكرية الروسية للصين مبالغًا فيه، فإن قطاع الطاقة يقدم صورة أكثر جدية للاختلال الاقتصادي. فقد أصبحت الصين أكبر مشترٍ منفرد للنفط الروسي، وتشير بيانات «إدارة معلومات الطاقة الأمريكية» إلى أن روسيا وفرت في سنة 2024 نحو خمس واردات الصين من النفط الخام، بمتوسط يقارب 2.2 مليون برميل يوميًا. وهنا فإن العلاقة مفيدة للطرفين؛ فروسيا تحصل على سوق ضخمة، والصين تحصل على مصدر كبير للطاقة من دولة مجاورة، ويمكن نقل جانب من الإمدادات عبر البر بعيدًا عن بعض المخاطر البحرية. لكن العقوبات وتراجع الأسواق الغربية منحت المشترين الآسيويين قوة تفاوضية أكبر، وبيعت بعض الخامات الروسية خلال مراحل من الحرب بخصومات مقارنة بخامات مرجعية.
ولا يصح وصف هذه الأسعار بأنها «رمزية» بالمعنى الحرفي، لكن جوهر الحجة لا يحتاج إلى هذه المبالغة، بحيث أن ضيق الخيارات الروسية أعطى الصين قدرة تفاوضية لم تكن تملكها بالدرجة نفسها قبل الحرب.
هل تحولت روسيا إلى «ملحق للمواد الخام»؟
داخل النقاش الروسي نفسه يظهر أحيانًا وصف ساخر لروسيا باعتبارها تتحول إلى «ملحق للمواد الخام» أو مورد للطاقة للصين. وهذه المخاوف ليست جديدة؛ فقد سبقت الحرب وترتبط بسؤال أعمق حول قدرة روسيا على تحويل ثرواتها الطبيعية إلى اقتصاد صناعي وتكنولوجي أكثر تنوعًا.
لكن روسيا ليست مجرد محطة وقود ضخمة. فهي منتج للطاقة والغذاء والمعادن والأسمدة والتكنولوجيا النووية والسلاح والفضاء، وتمتلك قاعدة علمية وصناعية مهمة. والمشكلة ليست غياب المقومات، بل الفارق بين امتلاك الموارد والقدرة على تحويلها إلى نمو صناعي مدني وتكنولوجي واسع.
ومن هنا يصبح السؤال بعد الحرب حاسمًا. هل تستخدم روسيا مواردها وإيراداتها لإعادة بناء قاعدة اقتصادية أكثر تنوعًا، أم يستمر اعتمادها المفرط على تصدير المواد الخام؟
“قوة سيبيريا-2”: الصين تفاوض روسيا ولا تنقذها
تكشف مفاوضات خط أنابيب “قوة سيبيريا-2” طبيعة العلاقة بصورة ربما تكون أوضح من البيانات السياسية. فروسيا تحتاج إلى إعادة توجيه جانب من الغاز الذي كان يستهدف السوق الأوروبية، والصين سوق طبيعية ضخمة، ومع ذلك استمرت المفاوضات فترة طويلة لأن بكين لم تتعامل مع المشروع باعتباره خدمة سياسية لموسكو، بل صفقة يجب أن تحقق شروطًا اقتصادية مناسبة للصين.
وهنا يظهر الفرق بين الشراكة والتحالف. فالشريك يستطيع أن يتعاون معك سياسيًا ثم يفاوضك بقسوة اقتصاديًا. والصين تعرف أن حاجة روسيا إلى السوق الشرقية ازدادت، ولذلك ليس من المنطقي أن تتخلى طوعًا عن القوة التفاوضية التي منحها إياها الوضع الجديد.
السؤال المزعج: هل من مصلحة الصين انتهاء الحرب سريعًا؟
هنا نصل إلى الفرضية الأكثر إثارة للجدل. فالسؤال المعتاد هو: هل تساعد الصين روسيا على الانتصار؟
ربما يكون السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت الصين تريد استمرار الحرب أو نهايتها، بل أي روسيا تخدم المصالح الصينية أكثر في النظام الدولي المقبل؟ فمن الصعب تصور أن انهيار الدولة الروسية يمكن أن يمثل نتيجة مرغوبة لبكين. روسيا دولة نووية كبرى تشترك مع الصين في حدود طويلة، وتمتد عبر القسم الأكبر من شمال أوراسيا، وتمثل مصدرًا ضخمًا للطاقة والمواد الخام، وشريكًا سياسيًا مهمًا في مجلس الأمن وفي مواجهة الضغوط الغربية. وانهيار دولة بهذه الخصائص لن يعني مجرد خروج منافس من الطريق، بل قد يعني اضطرابًا واسعًا في أوراسيا وانتشار مخاطر أمنية ونووية واقتصادية يصعب على الصين التحكم بنتائجها.
والأمر، من زاوية مختلفة، لا يقتصر على الصين. فالولايات المتحدة نفسها تستطيع أن ترى مصلحة في إضعاف القدرات الروسية أو الحد من قدرة موسكو على فرض إرادتها بالقوة، لكن إضعاف روسيا شيء وانهيار الدولة الروسية شيء آخر تمامًا. فالتفكك غير المنضبط لقوة نووية بهذا الحجم سيخلق أسئلة شديدة الخطورة تتعلق بالترسانة النووية ومراكز القيادة والسيطرة والاستقرار الأوراسي وتوازن القوى ومستقبل الموارد والمناطق الممتدة من أوروبا الشرقية إلى المحيط الهادئ. ولذلك ينبغي عدم الخلط بين الصراع الجيوسياسي مع روسيا وبين وجود مصلحة تلقائية لدى خصومها في اختفائها كدولة كبرى.
لكن هنا تبدأ المفارقة الصينية الحقيقية. الصين لا تحتاج إلى انهيار روسيا لكي تتقدم؛ قد يكون كافيًا أن تصبح روسيا أضعف نسبيًا. فإذا بقيت روسيا دولة قوية عسكريًا ونوويًا وقادرة على منع الهيمنة الغربية الكاملة على أوراسيا، لكنها خرجت من الحرب بقدرة اقتصادية أقل وهوامش مناورة أضيق وحاجة أكبر إلى الأسواق والتكنولوجيا والاستثمارات الصينية، فإن ترتيب القوة داخل العلاقة الروسية–الصينية سيتغير من دون حاجة إلى مواجهة بين البلدين.
وهذه النقطة تتجاوز العلاقات الثنائية. فروسيا ليست مجرد شريك تجاري للصين، بل إحدى القوى التاريخية التي سبقت الصين الحديثة في احتلال موقع مركزي داخل النظام الدولي. كانت الإمبراطورية الروسية قوة أوروبية وآسيوية كبرى، ثم أصبح الاتحاد السوفيتي أحد قطبي العالم، وبعد انهياره احتفظت روسيا بعناصر أساسية من تلك المكانة، من المقعد الدائم في مجلس الأمن، والترسانة النووية، والقدرة الفضائية والصاروخية، والامتداد الأوراسي، إلى النفوذ العسكري والدبلوماسي. أما الصين، فعلى الرغم من تاريخها الإمبراطوري العريق، فإن صعودها إلى مرتبة القوة العالمية الحديثة بالشكل الذي نعرفه اليوم أحدث زمنيًا.
ومن هنا يمكن طرح فرضية أكثر جرأة: روسيا الضعيفة نسبيًا، لا روسيا المنهارة، قد تفتح أمام الصين الطريق إلى مقدمة النظام الدولي بسرعة أكبر. فكلما تراجعت قدرة موسكو الاقتصادية على التحرك المستقل، ازدادت قدرة بكين على أن تصبح المركز الاقتصادي والسياسي الأثقل في الفضاء الأوراسي؛ وكلما انشغلت روسيا بحرب طويلة مع الغرب، ازدادت حرية الصين في توسيع حضورها في آسيا الوسطى والطاقة والتجارة والبنية التحتية والقطب الشمالي والأسواق التي كانت روسيا تتمتع فيها تاريخيًا بنفوذ أكبر.
وهذا لا يعني وجود خطة صينية معلنة لـ«إسقاط روسيا» أو انتزاع مكانها. المسألة أكثر براغماتية من ذلك. الدول الكبرى لا تحتاج دائمًا إلى إسقاط منافسيها؛ يكفي أحيانًا أن يتراجع المنافس بينما تستمر هي في الصعود. ومن هذه الزاوية تصبح حرب أوكرانيا ذات نتيجة مزدوجة بالنسبة إلى الصين، بحيث أن استمرار روسيا كقوة عسكرية ونووية يمنع حدوث فراغ استراتيجي خطير على حدودها ويحافظ على قوة تستنزف جزءًا كبيرًا من الاهتمام والموارد الغربية، بينما يؤدي تراجع الوزن الاقتصادي الروسي النسبي إلى تحسين موقع الصين داخل الشراكة نفسها.
عند هذه النقطة يصبح السؤال أكثر حساسية: هل تحتاج الصين إلى أن تهزم روسيا كي تحل أمامها؟ ربما لا. قد تكون المعادلة الأكثر ملاءمة لبكين هي بقاء روسيا قوية بما يكفي كي لا تسقط، وقوية بما يكفي كي تستمر في موازنة الغرب، ولكن أضعف نسبيًا مما كانت عليه بحيث تنتقل الصين تدريجيًا إلى الموقع الأول داخل الفضاء الأوراسي وفي هرم القوى غير الغربية. وإذا صح هذا التحليل، فإن أحد أهم الآثار الجيوسياسية للحرب لن يكون انتصار طرف وهزيمة آخر فحسب، بل احتمال تسريع انتقال مركز الثقل داخل الشراكة الروسية–الصينية نفسها من موسكو إلى بكين.
لكن روسيا التي تبقى قوية عسكريًا وقادرة على إشغال الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا، وفي الوقت نفسه تصبح أكثر حاجة إلى السوق والآلات والمكونات والاستثمارات الصينية، قد تكون وضعًا مريحًا جدًا لبكين.
وهكذا تظهر معادلة مختلفة، وأساسها أن الصين قد تحتاج روسيا قوية بما يكفي لمواجهة الغرب، لكنها تستفيد من كونها ضعيفة اقتصاديًا بما يكفي كي تحتاج إلى الصين.
أفغانستان تعيد سؤال الاستنزاف إلى الذاكرة
هذه الفرضية تصبح أكثر إثارة عندما توضع إلى جانب التاريخ. ففي الثمانينيات دعمت الصين المجاهدين الأفغان الذين قاتلوا الجيش السوفيتي، ورأت في جعل الحرب السوفيتية أكثر كلفة أمرًا يخدم مصالحها في مواجهة موسكو. ولا يعني ذلك أن بكين تنظر إلى حرب أوكرانيا اليوم بالطريقة نفسها؛ فروسيا المعاصرة شريك وليست خصمًا كما كان الاتحاد السوفيتي في تلك المرحلة.
لكن التجربة التاريخية تكشف أن الفكر الاستراتيجي الصيني ليس غريبًا عن مفهوم الاستفادة من استنزاف قوة أخرى. ولذلك يمكن طرح السؤال من دون تحويله إلى نظرية مؤامرة: هل تدرك بكين أن استمرار الحرب يعيد توزيع عناصر القوة داخل الشراكة لمصلحتها؟
لماذا لم تستخدم الصين وزنها كله لفرض التسوية؟
تمتلك الصين أوراقًا استثنائية. فهي من أهم الشركاء الاقتصاديين لروسيا، وتملك علاقة سياسية مباشرة مع قيادتها، وفي الوقت نفسه لم تقطع علاقاتها بأوكرانيا وتحافظ على قنوات مع أوروبا والولايات المتحدة. وهذا يمنحها مساحة للتحرك لا تمتلكها معظم الدول.
قدمت الصين مبادرات ومواقف تتحدث عن التسوية السياسية، لكنها لم تحول وزنها الاقتصادي على روسيا إلى ضغط حاسم لإنهاء الحرب. وهنا يبرز تفسير براغماتي. فالسياسة الخارجية الصينية لا تتحرك وفق الرغبة في إنهاء الصراعات لذاتها، وإنما وفق حساب الربح والخسارة. فإذا كان الوضع القائم لا يهدد المصالح الصينية الأساسية ويمنحها في الوقت نفسه مزايا اقتصادية واستراتيجية، فقد لا تكون بكين مستعدة لدفع أثمان كبيرة لتغييره.
أوكرانيا لم تختف من الحسابات الصينية
ومن الأخطاء الشائعة تصور الصين وروسيا كمعسكر مغلق في مواجهة أوكرانيا. فبكين لم تقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع كييف، واستمرت الاتصالات بين المسؤولين الصينيين والأوكرانيين. وهذا مهم لأن الصين تريد الاحتفاظ بموطئ قدم في أوكرانيا مهما كانت نتيجة الحرب، كما تريد حماية علاقاتها الاقتصادية الأوسع مع أوروبا.
وهكذا تستطيع الصين أن تكون أقرب سياسيًا إلى موسكو، من دون أن تحول أوكرانيا إلى عدو دائم. وهذا نموذج كلاسيكي للبراغماتية الصينية: إبقاء أكبر عدد ممكن من الأبواب مفتوحًا.
هل سلحت الصين أوكرانيا؟
ظهور معدات ومكونات وإلكترونيات صينية في الجانب الأوكراني لا يثبت بحد ذاته وجود برنامج حكومي صيني لتسليح كييف. فالمسيّرات التجارية والإلكترونيات والمكونات الصينية تنتشر عالميًا، ويمكن أن تصل عبر الشركات والأسواق وإعادة التصدير والدول الوسيطة.
وينطبق المعيار نفسه على الجانب الروسي. فوجود مكون صيني في منظومة روسية لا يعني تلقائيًا أن الحكومة الصينية قررت تسليح روسيا. والتمييز بين التصدير الحكومي للسلاح وبين التجارة التجارية والمنتجات ذات الاستخدام المزدوج ضروري حتى لا تتحول المقالة من التحليل إلى الدعاية.
لكن الحقيقة الأوسع تبقى مثيرة. فالصناعة الصينية أصبحت من الضخامة بحيث توجد منتجاتها داخل البنية المادية للحرب على جانبيها.
الصين والولايات المتحدة: روسيا ليست البديل عن الغرب
إذا كانت الصين قد اختارت معسكرًا روسيًا مغلقًا، لكان من المنطقي أن تتعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها علاقة يجب تفكيكها. لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فالمنافسة الصينية–الأمريكية عميقة، وخصوصًا في التكنولوجيا والبحر والرقائق وتايوان، لكن العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وموقع الدولار والأسواق الأمريكية والاستثمارات والتجارة العالمية، تجعل الولايات المتحدة عنصرًا لا تستطيع بكين تجاهله.
ولذلك تستمر الصين في محاولة إدارة المنافسة مع واشنطن ومنعها من التحول إلى قطيعة كاملة. وهذا يضع حدًا آخر لفكرة «المحور الروسي–الصيني» بوصفه كتلة متماسكة على نمط الحرب الباردة.
تركيا تكشف خطأ تقسيم العالم إلى معسكرين
وتقدم تركيا مثالًا مفيدًا. فقد حافظت على علاقات اقتصادية وسياسية مع روسيا، وفي الوقت نفسه طورت تعاونًا دفاعيًا حقيقيًا مع أوكرانيا، شمل طائرات “بيرقدار تي بي-2” (Bayraktar TB2) والتعاون الصناعي وبناء سفن من فئة “آدا” (Ada) للبحرية الأوكرانية.
إذا كان ذلك ممكنًا لتركيا، فلا ينبغي أن يكون مفاجئًا أن تحاول الصين بدورها الجمع بين علاقات قوية مع روسيا والحفاظ على مصالحها مع أوكرانيا والغرب. فالنظام الدولي أكثر تعقيدًا من خريطة معسكرين متقابلين.
العمالة الصينية: هل روسيا مهددة ديموغرافيًا؟
هناك أيضًا بعد اجتماعي كثيرًا ما يستخدم في الحديث عن اختلال القوة: الفارق السكاني الهائل بين الصين والشرق الروسي قليل السكان. ومنذ التسعينيات انتشرت توقعات تتحدث عن ملايين الصينيين الذين سيستقرون في سيبيريا والشرق الأقصى، لكن دراسات ميدانية، ومنها أعمال ألكسندر غابويف وماريا ريبنيكوفا، أظهرت أن كثيرًا من هذه الأرقام كان مبالغًا فيه، وأن الهجرة الصينية إلى روسيا أكثر تعقيدًا وأقل حجمًا من سيناريوهات “الاستيلاء الديموغرافي”.
وفي المقابل، لا يعني الصعود الاقتصادي الصيني أن الصينيين لا يبحثون عن العمل والتعليم والاستثمار ونمط حياة مختلف في الخارج. فالصين نفسها تعرف تفاوتًا داخليًا في الدخول والفرص، والهجرة الصينية ظاهرة عالمية. كما أن مفهوم “العمالة الصينية الرخيصة” يحتاج إلى تحديث؛ فقد ارتفعت الأجور في الصين بصورة كبيرة مقارنة بمرحلة بداية التصنيع، ولم تعد الصين أرخص قاعدة عمالية في آسيا في قطاعات كثيرة.
آسيا الوسطى: المنافسة التي تجري بلا ضجيج
ربما تكون آسيا الوسطى المجال الذي يظهر فيه انتقال القوة الاقتصادية إلى الصين بصورة أوضح. فالمنطقة كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي وظلت بعد انهياره مرتبطة بروسيا سياسيًا وأمنيًا وثقافيًا، لكن الصين توسعت عبر التجارة والاستثمار وخطوط الطاقة والبنية التحتية ومبادرة “الحزام والطريق”.
ونشأ بذلك نوع من تقسيم العمل غير المكتوب، بحيث كان هناك ثقل اقتصادي صيني مقابل نفوذ أمني وثقافي روسي أقدم. لكن هذا التوازن ليس مضمونًا إلى الأبد. فإذا حاولت بكين تحويل تفوقها الاقتصادي إلى نفوذ سياسي وأمني أوسع، فقد تصبح آسيا الوسطى أحد الأماكن التي تختبر فيها حدود الشراكة الروسية–الصينية فعلًا.
القطب الشمالي: الصداقة تتوقف عند حدود السيادة
وتظهر الحساسية نفسها في القطب الشمالي. فالصين تريد الوصول إلى طرق الملاحة والطاقة والاستثمارات وتصف نفسها بأنها دولة “قريبة من القطب الشمالي”، بينما تنظر روسيا إلى المنطقة باعتبارها جزءًا مباشرًا من أمنها وسيادتها ومواردها الاستراتيجية.
العقوبات دفعت موسكو إلى توسيع بعض أوجه التعاون مع بكين، لكن ذلك لا يعني استعداد روسيا لتحويل القطب الشمالي إلى مجال نفوذ صيني مفتوح. وفي هذه المنطقة تحديدًا تظهر حدود الثقة عندما تبدأ مسائل السيادة والتحكم في طرق الملاحة والموارد.
الموارد: لماذا لا يشبه الاقتصاد الروسي اقتصاد دولة تابعة؟
من أسباب المبالغة في فكرة التبعية استخدام حجم الناتج المحلي وحده. فروسيا تملك داخل حدودها احتياطيات هائلة من الطاقة والمعادن والمياه والأراضي الزراعية والغابات، وتنتج الغذاء والأسمدة والطاقة، وتمتلك صناعة نووية وصاروخية ودفاعية مستقلة. وهذا لا يجعل اقتصادها أكبر أو أكثر تنوعًا من الاقتصاد الصيني، لكنه يمنحه متانة استراتيجية مختلفة.
أما الصين، فعلى الرغم من قوتها الصناعية، فهي مستورد هائل للطاقة والمواد الخام والغذاء وتعتمد بدرجة مهمة على طرق التجارة الدولية. ولذلك تحتاج هي الأخرى إلى روسيا. العلاقة غير متكافئة في بعض القطاعات، لكنها ليست علاقة دولة مكتفية بدولة لا تملك شيئًا.
ماذا يحدث إذا توقفت الحرب؟
هذه ربما تكون الفرضية التي ستحدد مستقبل العلاقة كلها. فإذا انتهت الحرب وتراجعت الضغوط الاستثنائية على الميزانية الروسية، وأصبح من الممكن إعادة توجيه جزء من الإنفاق والموارد البشرية والصناعية نحو الاستثمار المدني والبنية التحتية والتكنولوجيا، فإن روسيا لن تصبح اقتصادًا بحجم الصين، لكن هامش حركتها قد يتوسع.
وإذا ترافق ذلك مع تخفيف جزئي للعقوبات أو عودة بعض القنوات التجارية، فقد تتراجع درجة اعتمادها على الصين. وعندها سيظهر ما إذا كان الاختلال الذي نشأ بعد سنة 2022 تحولًا تاريخيًا دائمًا أم نتيجة ظرف استثنائي.
وهنا تحديدًا يمكن فهم سبب احتمال استفادة الصين من استمرار الوضع الحالي: فكلما ضاقت البدائل الروسية، ارتفعت القيمة النسبية للسوق الصينية.
هل هناك ذاكرة صينية تريد قلب العلاقة القديمة؟
يبقى سؤال تاريخي أكثر جرأة: هل يحمل جزء من النخبة الصينية ذاكرة العلاقة القديمة مع الاتحاد السوفيتي، عندما كانت الصين الطرف الأضعف الذي يتلقى التكنولوجيا والمساعدة ويقاوم موقع «الأخ الأصغر»؟ وهل يمنح انقلاب ميزان القوة الحالي بكين شعورًا بأنها تستعيد موقعًا فقدته تاريخيًا؟
ليس من الضروري تحويل ذلك إلى «انتقام صيني» أو الادعاء بوجود وثيقة سرية. فالذاكرة الاستراتيجية تعمل بصورة أكثر تعقيدًا. الدول تتذكر مراحل الإذلال والتبعية والخلاف، وتدخل هذه الذاكرة في تصورها لموقعها العالمي. والصين المعاصرة تبني جزءًا كبيرًا من خطابها الوطني أصلًا حول تجاوز مراحل الضعف واستعادة المكانة.
ومن هنا لا يستبعد أن ترى بكين في قدرتها الحالية على التفاوض مع موسكو من موقع اقتصادي أقوى انقلابًا تاريخيًا مرضيًا، حتى وهي حريصة على بقاء روسيا شريكًا قويًا.
الصين لا تحتاج إلى إسقاط روسيا كي تتفوق عليها اقتصاديًا
وهنا ربما تكمن المفارقة الكبرى. الصين لا تحتاج إلى إسقاط روسيا من مرتبة القوة العظمى كي تصبح أقوى منها اقتصاديًا؛ فقد تحقق ذلك بالفعل منذ زمن. كما أن روسيا لا تحتاج إلى امتلاك اقتصاد بحجم الصين لكي تبقى قوة نووية وعسكرية واستراتيجية كبرى.
ومن ثم فإن تصوير العلاقة باعتبارها سباقًا يجب أن ينتهي بإزاحة أحد الطرفين للآخر قد يكون خطأ في السؤال نفسه. فبكين تستطيع أن تكون القوة الاقتصادية الأكبر، بينما تحتفظ موسكو بموقع استراتيجي لا يتناسب حسابيًا مع حجم اقتصادها.
روسيا القوية المستنزفة قد تكون أفضل سيناريو لبكين
إذا جمعنا عناصر الصورة، تظهر فرضية تختلف عن السرديتين المتقابلتين. الصين لا تبدو في حاجة إلى انهيار روسيا، لأن روسيا المنهارة قد تنتج مخاطر أمنية هائلة وتفتح المجال أمام الغرب وتحرم بكين من الطاقة والموارد والشريك السياسي والقوة التي تشغل جزءًا مهمًا من القدرات الأمريكية والأوروبية. وفي الوقت نفسه، لا يوجد سبب اقتصادي يجعل الصين تتمنى بالضرورة عودة روسيا سريعًا إلى وضع تستطيع فيه تنويع أسواقها وشركائها والتفاوض مع بكين من موقع أقوى.
ومن هنا تصبح الصيغة الأكثر إثارة للنقاش هي أن روسيا القوية عسكريًا، المستقلة سياسيًا، القادرة على مواجهة الغرب، لكنها المضغوطة اقتصاديًا والمحتاجة إلى السوق الصينية، قد تكون بالنسبة إلى بكين أكثر فائدة من روسيا منهارة، وأكثر فائدة أيضًا من روسيا خرجت سريعًا من الحرب واستعادت كامل قدرتها على المناورة بين الشرق والغرب.
هذه ليست دعوة إلى اعتبار الصين عدوًا لروسيا، ولا إلى إنكار عمق التعاون بينهما. إنها محاولة لفهم معنى الشراكة عندما تكون المصالح غير متطابقة. فالشريك يستطيع أن يريد لك البقاء قويًا، وأن يستفيد في الوقت نفسه من حاجتك إليه.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي أعمق من سؤال «هل الصين حليفة لروسيا؟». السؤال هو: إلى أي حد تستطيع بكين الاستفادة من استنزاف شريكها من دون أن تسمح بانهياره؟ وإلى أي حد تدرك موسكو أن الشريك الذي يساعدها على مقاومة العزلة الغربية هو نفسه المستفيد الأكبر من تضيق بدائلها؟
وربما لهذا السبب تحديدًا ينبغي أن نصف العلاقة بما هي عليه. إنها شراكة بين قوتين كبيرتين تجمعهما مصالح واسعة وخصوم ومخاوف مشتركة، لكنهما لا تتوقفان لحظة واحدة عن حساب ميزان القوة بينهما.

د. زياد أسعد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
