عراقجي أقنع ويتكوف… وترامب يناور بـ«هدنة»

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان منبر الأمم المتحدة للتحدث «بلغة واحدة» تعكس إجماعاً إيرانياً بين النخب السياسية والعسكرية الحاكمة، واضعاً حدوداً للرهانات الأميركية والإسرائيلية على وجود خلافات داخل الجمهورية الإسلامية، أو على تباين المقاربات بشأن الحرب والتفاوض.

وتعني «اللغة الإيرانية الواحدة» إعطاء الأولوية للخيار الدبلوماسي، من دون التخلي عن خيار الحرب في حال مضت الولايات المتحدة الأميركية فيه، وأعطته الأولوية، واستمرت في سياسات الحصار والعقوبات والضربات العسكرية. وإيران تختبر حالياً النوايا الأميركية ومدى التزام واشنطن بالخيار الدبلوماسي. من هنا، جاء تشديد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أن طهران لا تريد قنبلة نووية، وإنما تحرص على امتلاك القدرة النووية لأغراض سلمية.

وفي كلامه هذا رسالة إلى كلٍّ من الرئيس دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس، اللذين يكرران أن هدف الحرب والحصار هو الحؤول دون امتلاك إيران سلاحاً نووياً. وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد أكّد هذا الأمر لكلٍّ من ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في واشنطن، بطرق مباشرة أو غير مباشرة، عبر الوسيط القطري، بحيث عقّب الرئيس ترامب على الأمر ووصفه بأنه مثمر.

في واقع الأمر، تُبدي إيران مرونة، وتربط التجاوب مع المطالب الأميركية، سواء في ما يتعلق بمضيق هرمز أو بـ«مذكرة التفاهم»، برفع الحصار البحري، وتحرير الودائع الإيرانية، وإنهاء الحرب. أما الحذر الإيراني من التصريحات الأميركية ومن نوايا «دوائر الحرب»، فتبرره طهران بغياب الثقة وانعدامها.

وتستند إيران في ذلك إلى أمثلة يسوقها الدبلوماسيون الإيرانيون من تجارب سابقة ولاحقة مع واشنطن، مثل موقف العاصمة الأميركية المنحاز إلى بغداد في الحرب العراقية–الإيرانية، وموقفها من اتفاقية الجزائر، والإنزال العسكري الأميركي في صحراء طبس في إيران، والانسحاب من الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه عام 2015 في عهد الرئيس باراك أوباما. ومن ثمّ، شنَّ الرئيس ترامب حربين على إيران في ظل مفاوضات واعدة، وعطّل «مذكرة التفاهم».

ومن أسباب غياب الثقة الإيرانية أيضاً التأثير الواضح للوبي الضغط اليهودي، رغم التحولات المعاكسة في الرأي العام الأميركي وفي أوساط الشباب والنساء. ففي التقدير الإيراني، تحتاج ترجمة هذه التحولات إلى وقت غير قصير، وإن كانت تؤخذ في الحسبان.

ورغم غياب الثقة الإيرانية، ثمة انفتاح على دور الوسطاء، وتحديداً باكستان وقطر، مع رهان خاص على الرئيس الصيني شي جين بينغ. إذ تعتبر طهران أن الصين هي الدولة الأعظم بعد الولايات المتحدة الأميركية، وأنها لا يمكن أن تتخلى عن إيران، وإن كانت تلتقي مع واشنطن وغيرها حول ضرورة عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً.

وبالتأكيد، تؤيد الصين فتح معبر مضيق هرمز نظراً إلى حاجتها إلى النفط الإيراني والخليجي، لكنها تربط ذلك برفع الحصار البحري عن إيران وعن ناقلات النفط الإيرانية. كما يأخذ الرئيس الصيني شي جين بينغ في الحسبان مسألة غياب الثقة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، ويريد أجوبة أميركية مطمئنة في هذا المجال. وهو يعتبر أن سياسات العقوبات والعزل الأميركية المفروضة على إيران تأتي من خارج إطار القوانين الدولية، وتشكّل تجاوزاً للأمم المتحدة ومجلس الأمن. وهذا يعني أن المفاوض الصيني مفاوض صعب، ويرغب في تنازلات متبادلة تكون نتائجها ومستقبلها مضمونين.

ومع ذلك، ثمة خشية إيرانية محسوبة من أن يناور الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مجال الخيار الدبلوماسي، وصولاً إلى هدنة تسبق الانتخابات الأميركية، وتمنحه وقتاً إضافياً لمعالجة ارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة الأميركية، وتأمين تدفق النفط، ومعالجة مشكلة الديزل الذي تحتاج إليه مواسم الزراعة الأميركية الضاغطة؛ خصوصاً أنه، على حد قوله، «غير معني بالانتخابات الأميركية ونتائجها، باعتبار أنه سيبقى رئيساً لما يزيد على سنتين». وهذا يعني أنه سيكون في إمكانه العودة إلى سياسات حرب طويلة، وإقامة تحالفات إقليمية وغير إقليمية تستهدف إيران في الخارج والداخل.

وفي واقع الأمر، تريد طهران أجوبة أميركية نهائية الآن، لا غداً. وهي مستعدة لكل الاحتمالات المنظورة وغير المنظورة. ومع ذلك، تبقى مرنة ومتوجسة.

مقالات الكاتب

عبد الهادي محفوظ

رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع.